الحوار الأوروبي الإسلامي قدر الطرفين ولا هروب منه

حضور المسلمين في الغرب الأوروبي والأميركي، ما ينفكّ يطرح القضايا ويثير السجال حول مسألة الاندماج والتعايش من قبل النخب الثقافية والسياسية والقيادات الروحية في كلا الطرفين. ولا يزال مفهوم المواطنة يلقي بظلاله ويثير الالتباس والحذر والتوجّس في نفوس وذهنيات غربية كثيرة تعتقد أنّ المواطن الأوروبي المسلم يقدّم الجانب العقائدي على الانتماء المجتمعي والإداري الرسمي الذي ترعاه النظم والقوانين السارية على الجميع، بينما يرى الكثيرون أن لا تعارض بين الجانب العبادي الشخصي لدى المسلم وبين حياته كمواطن يعيش مع غيره من أديان أخرى تحت سقف القانون.
الخميس 2016/05/26
التسامح يجعل كل التوافقات ممكنة

روما - “عدم توافق الإسلام مع الحضارة الغربية”، قضيّة ظلّت محلّ سجال وتجاذب بين الأطراف الإسلامية المتشدّدة من جهة، والأوساط اليمينية الأوروبية من جهة ثانية، وذلك لإثبات فكرتين نقيضتين ووهميتين، لكنّ هاتين الفكرتين تلتقيان في تبنّي هذه “العبارة الشبح” على حد تعبير أحد الدارسين، مع التأكيد على أنّ كل جهة تذهب بها نحو مآربها.

ويرى الإسلاميون أنّ عدم توافق الدين الإسلامي مع الحضارة الغربية، يعني التسليم بعدم ملاءمة هذه الحضارة لعقيدتهم، وهذا الأمر كاف للوقوف ضدّها بحسب منطقهم، إن لم نقل محاربتها وفق الذهنية التكفيرية، كما يزعم اليمين العنصري الإقصائي في أوروبا. وبالمقابل، بإنّ المسلمين جسم غريب على ثقافته ولا فائدة ترجى من السعي إلى إدماجهم، فلا يمكن بالتالي أن نحسبهم من المواطنين الأوفياء لقيم المواطنة في وجوب نبذ الفرقة، وضرورة التساوي تحت سقف الحقوق والواجبات.

والمعضلة كما يرى دارسون أنّ الطرف اليميني الغربي والطرف الإسلامي، كلاهما لا يعرف الآخر إلاّ من خلال ما يسوّق ويروّج في إطار الدعاية والدعاية المضادّة، أو حتى لأسباب أخرى، وغير مغرضة، تتعلّق بمجرّد عدم الاهتمام بقضايا لا تعني إلاّ المتخصّصين وفق العقلية الأوروبية السائدة، كما يتبيّن من خلال استطلاع بيّن أنّ خُمس الألمان لا يعرفون شيئا عن الإسلام.

ووفق نتائج الاستطلاع الذي أجرته شركة “يوغوف” المتخصصة في إجراء الأبحاث واستطلاعات الرأي لمصلحة وكالة الأنباء الألمانية، فإن 62 بالمئة من الألمان لا يوجد لديهم أقرباء أو معارف من المسلمين.

وأشارت النتائج إلى أن 52 بالمئة فقط من المواطنين، لديهم معلومات محدودة عن الدين الإسلامي، وأن 84 بالمئة منهم لم يزوروا أي مسجد في البلاد.

وفي المقابل، فإن 63 بالمئة من المسلمين في عموم ألمانيا، لديهم معرفة “جيدة” أو “جيدة جدا” عن الدين المسيحي، بحسب الاستطلاع ذاته.

وفي المقابل يوعز المفكر التونسي هشام جعيط، عدم اهتمام النخب الثقافية في الغرب بالدراسات التي تتناول المجتمعات المسلمة بعمق فكري ومعرفي، إلى عدم وجود مستشرقين أكفّاء وذوي أهمية لديهم، ويرفضون دراسات يقوم بها أكاديميون من العرب والمسلمين من منظور يتناول مسار الحضارة الإسلامية انطلاقا من مسارات مؤسسيها.

وبعيدا عن السجال الثقافي والأكاديمي، فإنّ المبادرات الحية والفاعلة ميدانيا، لم تتوقف عند محاولات ردم الهوّة والتقريب بين فكرتين تبدوان متباعدتين في الشأن النظري، لكنهما ممكنتان على الصعيد العملي، وفي هذا الإطار دعا وزير الداخلية الإيطالي انجلينو ألفانو في رسالة وجهها إلى المؤتمر السنوي لجمعية الكنفيدرالية الإسلامية الإيطالي، إلى “ضرورة تبديد أسطورة عدم توافق الإسلام مع الحضارة الغربية”.

وقال ألفانو إنه وفي أعقاب الأحداث المأساوية الدولية الأخيرة، يرى أنه من الملائم العمل على إعداد طاولة لتبادل الآراء، ومناقشة تعزيز الحوار واللقاء بين المؤسسات العامة وممثلي المنظمات الإسلامية، وتابع قائلا إن “الصيغة الجديدة للحوار بين الدولة والدين الإسلامي، تنص على مشاركة الجمعيات الثقافية والدينية الإسلامية في الالتزام الثابت بقيم نظامنا الديمقراطي، والعمل على تقديم مساهمة بناءة لصالحه، وصولا إلى ولادة إسلام إيطالي متوافق مع قوانيننا”، بحسب تعبيره.

واختتم رسالته موجها “تحية إلى المنظمين وجميع المشاركين في هذا المؤتمر، وأود أن أعرب عن تقديري لهذا اللقاء المخصص للبحث عن طرق الجمع بين المواطنة الإيطالية والانتماء للإسلام”.

وتجدر الإشارة إلى أن الكنفيدرالية الإسلامية الإيطالية، عبارة عن جمعية خاصة تجمع بين 14 اتحاد إسلاميا في كافة أنحاء إيطاليا في سبيل التنسيق بين جميع أماكن العبادة التي تنتمي إليها، وكذلك تعزيز الحوار بينها وبين السلطات الإيطالية على المستويين الوطني والمحلي.

13