الحواجز الأمنية تواري باب الحرية في بغداد

بغداد التي تتسع للملايين كانت موصدة في وجه سكانها وزوارها بأبواب تفتيش وحواجز إسمنتية تشل حركتهم ونشاطهم اليومي وتشعرهم بالغربة والحصار، لكن مع قرارات رفع هذه العراقيل يأمل البغداديون أن تعود مدينتهم إلى جمالها ونشاطها.
الخميس 2018/08/09
تطبيق متأخر لقرار قديم

بغداد – تغيرت حياة سهى عبدالحميد وهي طبيبة أسنان في الثلاثينات من العمر، بشكل كبير منذ شهرين بعدما أعيد فتح طريق يؤمن وصولها بسهولة إلى عملها في شرق بغداد، حيث تم فتح أكثر من ألف شارع بعد إغلاق استمر سنوات طويلة.

والحواجز الإسمنتية التي تقطع شوارع أو تحيط بالمباني منذ سنوات طويلة ويرابط فيها جنود أو أفراد شرطة، كانت مشهدا مألوفا في مدينة بغداد منذ سنوات.

تقول هذه الطبيبة التي تضع حجابا على رأسها وترتدي سترة سوداء اللون، إن الحواجز الإسمنتية “أتعبتنا
كثيرا، كنت أعاني جدا عند الذهاب إلى العمل، رغم أنه قريب (…) أما الآن فالشارع أفضل بكثير”. وتابعت وهي تتسوق في متجر لمواد غذائية في نفس الشارع الذي يقع في حي البنوك الراقي، “لم أكن أفكر سابقا حتى في المرور من هنا بسبب الحواجز” الإسمنتية.

وقرار رفع الحواجز الأمنية من شوارع بغداد يعود إلى السنوات السابقة، غير أنه لم ينفذ بسبب الهجمات التي تشهدها العاصمة بين حين وآخر. ويقول اللواء سعد معن المتحدث باسم قيادة عمليات بغداد “تمت إعادة افتتاح أكثر من ألف شارع رئيسي وفرعي في بغداد منذ العام الماضي وحتى اليوم”، بالإضافة إلى “رفع 305 حواجز أمنية ومرابطة (حاجز أمني مؤقت) في بغداد”، مؤكدا أن “الحملة مستمرة”.

واختفت من عدد كبير من شوارع بغداد، حواجز إسمنتية بينها ما يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أمتار، باستثناء المنطقة الخضراء التي تضم مقار الحكومة والبرلمان وأغلب السفارات الأجنبية.

وتعاني بغداد التي بنيت منذ أكثر من 1250 عاما ويسكنها أكثر من ثمانية ملايين نسمة، نقصا في البنى التحتية والشوارع التي تتنقل خلالها، وفقا لمصادر رسمية، ما لا يقل عن 1.8 مليون سيارة.

شهدت بغداد وضع أول حاجز إسمنتي في أبريل 2007، وكان لحماية منطقة الأعظمية ذات الغالبية السنية في شمالي المدينة، لمنع تسلل مسلحين كانوا ينفذون هجمات في إطار العنف الطائفي الذي بلغ ذروته آنذاك.

وتقول سيسيليا بيري الباحثة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى والمختصة في شؤون المعمار العراقي الحديث، إن “الحرب الأهلية خلال فترة ما بين 2005 و2008، واستهداف وترويع سكان المناطق المختلطة من قبل الميليشيا، دفعا إلى تشكيل مناطق متجانسة ما أدى إلى توطين الطائفية”.

بين تلك المناطق، الحارثية المعروفة بشارعها الرئيسي في غربي بغداد الذي تنتشر فيه عيادات طبية وصيدليات ومراكز علاج مختلفة ويعد من أهم المجمعات الطبية في المدينة، لكن هذا الشارع أصبح هادئا اليوم بعدما كان طوال الأعوام الماضية مكتظا بالسيارات التي لم يكن يسمح لها بالدخول إلا عبر ممر واحد وضع عنده حاجز أمني غالبا ما تتكدس عنده سيارات.

يقول أحمد عبدالرحمن الموظف الحكومي البالغ من العمر 27 عاما وهو يساعد والدته الستينية المصابة بالتهاب المفاصل للخروج من سيارته، “تغير كل شيء، بعدما رفعوا الحاجز الأمني في مدخل الشارع وأعادوا فتح شارع فرعي مهم” يؤدي إلى هنا.

الأشغال مستمرة
8 ملايين نسمة يستقلون ما لا يقل عن 1.8 مليون سيارة يعانون من مئات الحواجز

وأضاف الشاب الذي صفف شعره بعناية “هذا شارع مهم جدا، خصوصا للمرضى لأن أغلبهم كبار في السن”، مشيرا إلى أن مرض والدته لا يسمح لها بالجلوس لوقت طويل دون حركة، وهذا ما يحدث عندما يكون هناك ازدحام شديد.

في حي البنوك، ألغت السلطات حاجزا أمنيا ورفعت كتلا إسمنتية كانت تقطع الطريق المؤدي إلى شارع الميثاق التجاري، منذ ثلاث سنوات تقريبا بعدما كانت وضعتها لوقف هجمات جماعات مسلحة كانت تستهدف المدنيين وتوقفت بعد تحسن الأوضاع
الأمنية.

وأكد رامي ضياء وهو صاحب متجر للمواد الغذائية (31 عاما) أن عمله تحسن كثيرا لأنه “لم يكن يستطيع سابقا حتى نقل البضائع إلى متجره، ولم يكن الزبائن يستطيعون الوصول إلا سيرا لمسافة طويلة”، وتابع “العمل الآن تضاعف أربع مرات على الأقل بعد فتح هذا الشارع”.

بدوره، يؤكد عبدالله علي وهو صاحب متجر لبيع ملابس الأطفال، أن “كثيرا من المحال أغلقت أبوابها خلال الأعوام الماضية، لأن العمل كان محدودا جدا”، مضيفا “كانت تمر علينا أيام طويلة دون أن نبيع شيئا”.

وترى بيري أن بغداد كانت معروفة بـ”التعايش بين جميع الطوائف خلال القرن العشرين”، معربة عن الأمل في أن يكون رفع الحواجز الإسمنتية “دليلا وسببا لعودة التعايش الحقيقي بين طوائف
المدينة“.

واستحسن ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بادرة إزالة الحواجز، معتبرين أن عدم وجودها أفضل من وجودها، مقترحين استبدالها بمنظومات متطورة وحديثة ولا تخلق إرباكا نفسيا للمارة، أو مروريا للسيارات.

البعض من العراقيين أبدوا  تخوفهم من عودة انفلات الوضع الأمني، إلا أن السلطات الأمنية في بغداد أطلقت مؤخرا مشروعا لمراقبة العاصمة عبر شبكة تتكون من آلاف الكاميرات. من جهته، وصف المحلل الأمني حسين علاوي إعادة فتح هذه الشوارع، بأنها “دليل على التحسن الأمني”، مضيفا أنها “تؤكد الانتصار الكبير ضد الإرهاب وتعتبر أمرا مهما لإعادة الحياة الطبيعية إلى بغداد”.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن “الحواجز الأمنية كانت عاملا رئيسيا لوقف التداعي الأمني خصوصا جراء العنف الطائفي”.

في المقابل، تساءل محمود شاكر وهو سائق سيارة أجرة (48 عاما)، لدى مروره عبر شارع أعيد فتحه قبل فترة قصيرة، قائلا “كيف يقولون قضينا على الإرهاب، بينما الكثير من الشوارع ما زالت مغلقة؟”.

20