"الحنطور" في الإسكندرية.. رحلة إلى زمن الأمراء والباشوات

الاثنين 2014/01/27
سائق "الحنطور" في انتظار السياح في أحد شوارع الإسكندرية

الإسكندرية- وسط عمليات التحديث والتجميل التي تشهدها مدينة الإسكندرية لايزال “الحنطور” يحتفظ بمكانته القديمة، ولاتزال “الكارتة” تمتلك نفس بريقها الفريد.

بجانب أحدث موديلات السيارات التي تجوب كورنيش الإسكندرية، يبدو “الحنطور” و”الكارتة” وكأنهما يستعيدان ذكريات عصر قديم لم يبرح بعدُ شوارع المدينة وميادينها الواسعة، ويأبى الناس أن يفلت من بين أيديهم، وهو يحمل عبق زمن الأمراء والباشوات والذي كان الحنطور فيه ـ إلى جانب الكارتة ـ وسيلة المواصلات الأرستقراطية الوحيدة منذ أكثر من 150 عامًا. أما الآن فإن ركوب الحناطير يجذب السائحين والمصطافين بعد أن صار وسيلة للمتعة والترويح عن النفس وليس وسيلة للتنقل كما كان في الماضي.

يقول إبراهيم أحمد السيد (62 سنة) وهو سائق سابق لعربة حنطور إن “عربات الحنطور في الماضي كان يجرها حصانان والأجرة كانت، حتـي 15 سنـة ماضيـة، لا تتعدى خمسة قروش، ورغم ذلك، فنحن كنا سعداء بهذه القروش القليلة التي تكفي جميع احتياجاتنا. أما الآن فقد وصل أجر الساعة لعربة الحنطور إلى 20 جنيهًا في حي الجمرك و25 جنيها خارج الجمرك”.

ويضيف وليد أنور الذي يعمل في هذه المهنة وعمره 12 سنة أن “هذه المهنة قد توارثها عن أهله، ومنذ عشر سنوات كان الركوب رخيصًا والآن أصبح مقابل عشرة جنيهات في الأماكن العادية.

ولا ضير لمن يدفع هذا المبلغ الكبير أمام المتعة التي ينشدها في تنسم الهواء العليل على الكورنيش على صوت أنغام دقات خطوات الخيل المنتظمة والمتجاوبة مع صوت جسم عربة الحنطور”. ويؤكد وليد أن “الراكب الذي ينشد المتعة والهواء الجميل لن يتوقف أمام الأسعار السياحية”.

ويقول منصور فرحات سائق لعربات الحنطور منذ أربعين عامًا، “ليس كل الناس يركبون الحنطور، فأصحاب المزاج الخاص هو دائما من يريدون المتعة والاستمتاع بسماع دقات الخيل، وأغلب السياح والتجار يفضلون مشاهدة معالم المدينة من على الحنطور”.

يفضل السياح مشاهدة معالم المدينة على متن "الكارتة"

أما سبب ارتفاع أسعار الركوب بهذا الشكل فيقول منصور فرحات سعد إن تكلفة طعام الحصان يوميًا في المتوسط لا تقل عن 10 جنيهات، أيّ حوالي 300 جنيه في الشهر، والنظافة والإسطبل 200 جنيه شهريًا بينما يتراوح ثمن الحصان ما بين 3000 و6000 جنيه، وتتكلف العربة ما بين 4000 و6000 جنيه وهي تحتاج إلى صيانة مستمرة من حدادة ونجارة ودهان وتغيير الدواليب تجديد للكراسي التي تتسع لخمسة أفراد دون احتساب السائق.

ويضيف وليد أنور قائلًا: “أنا أعمل “عربجي” (سائق حنطور) منذ أكثر من 20 سنة وقد ورثت تلك المهنة عن أجدادي وأبي وأنا متزوج وعندي 3 أولاد وكلهم في المدارس ولا أنوي تركهم يتوارثون تلك المهنة؛ لأنها غير مجدية من الناحية المادية وأيضًا مازال بعض الناس ينظرون بازدراء إلى “العربجي”.

كما أن مستقبله غير مأمون وحياته المعيشية بسيطة، فمثلًا يبلغ دخلي الآن 60 جنيها يوميًا أنفق منها 30 جنيها على الحنطور وفي الشتاء لا أشتغل باستمرار، إذ يوم أعمل ويوم لاعمل، وما يجعلني أستمر في هذه المهنة هو حبي لها، إلا أنني أحب أن يكون أولادي أحسن مني مهنيا.

وفي حي أبو قير تعد وسيلة “الكارتة” أو “الحانطور” خاصة مميزة ورمزًا إلى هذا الحي، حيث الشوارع صغيرة ضيقة ويصعب السير أو استخدام أية وسيلة مواصلات أخرى و”الحنطور” وسيلة مواصلات آمنة وبجنيهات زهيدة، لذلك مازالت باقية تتحدى الزمن.

ويقول جابر النصراوي وهو “عربجي كارتة” إن الكارتة أو عربة الحنطور تتركز في ضاحية خليج أبو قير ثم منطقة سيدي بشر والعصافرة والعامرية وهي وسيلة مواصلات تربط دائمًا بين منطقتين يصعب السير فيهما على الأقدام أو يتم اعتمادها للوصول إلى مسافة قريبة لا تحتاج استعمال السيارة أو لأن المنطقة تحت الإنشاء والتعمير والطريق غير ممهدة جيـدًا.

ويقول مدير مرور الإسكندرية إن إدارة المرور بالمدينة تضع ضوابط وشروطًا للحنطور والكارتة لضمان سلامة الركاب مثل وجوب حصول العربة على رخصة سير بعد فحصها والتأكد أنها قوية وبها فوانيس على الجوانب وعواكس خلفية للضوء لتجنب الحوادث ليلًا والتأكد من مظهر العربة الجيد. كما أن سائقها يجب أن يحصل على رخصة قيادة وذلك بامتحانه والتأكد من قدرته على السيطرة على الحصان والرجوع به إلى الخلف والدوران دون مشاكل.

وتعتبر إدارة المرور الحنطور والكارتة من عربات النقل البطيئة. وحتى لا تعوق حركة المرور لا يسمح لها بالسير في بعض شوارع وسط المدينة والشوارع التجارية المزدحمة بالناس والسيارات ويسمح للحنطور كمركبة ذات طابع سياحي أن تتخذ لها موقعًا.

ومازالت مشاكل سائقي الحنطور مع الضرائب الجزافية والمرور والبلدية والزحام تشكل عبءا على أصحاب مهنة عريقة مازالت تقاوم الزمن بما تبعثه من راحة وهدوء ومتعة الإحساس بالجمال لا تدانيها وسيلة أخرى.

20