الحوار الساكت في السودان

الاثنين 2015/10/12

لم يتوقف النظام الحاكم في السودان عن الدعوة للحوار الوطني، ولم تبخل قوى المعارضة المتعددة عن وضع جملة من الشروط للمشاركة في أي حوار. ولا هذا نجح في إجراء حوار جامع، ولا هؤلاء تمكنوا من زحزحة موقفه والاستجابة للحد الأدنى من شروطهم، فظلت عجلة الحوار تدور في الدائرة الفارغة التي يريدها كل فريق.

رغم الضجيج الذي يصاحب الحديث عن الحوار في كل مرة، بحسناته وسوءاته، غير أن المسكوت عنه في مسألة الحوار يفوق الصخب الذي يرافقه دائما، حيث يستغل كل طرف الحوار المزعوم، ويحاول توظيفه لمصلحته، فالنظام يسعى من خلال الدعوة إليه لتأكيد جديته الشكلية وحرصه الظاهر على مصلحة الوطن، وغالبية قوى المعارضة تريد أن تثبت تمترسها في الصف المقابل، أملا في انتظار اليوم الذي يتهاوى فيه نظام عمر البشير.

النتيجة أن كل طرف أصبح متمترسا في الخندق الذي دخله منذ أكثر من ربع قرن، فالبشير حريص على استمرار حكمه على جثث ضحاياه، ولو خسر جنوب السودان ثروته النفطية، وأصبح الجزء الباقي مهددا بمزيد من الانقسام، المهم لن يشاركه أحد في الحكم، وحتى من قبلوا مساوماته وبلعوا مراوغاته، من أحزاب ضعيفة وهشة، ظلوا على هامشه على الدوام.

والمعارضة استراحت لتموضعها في المربع الأثير لها، والذي تطلق منه صواريخها الكلامية، لأنها لا تملك رؤية سياسية حقيقية أو أجندة عملية تخرج السودان من أزماته الطويلة، فاستراحت لحرفة المعارضة، التي لا تجيد غيرها، ومن يراجع خارطتها، بالأحزاب وأسماء العائلات والقيادات والأبناء، يجدها لم تتغير كثيرا، على مدار السنوات الماضية، وكل ما حدث من تغيرات طارئة، يتعلق بدخول أحزب لهذا الفريق أو ذاك وخروج أخرى، علاوة على مزيد من التفتت والتشرذم في صفوف المعارضة.

في هذه الأجواء، افتتح الرئيس السوداني عمر حسن البشير مؤتمره للحوار الوطني السبت الماضي، والذي حشد له دعما سياسيا وإعلاميا كبيرا، للإيحاء أن هناك حوارا حقيقيا، والتغطية على غياب قوى المعارضة الرئيسية، لذلك كما هو متوقع، بدا المشهد كأن البشير يحاور البشير. فالأسس المطلوبة للحوار لم يتوفر لها الحد الأدنى، وانتقلت طاولة الاجتماع والتفاف المريدين حولها من وسيلة للوصول إلى غاية، إلى هدف بحد ذاته، فبعد حوالي عامين من إطلاق الدعوة والتحضير لها والشد والجذب بشأن محدداتها، تمخض الجبل فولد حوارا مبتورا، قد يزيد التراشقات حدة والتجاذبات غموضا.

الاجتماع الذي عقد السبت الماضي، أراد منه البشير توصيل حزمة من الرسائل لمعارضيه في الداخل ومستهدفيه في الخارج، فالرجل حاول التأكيد على أن قوى المعارضة غير مؤثرة، ولن تجبره على اتخاذ سياسات لا يريدها، فقد حضرت زعامات وقيادات نحو 70 حزبا، غالبيتها من الأحزاب التي توصف بـ”الورقية”، والتي تدور في فلك حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وربيبه الجديد – القديم حزب المؤتمر الشعبي، الذي يقوده حسن الترابي.

كما أراد تبييض وجهه، وإظهار امتلاكه لشق ديمقراطي، بدليل أنه يجلس ويستمع ويتحاور، وأن اتهامه بالتسلط والدكتاتورية ليس له أي أساس من الصحة، أملا في أن ينزع من المعارضة واحدة من أهم حججها، التي نجحت في أن تلصقها به وتروجها على نطاق واسع، فتدشين الحوار يمكن أن يوحي باستعداده لتقبل الانتقادات، ورغبته في تصويب المسارات، حتى لو أنه (الحوار) عُقد دون توافق مجتمعي كبير، أو تحضيرات جدية. وهو ما انتبهت إليه المعارضة، فإصرارها على رفض الدخول في حوار وطني زائف، قبل الاستجابة لمطالبها السياسية، يمنح منافسها فرصة للتلاعب بها، لذلك رفعت يدها عنه مبكرا، حيث تدرك مغبّة مشاركتها في ظل عدم وجود ضمانات محددة، وتهيئة الأجواء اللازمة للحوار، وبالتالي فغيابها قلص فرص البشير في تسويق دوره كرجل يؤمن بالحوار، وعلى استعداد للجلوس مع خصومه، وهكذا تتواصل لعبة الكراسي الموسيقية بين نظام البشير وقوى المعارضة السودانية، فوسط توازن الضعف السياسي، من المستبعد أن يجبر أي من الطرفين الآخر على التجاوب مع مطالبه، من هنا يرتاح كل جانب لممارسة هوايته في الزاوية التي يقف فيها.

ربما تكون رسائل الرئيس عمر البشير للخارج أكثر أهمية من الداخل، فهو مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، لاتهامه بارتكاب جرائم حرب، وسمعة نظامه الدولية ملطخة بالمآخذ السياسية، ومعروف أنه مدمن على تزوير الانتخابات، ومع ذلك هناك اتجاه من قبل بعض القوى الدولية لترطيب العلاقات مع نظامه، لكن تعنته مع معارضيه ورفضه للحوار، يقف حائلا بين الدول الراغبة في مهادنته، لذلك أراد من وراء الحوار الوطني أن يجهض، أو على الأقل يخفف من الحجج السابقة، فقد يكتشف العالم أن للبشير صورة تتوافق مع المعطيات الدولية الحديثة، التي تعطي للحوار مكانة متميزة.

لكن المشكلة أن كرامات الرئيس السوداني تأتي دائما ناقصة، وفي أحيان كثيرة تجلب له نتائج عكسية، فهو يدعو للحوار الوطني ويعلن إطلاق الحريات وينادي بتعديل الدستور ويعد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية، وكلها شعارات يقدمها في توقيت معين يرى فيه ضرورة لرفعها، وعندما يتلاشى الهدف منها يسحبها، الأمر الذي جعل الثقة في جميع خطاباته معدومة.

في ظل التباعد الواضح في المسافات السياسية، والشروخ التاريخية التي أصابت العلاقة بين النظام السوداني ومعارضيه، يصعب مجرد التفكير في إجراء حوار وطني، فالنظرة الدونية التي يرى بها كل طرف الآخر، تجعل القواسم المشتركة لأي حوار غائبة، ومن ثمة سوف يبقى بعيد المنال، مهما تجرّع النظام السوداني حبوب الشجاعة للاعتراف بمعارضيه، كما أن الشروط القاسية لقوى المعارضة، جعلت المعادلة السياسية صفرية، بمعنى مكاسبها خسارة للبشير ورفاقه، والعكس الصحيح، وفي بلد وصلت فيه الأمور إلى هذه الدرجة سيكون من الصعوبة الرهان على نجاح الحور الوطني، لكن من الممكن أن يبقى صامتا.

كاتب مصري

9