"الحنين إلى الصراصير" كوميديا لاذعة تضمر الحزن في الضحك

مسرحية تدين المجتمعات الغربية المعاصرة في كوميديا لاذعة، تمزج بيير نوت العبثية بالسوداوية.
الاثنين 2018/12/17
عجوزان تبددان الوقت بالتذكر

عجوزان تتحديان الوحدة، وعوامل الزمن، وعمليات التجميل، وعالما قاده هوس الوقاية من كل شيء ففقد كل شيء، حتى الغبار والحشرات، تلك ثيمة مسرحية “الحنين إلى الصراصير” التي تعرض حاليا في مسرح “سان مارتان” بالعاصمة الفرنسية باريس.

“الحنين إلى الصراصير” نص على مقاس ممثلتين رائعتين هما تانيا تورينس وكاترين هيغل، من تأليف بيير نوت، وهو مؤلف وملحن ومخرج وممثل، شغل منصب أمين عام في الكوميدي فرانسيز، كتب وأخرج عدة مسرحيات من بينها “أنا موجود، إليك عني”، و”تائهات في ستوكهولم”، و”صحافيون”، و”سيدتان باتجاه الشمال”، وعرضت مسرحياته في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلغاريا واليونان والنمسا وإنكلترا واليابان والولايات المتحدة وروسيا ولبنان.

وفي هذا النص/ المسرحية التي تعرض حاليا على خشبة مسرح “سان مارتان” البريسي، يصور نوت عجوزين في خريف العمر، تجلسان جنبا إلى جنب وتمضغان الوقت وسط فراغ قاتل، تتبديان في هيئة طبيعية، بكل تجاعيد الكبر التي تلوح على وجهيهما حيث لا أثر للكولاجين ولا البوتوكس، لأنهما آخر العجائز الحق في عالم انصاع إلى قواعد شتى تزعم قيادَ البشر إلى السعادة، فلم يأت من ورائها غير الدمار، تنتظران زائرا، أو مارّا، أو منقذا لا يأتي، بل لا يأتيهما سوى أزيز طائرات بلا طيار، وزفيف سيارات فرق صحية، ودويّ انفجارات. عجوزان تريدان أن تثبتا لكل الناس أنه يمكن أن نشيخ ونهرم ونترك الجسد والوجه يفقدان نضارتهما دون عمليات جراحية.

في هذا العالم المثالي، الذي تخلص من كل ما يمكن أن يترك أثرا أو بقعا، صارتا تأسفان لانقطاع النحل والعسل والخمور والأجبان والحمام والجرذان، ويستبد بهما أحيانا حنين إلى الصراصير. تتواجهان، وتتعارضان، وتتخاصمان، وتسبر كل واحدة حقيقة الأخرى، وتمتحنها، ثم تتقاربان، وتتصالحان، وهما جالستان على ذينك الكرسيين. وفي نهاية المسرحية، تلتقيان في مشروع مشترك: أن تنهضا وتنصرفا، لأن الحياة كما قالت إحداهما تجد لها دائما مخرجا.

لا ندري بالضبط المكان الذي يدور فيه الحديث بين العجوزين، ولا في أي وقت، تفتتح المسرحية وسط ظلام شفقي تشوبه أدخنة، وينتأ فيه صوت يقول “لن يأتينا أحد”، ثم تنكشف الخشبة على امرأتين مسنتين، جالستين جنبا إلى جانب على كرسيين، في مواجهة الجمهور، بملامح تخالف ما صارت عليه عجائز هذا العصر الغربي، فالجفون متورمة، والنظرة ميتة، والجبين مجعد، والشعر ناصل، أو شائب دون صباغة، واليدان مغزوّتان ببقع الشيخوخة، فضلا عن الآثار الأخرى التي لا تبين كضعف الذاكرة وقصور بعض الأعضاء.

العجوزان تريدان أن تثبتا لكل الناس أنه يمكن أن نشيخ ونهرم ونترك الجسد والوجه يفقدان نضارتهما دون عمليات جراحية

الأولى كاترين كانت ممثلة، مسكونة بالإيمان، عاشت متعففة، والثانية تانيا كانت بائعة هوى، لا يهمها مما يقال عنها أي شيء، رغم أنها حافظت على جانب من البراءة أقرب إلى السذاجة.

ويتبادر إلى ذهن المتفرج في البداية أنهما في ملجأ عجائز، أو في حجرة مسرح، ثم يتضح أنهما في مكان ما من عالم مطهَّر صار الناس فيه يتغذون بعصيّات من الخضر التي يقع تجفيفها بالتجميد، عالم أزال فيه الإنسان كل ما يعتقد أنه مسيء إلى صحته، كالسجائر والخبز والغلوتين والسكر وحتى الغبار والبعوض، قد يكون هذا العالم هو ما ينتظر البشر في المستقبل.

تتجاذب المرأتان أطراف الحديث، وكأنهما تلتذان بدورهما كعجوزين تستعرضان جرائر العمر لا محالة، ولكنهما تتحديان بالتدخين المتواصل أعداء لامرئيين يبسطون هيمنة نظام أخلاقي على عالم يوشك أن ينهار.

السؤال الذي تثيره المسرحية هو كيف يمكن أن نعيش في عالم مطهَّر إلى أقصى حدّ، دون أن نحنّ إلى ما مضى، ونتأسف على زوال ما كان يزخر به من أطعمة ومشروبات وروائح، بل قد نفرح لرؤية ذبابة أو بعوضة.

كاترين تعترف بأنها تحن أحيانا إلى الصراصير، أما تانيا فكانت تحتفظ في جرابها شيئا من التبغ وورقِ السجائر ما يعينها على فتل سيجارتين، واحدة لها وأخرى لصديقتها، تزجيان بهما وقتا لا يمضي، ولا تقطعانه إلاّ بالهذر والتدخين، فتغمرهما من ذلك سعادة ما بعدها سعادة، أولا لأن السجائر باتت مفقودة؛ ثانيا لأنهما تتحديان بالتدخين هذا العالم المثالي ومن يديره، كتأكيد على حرية اختيار سُلبت منهما، أي أن العجوزين تحنّان إلى زمن ولّى، وعالم لم يعد له وجود وسط عزلة تامة.

في البداية كانتا تثيران فضول الأطفال وسخريتهم، ثم لم تعودا تثيران فضول أحد، فلا أحد يأتي، ولذلك تجلسان في انتظار شخص قد يأتي، على غرار فلاديمير وإستراغون بطلي “في انتظار غودو” أو “أوه، تلك الأيام الجميلة” لصامويل بيكيت. ولئن لم تبلغ المسرحية العمق الميتافيزيقي لدى بيكيت، فإنها استطاعت أن تنال الإعجاب وتنتزع الضحكة بفضل كتابة تنفذ إلى الجوهر، وتتخير من الخطاب ما يصيب المرمى؛ وبفضل أداء مميز لممثلتين قديرتين؛ وأخيرا بفضل ما انطوت عليه من إدانة للمجتمعات الغربية المعاصرة، وهوسها بالصحة والوقاية، وحرصها المتكلف على ما اصطلح عليه بالصحيح سياسيا، أي ما ينبغي اتباعه من سلوك وأفعال.

في هذه الكوميديا اللاذعة، يمزج بيير نوت العبثية بالسوداوية، والإضمار بالضحك، ويصوغ حوارات مضبوطة بإحكام تنهض بها ممثلتان متألقتان، فنضحك، ولكن بقلوب منقبضة.

16