الحوار الغائب والانسداد السياسي في الجزائر

المناخ السياسي الجزائري المتوتر هو المسؤول المباشر عن عدم تبلور الأسلوب الأفضل الذي يضمن إنجاح حوار علمي وموضوعي، تحت إشراف هيئة محايدة، يفضي إلى ابتكار آليات تمكن من الخروج من النفق المسدود الذي يوجد فيه الجميع.
الخميس 2019/06/20
الشعب مصدر كل السلطات

في ظل غياب حوار مباشر مؤسس على المصلحة الوطنية واحترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية بين مكونات الحراك الشعبي وبين مؤسسة الجيش، فإن تعقيدات المشهد السياسي الجزائري ستستمر وقد تصبح السيطرة عليها وحلها توافقيا في المدى القريب أمرا مستعصيا.

لا شك أن هناك عدة عوامل تحول دون الشروع في هذا الحوار، وفي المقدمة عدم إفراز الحراك الشعبي لقيادة تمثيلية وفكرية وروحية متصلة عضويا ولها قواسم مشتركة، وفقدان المواطنين للثقة في نزاهة المسؤولين الجزائريين في مختلف أجهزة الدولة جراء تلطخ أغلب المسؤولين فيها بوصمة الفساد الأخلاقي والسياسي والمالي على نحو لم تعرف البلاد مثيلا له من قبل.

وهناك أيضا اليأس الشعبي المتفاقم جراء فشل الشلة الحاكمة في قيادة البلاد نحو تحديث حقيقي، في مختلف مجالات التنمية، كفيل بقهر الأزمات البنيوية التي تعصف باستقرار المواطنين على مدى سنوات عجاف. وهناك أيضا إدراك عام بأن المجموعة الحاكمة بكل أطيافها لا تزال أسيرة مشكلة معقدة وهي عدم القدرة على فتح مجال الممارسة السياسية الديمقراطية التي هي الشرط الحتمي لبروز الكفاءات والشخصيات الصادقة والوطنية والمتشبعة بثقافة الدولة العصرية والمتمتعة بالكاريزمية والقادرة على أن تمارس الإبداع الذي يرشحها لكي تنال احترام المواطنين بما في ذلك المعارضة الحزبية، ومكونات الحراك الشعبي الذي تمكن في مدة زمنية قصيرة من تعرية فشل مرحلة الاستقلال برمتها.

وهنا نتساءل: هل تكفي الخطابات التي يلقيها رئيس الدولة المؤقت وغير الشرعي لرأب الصدع؟ وهل يمكن أن تنجح الكلمة التوجيهية التي ألقاها الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الجزائري، الاثنين الماضي أمام الإطارات العسكرية بمنطقة بشار الصحراوية في طمأنة الفاعلين في الحراك الشعبي؟ علما أنه اكتفى بالتأكيد على رفض مؤسسة الجيش للدعوات التي يطالب أصحابها بعدم العمل بالدستور.

في هذا الخصوص ينبغي التذكير بأن الفريق قايد صالح قد قال أيضا في كلمته المذكورة بأن الدعوات الرافضة للعمل بالدستور واستبداله تعني “إلغاء كافة مؤسسات الدولة والدخول في نـفـق مظلم اسمه الفراغ الدستوري، بالتالي تهديم أسس الدولة الوطنية الجزائرية والتفكير في بناء دولة بمقاييس أخرى وبأفكار أخرى وبمشاريع أيديولوجية أخرى، تخصص لها نقاشات لا أول لها ولا آخر”.

ومن جهة أخرى فقد وجه قايد صالح نقدا لاذعا لمن سماهم هواة المغامرة مذكرا بأن “الدستور الجزائري هو حضن الشعب وحصنه المنيع وهو الجامع لمقومات شخصيته الوطنية وثوابته الراسخة التي لا تحتاج إلى أي شكل من أشكال المراجعة والتبديل”. وهنا نتساءل مجددا: هل نفهم من كلام قايد صالح أن اللجوء إلى حل تفعيل المرحلة الانتقالية من دون الدستور وإبعاد عبدالقادر بن صالح ونورالدين بدوي أمور مرفوضة جملة وتفصيلا؟ وإذا كان الأمر كذلك فما معنى الدعوة إلى حوار توافقي يفرض فيه طرف أوامره على طرف آخر مسبقا ودون فتح المجال للمفاوضات والتنازلات التي تطمئن المواطنين بأن التقاليد التي عودنا عليها النظام الجزائري الدكتاتوري قد زالت، وأنه مستعد أن يحاور على أساس أن وجهات نظره قابلة للتعديلات وأن آراءه مفتوحة للنقاش والتغيير؟

يأس شعبي متفاقم
يأس شعبي متفاقم

يبدو واضحا أن الانتقادات الموضوعية التي سجلها عدد كبير من المثقفين والناشطين السياسيين في الجزائر العميقة على كلمة الفريق قايد صالح يريد أصحابها المساهمة في بلورة نقاش جدي حول مصير البلاد وحول إصلاح العطب الذي أصاب ولا يزال يصيب تجربة التعددية الحزبية الجزائرية الهشة. ومن الملفت للنظر أن الخلاف هو حل شرعية رئيس الدولة الحالي، عبدالقادر بن صالح، الذي يريد أن يبقى في منصبه حتى يتم إجراء الانتخابات الرئاسية جنبا إلى جنب مع الوزير الأول وطاقمه الحكومي، علما أن الحراك الشعبي يلح في الدعوة إلى رحيلهما واستبدالهما بمن لم يكن جزءا من العصابة التي عاثت فسادا في البلاد والعباد.

الموقف الذي يتشبث به الفريق قايد صالح لا يوافق عليه الحراك الشعبي، فضلا عن أحزاب المعارضة، ومنها على سبيل المثال حزب حركة مجتمع السلم وحزب القوى الاشتراكية وحزب جيل جديد، وهي الأحزاب التي صرحت مرارا بأن الحوار مع أي طرف، سواء تمثل في الجيش أو في رئيس الدولة الحالي أو في الحكومة التنفيذية التي عُينت في عهد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، مستحيل إذا لم يرحل كل من الرئيس بن صالح والوزير الأول نورالدين بدوي، بحجة أن الأول غير شرعي وأن الثاني متهم من طرف المعارضة بأنه متورط في تزوير الانتخابات الرئاسية حين كان وزيرا للداخلية، فضلا عن الانتخابات التي جرت تحت إشرافه.

بناء على ما تقدم فإن المحلل السياسي يلاحظ أن الهوة بين مكونات الحراك الشعبي وبعض أحزاب المعارضة من جهة، وبين الجيش الوطني الشعبي بقيادة قايد صالح من جهة أخرى عميقة جدا، ويبدو أنه من الصعب ردمها في الوقت الراهن على الأقل.

وفي الواقع فإن المناخ السياسي الجزائري المتوتر هو المسؤول المباشر على عدم تبلور الأسلوب الأفضل الذي يضمن إنجاح حوار علمي وموضوعي، تحت إشراف هيئة محايدة، يفضي إلى ابتكار آليات تمكن من الخروج من النفق المسدود الذي يوجد فيه الجميع.

وفي الحقيقة فإن المفترض في أي حوار عقلاني ومشبع بالوطنية أن يسلّم بحقيقة أن الشعب هو مصدر كل السلطات وأن وضع الدستور فوق المواطنين من طرف الحكومة أو مؤسسة الجيش أو أحزاب السلطة يعني تجاهل مطالب الحراك الشعبي الذي ما فتئ يردد بصوت عال بأن هذا الدستور في طبعته الراهنة يحتاج إلى تغيير راديكالي لكي يعكس الإرادة الشعبية ونزيل عنه صفة تمثيل مصالح النظام الحاكم كما كان الحال في عهد بوتفليقة وجماعته. وهكذا نجد حجة الحراك الشعبي قوية خاصة وأن الإبقاء على الدستور كما هو يعني تكريس عهد بوتفليقة وتغطية ذلك بقناع بعض التغييرات الشكلية التي تختزل في وضع هذا أو ذاك تحت الرقابة القضائية، وتكديس السجون بعدد من المسؤولين والسياسيين ورجال الأعمال المتهمين بالفساد.

9