الحنين إلى الحقيقة

الخميس 2014/06/26

هل ينمو الإعلام الرقمي على هامش الحقيقة، كي يجعل من كاتب مثل سايمون جنكيز يحن إلى الحقيقة التي تٌرى وليس المحسوسة منها، هل حقا اننا لا نشعر بكيان أي كيان ونحن نتعامل مع ملايين الصور والأخبار والمراسلات والأفلام على الإنترنت؟

هذا ما يريد قوله جنكيز “التقرير الذي نشر أمس على هذه الصفحة” في أن تلمس شيئا لا أن تراه فقط على صفحة الأنترنت، الصحيفة الورقية كمعادل غير موضوعي للصحيفة الرقمية، الصديق في المقهى غير الصديق على فيسبوك.

فهو يتهكم من الرأي المدافع عن تلاشي الصحف الورقية لحساب الإلكترونية، بل يشفق على أصحابه بسخرية مطالبا إياهم بعدم الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي.

فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تدفع الاضطرابات إلى الشارع، ولكنها تتغذّى من أحداث الشارع، عندما تحرّم الدولة المستعملين من خصوصية الأنترنت.

التجارب الحية بالنسبة له لا يمكن أن يعوضها عالم افتراضي وإن اكتسى بأبعاد ثلاثية، وهو في ذلك يكرر ما قاله روائي بمستوى غونتر غراس الرافض أصلا لوجود كمبيوتر في مكتبه، بأن من لديه خمسين صديقا على تويتر، هذا يعني لا صديق له! الصداقات الافتراضية لا تعوض الصداقات الحقيقية.

يركز هذا الكاتب المولع بمتابعة تصاعد الحياة في بلاده في مقالاته الأسبوعية بصحيفتي الغارديان وايفينيغ ستاندر، على إنفاق الأموال في سبيل التمتع بالتجارب الحية في المسرح والمكتبات والسينما وحفلات الموسيقى، كحقائق لم تغيبها ساعات التصفح على الانترنت.

فبالنسبة له الرأي القائل بأنّ الصحافة المطبوعة في تدهور مستمرّ، يقابلها اعتماد الشعراء والكتاب على تقنية الإلقاء الحيّ، ويرى أن النشرات الإخبارية لا تكتمل اليوم بدون مراسل على عين المكان لتغطية الحدث، كي يصبح الانترنت وسيلة في حد ذاتها لصناعة خارطة الطريق وليس الطريق. لأنه كلّما كرّسنا وقتا إضافيا أمام شاشات الكمبيوتر، كلّما تاقت أجسادنا إلى صحبة الآخرين، وهي حاجة ملحّة لا تتردّد الشركات في استغلالها لمضاعفة أرباحها.

قد يخفّف الإنترنت من آلام العزلة حسب جنكيز الحاصل على وسام الصحافة، لكنه يبقى عاجزا عن علاجها.

لا يبدو هذا الرجل الذي يجسد صورة “الصحفي بامتياز″ بكل ما يكتب وحيدا فيما يدعو إليه، بأن عصر ما بعد الرقمية سيعود إلى الحقيقة “هل أوجد الانترنت معه أشباه الحقيقة؟”، لكنه لا يعطي تصورا واضحا عن مستقبل الصحافة الورقية، هل سيبقى رهينا بمحتواها أم سيكون في كل الأحوال خاضعا لعصر صحفي رقمي.

سبق وأن رحب سايمون جنكيز بدعوات إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ المطالبة بفرض رسوم على الصحافة الإلكترونية، لكن هذا الترحيب إلى أين يقوده حيال فلسفة مردوخ الذي يعتقد أن رياح الرقمية لن تبقي خلفها سوى قصاصات ورق متناثرة.

فيما تشبه كاثرين فاينر رئيس تحرير صحيفة الغارديان الطبعة الأسترالية انتقال الصحافة الورقية إلى الرقمية، بالتحول من الحالة الصلبة التي تقدم الكتب والصحف المطبوعة إلى التدفق الحر في حالة سائلة، مع إمكانيات لا حدود لها وبسرعة هائلة تكاد لا تصدق.

أو بتعبير المدير الاقتصادي لشركة غوغل هال فاريان الذي برأ الإنترنت من مقتل الصحف الورقية، بقوله إن”الإنترنت ببساطة هو وسيلة متفوقة في توزيع ومتابعة الأخبار على الصحافة المطبوعة وليس امتدادا لها”.

مستقبل الصحافة الورقية لن يتحدد بالآراء المتفاعلة وحدها الآن، بقدر ما يحدده الرهان على الاستثمار بإخلاص القراء لصحفهم المطبوعة، ولن يكسب هذا الرهان سوى صحفيين بمستوى سايمون جنكيز يقدمون ما يدفع القارئ لاقتناء صحيفته الورقية.

18