الحوار الأخير قبل أيام من سطوة الموت

الكتابة عن الموت فعل إرباك، فكيف إذا كانت هذه الكتابة في نموذجِها الحواري ستكون الأخيرة، ويغيّب الموت بهدوءٍ تامّ الكاتب بعد أن أتمّ الإجابات عن أسئلتنا، ليقول ما لم يقله في حوار سابق، في نهاية الأسبوع مع مطلع الشهر أيضا في اليومِ الثالث منه رحل الروائي الفلسطيني محمد مهيب جبر عقب جلطة أصابته، فلم تعطه فرصة لنشر روايته التي أنهاها منذ أسابيع أو إلقاء النظرة الأخيرة على مجموعةِ أوراق تضمّ قصائد شعريّةٍ له، هي الحياة التي لا تمنحنا إلَّا ما تُريد، لتأخذَ أيضا ما تريد ولنقف نحنُ أمام فعل الإرباك في حضرةِ الموت. “العرب” التقت الراحل محمد مهيب جبر قبل أن يفقدَهُ الوسط الثقافي العربي بأيام قليلة فكان هذا الحوار، الحوار الأخير للكاتب.
الأربعاء 2015/07/08
الأدب يظل جزءا من الهوية الإنسانية في العالم أجمع، فالأدب لا وطن له، ولا دين له، ولا جنسية

محمَّد مهيب جبر روائيٌّ وصحفيٌّ فلسطيني، قضى عمرهُ بعيداً عن تلك البلاد التي تقعُ بين النهر والبحر حيثُ وُلِدَ في نابلس عام 1953، وبعد أن أنهى دراستَهُ في فلسطين انتقل إلى لبنان حيثُ أتمَّ تعليمَهُ في الأدب الإنكليزي ورحلَ إلى الإمارات العربية المتحدة منذ عام 1976، وليكون من مؤسسي إعادة إصدار جريدة الخليج مع عام 1980، تزوَّجَ من الشقيقةِ الصغرى للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتابعَ مشوارهُ الأدبي عبرَ جملةٍ من العناوين التي حقَّقت حضوراً أدبياً واسعاً كان أبرزها روايةُ “6000 ميل” التي فازت بجائزةِ أفضل روايةٍ عربية في فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2013، ورواية “91-90”، ومسرحية” زوال الخطر” التي تمَّت ترجمتها. وقد غادرنا مهيب منذ أيام بعد وقت قصير من إجراء هذا الحوار معه، وذلك إثر تعرضه لجلطة.

مكانة الروائي

عن صورةِ الأدب إن كان دعامة للهوية القومية، يقول ضيفنا إنَّهُ يظل كذلكَ كجزء من الهوية الإنسانية في العالم أجمع، فالأدب لا وطن له، ولا دين له، ولا جنسية له، لكنه الوسيلة التي تعبر عن وطن وعن دين وعن جنسية.

والمشكلة -حسَبِ الراحل- في موضوع التعبير لا تتعلق بالأدب وإنما بالكاتب الذي يوصف أديبا، فليس كل ما يلمع ذهبا ولا كل من ألصق بنفسه هذا اللقب “خاصة في التعريف عن نفسه في وسائط التواصل الاجتماعي” صار أديبا، في اعتقاده إن كثرة دور النشر التي ظهرت مؤخرا في منافسة دور النشر العريقة تتحمل المسؤولية الأكبر عن حالة الخراب الأدبي التي وصلنا إليها، والتي صارت تسمح بإطلاق هذه الألقاب على كل من كتب خمسين صفحة فأكثر، أيا كان المضمون.

الراوائيون كما الشعراء، هم أقلام الحضارات، بهم تكتب ثقافتها وتعبر عن إنسانيتها، وتنقل موروثها من جيل إلى آخر

عن الرواية التي يكتُبها يصفُها بأنَّها تعبير عن المأساة والظلم التاريخي اللذين لحقا بشعبه الفلسطيني منذ خمسة وستين عاما وحتى اليوم، فأن تكتب رواية فلسطينية، يعني أن توصل قضيتك إلى العالم، أن تُشعرهم بمقدار الألم الذي تشعر به. والجور التاريخي الذي لحق بك والمعاناة اليومية التي تعيشها لاجئا مشردا هائما دون أن تفتح في وجهك أبواب كثيرة في العالم ودون أن يسمح لك بأن تعيش في وطن.

هذا الفهمُ لمعنى الروايةِ دفعني لأسأل الراحل عن المكانة التي يحتلُّها الروائي في حضارته، وإن كان الأدب حاويا للقيم التي قامت عليها الحضارة العربية، ليؤكّد أنَّ الراوائيين كما الشعراء، هم أقلام الحضارات، بهم تكتب ثقافتها وتعبر عن إنسانيتها، وتنقل موروثها الروحي والفكري والشعبي والأخلاقي من جيل إلى آخر، فلا تنطمس هويتها في صراع الحضارات، ولا يغيب صوتها ورأيها في حواراتها، ولا تتلاشى سماتها في قبور من صنعوها، ومن قادوا دفتها، ومن غيّروا مجريات علاقتها الجدلية بالتاريخ على مر العصور.

وبهذا كما يتابِع ضيفنا فإن مكانة الروائي في حضارته تظل ضمن التشكيل الأساسي الذي يحدد هوية هذه الحضارة من موقعه كنقطة التقاء لخيوط السدى الطولية مع خطوط اللُحمة العرضية في التركيب النسيجي للأمة التي ينتمي إليها، فيحفظ كلاهما الآخر للأبد، هكذا عرف جبر حضارة الإغريق في ملحمتي هوميروس الخالدتين الإلياذة والأوديسة، وهكذا عرف القرن الرابع عشر بكوميديا دانتي الإلهية، وهكذا رأى كيف تستمر الحكاية نفسها في صراع الإنسان مع الطبيعة بدءا من ابن سينا الذي كان أول من كتب أسطورة “حي بن يقظان”، ليرويها من بعده رواة آخرون منهم الفارسي شهاب الدين السهرودي ثم الأندلسي ابن طفيل فالسوري ابن النفيس قبل أن تنتهي بيد الإنكليزي دانيال ديفو الذي كتبها باسم “روبنسون كروزو”، فالأميركي إدغار رايس بورس الذي كتبها باسم “طرزان”، وما زالت هذه الرواية تكتب بأسماء أخرى حتى اليوم تتناول المضمون نفسه. والقيم الأخلاقية نفسها والصراع الأزلي نفسه منذ نشأة الكون.

الروائي عند محمد مهيب جبر هو مبدع في المقام الأوَّل، قبل أن يُصنَّف روائيا من النوع التاريخي أو المرحلي، هو من يجد لنفسه مكانا تحت الشمس يساعده في ذلك إبداعه وقدرته على التحكم بأدوات عمله من فكرة وأحداث وشخصيات وحبكة، ثم يأتي الفرز بعد ذلك، على الضفّة المقابلة تقف دور النشر التي تهتم بمن تبيع من أعماله أكثر بغض النظر في كثير من الأحيان -كما يقول- عن مضمون المحتوى الإبداعي في العمل، وبذلك تجعل الروائيين يكتبون “منتجات قابلة للتسويق”.

محمد مهيب يدافع عن الهوية الوطنية

مسخ الرواية

الحديث عن التصنيف الأدبي جعل ضيفنا يتحدّث عن دورِ الأدب ووظيفته كوسيلة للتربية والتثقيف والتنوير بما يحقق الفائدة والمتعة منذ نشأة الكون وحتى الآن، وبذلك فهو الثابت أما المتغير فهو الوسيلة التي يتم التعبير بها عن هذا الأدب ومنها الرواية، وفي رأيه إن الرواية، وتحديدا العربية، ما عادت تؤدي وظيفتها في السابق كسنوات الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، فقد ضعفت بنى الرواية واتجاهاتها كثيرا منذ انطلاق أول ثورة إلكترونية في العصر الحديث وهي ثورة الأقمار الصناعية، والتي تلتها بوقت سريع ثورة الاتصالات، حيث انعكست- والحديث للراحل- سرعة الإيقاع التكنولوجي العلمي سلبا على إيقاع الخيال الأدبي وأحدثت به تلفا كبيرا إلى حد تعطيله وصولا إلى مسخ شكل الرواية.

هذا الشكل الجديد يبرز دور النقد الأدبي كما يراه ضيفنا وجها آخر للكتابة بحيث لا تستقيم أي حركة أدبية وتقوى في العالم دون أن يؤدي كل منهما وظيفته بالقوة ذاتها، وإلا حدث اختلال في التوازن كما يرى المشهد، فقراءة النص الأدبي عند ضيفنا ومقاربته تبينان مواطن الجودة والرداءة فيه، وبذلك فإن الناقد المتمكن يوجه دفة الإبداع الأدبي، ويساعد على نموه وازدهاره وتقدمه، وينير الطريق للمبدعين المبتدئين والكتاب الكبار ويدلهم على آخر نظريات الإبداع والنقد ومدارسه، وتصوراته الفلسفية والفنية والجمالية، ويوضح لهم طرق التجديد ويبعدهم عن التقليد.

وهذا غير متوفّر اليوم كما يرى جبر الذي يأسف لهذه الحال حيث لا نشاهد حركة نقد أدبي قوية كما كانت في النصف الثاني من القرن الماضي، والسبب في ذلك كما يعتقد تراجع الحركة الأدبية بشكل عام في مواجهة الثورات الثلاث التي تلاحقت سريعا في العقود الثلاثة الماضية.

محمّد مهيب جبر الذي عاش حياته فلسطينيّا ومات كذلك كتب في روايته “6000 ميل” رحلةَ العودة إلى الوطن للبحث عن عائلة ضاعت في الشتات الذي سبّبه الاحتلال، فروايته تلك رواية في قلب رواية، وشخوص تلبس شخوص، ومدن تحتلّ مدنا، هو الذي عاد روحا إلى مسقط الرأس وعلى الورق بحثا عن عظام أبيه وأجداده فيها، وكأنّه كان يكتب رحلةَ شتاتنا العربية!! أخبرني في آخر اللقاء أنّ هناك رواية انتهى منها مؤخّرا وهو في طور إنهاء الاتفاق لنشرها، كما أنَّه كان يعيد النظر في آخر مسودّة لقصائد شعريّة لم يسعفه الوقت لإكمالها.

15