الحوار اللغز في تونس: حل المشكلات العاجلة وليس تسجيل النقاط

مشروعية مطالب قيس سعيد خاصة ما تعلق بدستور 2014 المليء بالأقفال لا شك فيها ولكن يخشى من أن تغمض البلاد العين عن قضايا عاجلة من بينها مطالب دولية تتعلق بإصلاح الاقتصاد.
الخميس 2021/06/17
دواليب الحوار الوطني بدأت بالعمل

أوحى اجتماع الرئيس التونسي قيس سعيد برؤساء حكومات سابقين، بينهم على العريض رئيس حكومة الترويكا والقيادي في حركة النهضة، إشارة قوية على أن دواليب الحوار الوطني قد بدأت بالعمل لإخراج البلاد من أزمتها، وأن الطبقة السياسية بدأت تستشعر حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. كما أن مشاركة رئيس الحكومة هشام المشيشي تظهر أن الرئيس سعيد قد أسقط شرطه بشأن إقالة الحكومة وتعيين رئيس جديد لها.

لكن ما بثه موقع رئاسة الجمهورية في تلخيصه للاجتماع بدد ذلك التفاؤل وأعاد الجميع إلى المربع الأول، فقيس سعيد أظهر تمسكه بشعاراته القديمة الهادفة إلى تغيير النظام السياسي وأضاف إليها بندا جديدا هو الاستعاضة عن دستور 2014 الذي قال عنه إنه دستور كله أقفال.

وقال الرئيس سعيد “لندخل في حوار جدي (…) يتعلق بنظام سياسي جديد وبدستور حقيقي لأن هذا الدستور قام على وضع الأقفال في كل مكان ولا يمكن أن تسير المؤسسات بالأقفال والصفقات”.

لا بدائل في الأفق غير صندوق النقد، وحتى محاولات البحث عن بدائل إقليمية من ليبيا أو قطر، فمن الواضح أنها مجرد وعود تبقى معلقة هي نفسها إلى حين استقرار تونس

وليس هناك شك في مشروعية مطالب قيس سعيد خاصة ما تعلق بدستور 2014 المليء بالأقفال، لكن توجيه الحوار الوطني باتجاه قضايا ستأخذ وقتا طويلا في الحوار والتنفيذ قد ينتهي مع 2024 موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، ما يعني أن البلاد ستغمض الأعين عن القضايا العاجلة، وبينها مطالب دولية حيوية تتعلق بإصلاح الاقتصاد من أجل تسهيل حصول تونس على الدعم المالي الكافي لمواجهة المرحلة الصعبة التي تعيشها.

وتقوم فكرة الحوار الوطني، التي أطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل ودعمتها قوى سياسية واجتماعية مختلفة، على حوار وطني بأجندات سياسية واقتصادية واجتماعية عاجلة، وهو الهدف الذي قاد أمين عام الاتحاد نورالدين الطبوبي إلى زيارات متتالية إلى قصر قرطاج ولقاء الرئيس سعيد في العديد من المرات كان آخرها لقاء الجمعة الماضية الذي أكد فيه الرئيس “انفتاحه على الحوار من أجل التوصّل إلى حلّ للأزمة الراهنة”، وخرج بعده الطبوبي ليبشر بأن مؤسسة الرئاسة قد قبلت بالإشراف على الحوار الوطني.

وتفاعلت حركة النهضة سريعا مع انطلاق الحوار، وقال رئيس الحركة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي إن الطبوبي نقل إليه “قبول رئيس الجمهورية قيس سعيد الإشراف على الحوار الوطني”.

وأكد الغنوشي أن حركة النهضة مع حكومة سياسية برئاسة هشام المشيشي وأنه “لا وقت للبحث عن بديل للمشيشي وأن الحركة مع الاستقرار السياسي”، مشددا على أن النهضة لا تزال متمسكة بتوسيع الحزام السياسي وعلى أنه لا مانع لها في التحاق حركة الشعب والتيار الديمقراطي به (الحزبان الرئيسيان في الحزام الداعم لقيس سعيد).

والحقيقة أن التصريحات المتفائلة بشأن انطلاق الحوار، وسببها الرئيس تفاؤل أمين عام اتحاد الشغل، فاجأت الجميع بمن في ذلك حزام الرئيس والكتلة البرلمانية المعبّرة عنه الكتلة الديمقراطية التي قالت إن ”المناخ ليس مناسبا لإجراء حوار وطني”، بمعنى أنه لم يستجد أيّ جديد يجعل الرئيس يتخلى فجأة عن شروطه من أجل القبول بحوار يحافظ فيه خصومه على امتيازاتهم.

الغنوشي أكد أن حركة النهضة مع حكومة سياسية برئاسة هشام المشيشي وأنه لا وقت للبحث عن بديل للمشيشي

وسبقت اجتماع الرئيس سعيد برؤساء الحكومات السابقين تسريبات عن حزمة من التفاهمات بشأن مصير المشيشي والتعديل الوزاري ورغبة قيس سعيد في التهدئة مع رئيس الحكومة مقابل عزل رئيس البرلمان، وخاصة فكرة ألا يمر التعديل الوزاري الجديد على البرلمان، وهي الفكرة التي تعتبر استهدافا مباشرا لحركة النهضة وحليفيها قلب تونس وائتلاف الكرامة.

وبقطع النظر عمّا أحاط بالاجتماع من غموض، فإن كلمة الرئيس سعيد أعادت الحوار إلى المربع الأول. لكن الأهم أنها أكدت ضرورة وجود مبادرة واضحة من اتحاد الشغل يتم التعاطي مع الحوار الوطني على ضوئها.

صحيح أن الاتحاد قدّم مبادرته في البداية وضمّت تفاصيل كثيرة، لكن الأهم هو تقديمها لرئاسة الجمهورية لتتفاعل معها، ويمكن تعديلها على ضوء مطالب الرئيس بشأن تغيير النظام السياسي، على أن تضم مرحلتين واضحتي المعالم والمراحل.

الأولى عاجلة تناقش الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتتبنى مقاربة بشأن شروط صندوق النقد الدولي وبقية الجهات المانحة بعيدا عن الشعبوية والشعارات الانتخابية.

 والثانية تجمع مقاربة لتغيير النظام السياسي ولو في شكل مبادرة استفتاء طالما أن الفرقاء مختلفون جذريا بشأن النظام السياسي، وهل المطلوب تعديل القانون الانتخابي بما يسمح بصعود برلمان يمكن الوصول فيه إلى أغلبية قادرة على الحكم مثلما تتبنّى حركة النهضة أم تغيير النظام السياسي جذريا ليصبح رئاسيا وليس برلمانيا.

لا قيمة لحوار وطني غامض يريد إرضاء الجميع. أن يكون الاتحاد راغبا في جلب الرئيس سعيد، كقوة شرعية، إلى صفّه لا يعني القبول بتعطيل الحوار إلى ما نهاية، خاصة أن البلاد متوقفة على حوار يوحّد رؤية البلاد تجاه سبل حل أزمتها الاقتصادية وإبلاغ صندوق النقد به.

الاستمرار بالمراوغة من الرئاسة أو من الحكومة أو من الاتحاد لا يعني شيئا سوى أن البلاد ستترك لمصيرها، لا أموال ولا قروض حتى الاتفاق على رؤية جماعية ملزمة يصادق عليها اتحاد الشغل وترسل إلى الجهات المانحة لتنظر في مدى جدية تونس في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

لا بدائل في الأفق غير صندوق النقد، وحتى محاولات البحث عن بدائل إقليمية من ليبيا أو قطر، فمن الواضح أنها مجرد وعود تبقى معلقة هي نفسها إلى حين استقرار تونس سياسيا وتوقف صراع الرؤوس وعودة المؤسسات إلى عمها الطبيعي من خلال قبول قيس سعيد بالقسم للوزراء المعلقين وكذلك رئيس هيئة مكافحة الفساد.

تقوم فكرة الحوار الوطني، التي أطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل ودعمتها قوى سياسية واجتماعية مختلفة، على حوار وطني بأجندات سياسية واقتصادية واجتماعية عاجلة،

لم تعد البلاد تحتاج إلى خسارة الوقت، تونس أهم من حسابات الرؤساء الثلاثة وأجنداتهم وخططهم، والذي يقدر منهم أن يبادر للقطع مع حالة الفراغ فليفعل. الأولوية لحل جماعي عبر حوار وطني، لكن ما لم نحصل عليه ماذا نفعل، ما الذي يمنع قيس سعيد من تفعيل الفصل الـ80 إذا كان واثقا من قدرته على إنقاذ البلاد؟

هل التأخير ناتج عن ارتباك لدى الرئيس التونسي خوفا من نتائج خطوته (موقعه الحالي مريح، حيث يكتفي بتسجيل النقاط على الخصوم وإحراجهم)، وهل يريد إطالة الأزمة على أمل أن تقود الظروف الصحية والاقتصادية والاجتماعية إلى سقوط حكومة المشيشي على غير يده، وفي الأثناء هو يسجل النقاط على خصومه في أريحية.

مع ملاحظة أن الرئيس سعيد دأب على الحديث عن تفاصيل بشأن محاولات لاغتياله أو مؤامرات خارجية تشترك فيها أطراف داخلية، ما الذي يمنعه من استعمال صلاحياته للتحقيق فيها وكشف من يقف وراءها ومحاكمته وبشكل علني، فهذه قضايا أمن دولة لا تتطلب أيّ تأخير، والسكون فيها احتمالان إما أن الرئيس ضعيف وعاجز عن لعب دوره في حماية البلاد التي أؤتمن عليها، أو أنه يحصل على معلومات مضللة من محيطه ولم يتسن له التأكد منها.

8