الحوار المطلوب بين مصر والسعودية

الاثنين 2016/10/17

بعد أيام قليلة من صدور قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” الأميركي المعروف بـ“جاستا”، توليْت إدارة ندوة في القاهرة حول القانون وانعكاساته وتداعياته العربية، وكيف سيتم التصرف حياله؟

الندوة حضرتها نخبة من المفكرين والكتاب وخبراء القانون، ليس فقط لتقييم الموقف ودلالات القانون وتفسيراته، لكن للبحث عن المخارج المناسبة للشقيقة السعودية لعدم الوقوع في فخه، باعتبارها من أهم المستهدفين.

تسابق الحضور من المصريين في التعاطف مع الرياض، وطرحت جملة من الأفكار المهمّة، التي يصب جميعها في صالح السعودية، وحتى عندما تفوّه أحدهم بكلمة انتقد فيها السياسات التقليدية التي قادت إلى هذا المربع، كان حريصا على التنبيه عليّ بعدم نشر هذا النقد الصريح، حفاظا على العلاقات مع السعودية.

رغم أهمية ما قيل في هذه الندوة، وغالبيته في صالح الرياض، فإني لست مخولا للإفصاح عن التفاصيل قبل نشرها كاملة في جريدة “الأهرام” المصرية. وما أريد الإشارة إليه أن هناك اهتماما من قبل النخبة المصرية للحفاظ على علاقات وطيدة مع السعودية، وإن تجاوز البعض من الإعلاميين في القاهرة، وارتكبوا حماقات مهنية، فهذا لا يعبر بالضرورة، لا عن رأي الجماعة الثقافية والصحافية، ولا بالطبع عن رأي السلطة الحاكمة، وهي كلها تدخل في باب الاجتهادات والتكهنات والتخمينات، كما هو الحال على الجانب السعودي.

هذا الكلام لا يلغي إطلاقا، الحاجة الماسة للبعض من المراجعات، لمنع التشوهات التي تظهر من وقت لآخر في طريق العلاقات بين القاهرة والرياض، والتي يتم توظيفها بصورة سياسية، لصالح قوى محلية معارضة، أو إقليمية تتمنى، بل تسعى، لأن تصل العلاقات إلى نفق مسدود، وكل طرف يشيح وجهه للآخر، ويبحث عن حلفاء جدد.

الوصول إلى هذا المربع، يمكن القول إنه أخطر نتيجة، تصل إليها العلاقات المشتركة بين البلدين، لأن ساعتها لن تصلح مراجعة أو تصحيح أو تصويب للمسارات الخاطئة، ومن الضروري التعجيل بالدخول في حوار استراتيجي بينهما، يضع النقاط أعلى وأسفل الحروف. فما حدث خلال الأيام الماضية ليس من الحكمة التعامل معه على أنه سحابة، سوف تنقشع قريبا، دون أن تخلف وراءها مشكلات. فتراكم السحب في سماء العلاقات ينذر بهطول أمطار غزيرة، لن تُغرق القاهرة والرياض فقط، بل يمكن أن تغرق ما تبقى من دول عربية متماسكة.

في مقدمة القواعد التي يجب أن يعرفها ويعيها كل طرف، أن ثمة تباينا في الرؤى المصرية والسعودية، حول قضايا سوريا واليمن وليبيا، والموقف من التعامل مع كل من إيران وتركيا، وهو ما تم التعايش معه لفترة من الزمن، على طريقة الحد الأدنى من القواسم المشتركة، ولكل بلد سياساته وحساباته التي تخدم مصلحته، شريطة عدم الإضرار بمصلحة الآخر.

تلك معادلة شائكة، الخطوط الحمراء والخضراء نسبية فيها، والفواصل والمسافات تتوقف على تقديرات كل طرف لعنصر المصلحة أو الضرر، وبالتالي معروف سلفا سوف تكون هناك تقاطعات سلبية، ازدادت حدتها، عندما بدا من بعض التصرفات السعودية، كأنها تنطلق من مبدأ “من ليس معي فهو ضدي”.

في اعتقادي أن لعبة السياسة مليئة بالازدواجية والتناقضات، بمعنى أن مروحتها واسعة وتستوعب ما لا نستطيع استيعابه نحن البشر، وتفرض طقوسها على الدول، وإلا لما وجدنا البعض من القادة يغيرون تحالفاتهم، كما يغيرون ثيابهم.

إذا فقدنا الفهم العملي للأمور على الأرض، من السهولة أن تصطدم مصر بالسعودية أو العكس، فالرياض تطلب من القاهرة أن تكون رأس حربة إلى جوارها في مواجهة إيران، متجاهلة أن علاقاتها كانت جيدة بطهران أيام الشاه، وبعد ذلك أحيانا، في وقت كانت علاقة الأخيرة مع القاهرة في منتهى العداء. المشكلة أن الأخطبوط الإيراني أصبح متغلغلا في أزمات عربية كثيرة. دخول مصر في مواجهة مفتوحة معه، هنا أو هناك، سيكون مكلفا للغاية، في وقت تتصاعد فيه حدة الأزمات الاقتصادية ويتسع نطاق المتربصين بقيادتها.

فمصر كانت تعول على السعودية بأن تمدها بالمزيد من المساعدات الاقتصادية، وتواصل تقديم المنح والمساعدات بنفس الوتيرة، وربما أكثر، والتي تكشّفت تجلياتها مع ثورة 30 يونيو 2013، حيث رفعت العلاقات بين البلدين إلى أعلى مستوى لها.

وظهرت تجليات الدور السياسي والاقتصادي السعودي في أكثر من موقف ومناسبة لمساندة النظام الحالي في مصر، الذي يتمنى المزيد من المساعدات، متجاهلا البعض من المستجدات وأهمها انخفاض أسعار النفط، وانكماش الاحتياطي النقدي للسعودية، ناهيك عن مصروفات الحرب في كل من اليمن وسوريا، وارتفاع تكاليف استيراد الأسلحة والمعدات.

كل هذه الشواهد، يمكن أن تكون مفهومة، ومتوقعا تجاوزها بالصراحة والمكاشفة، لكن ما يضاعف من الأزمة أن البعض، على الجانبين، أدخلها مستنقع الحديث عن الريادة والقيادة والتعالي، فكل طرف يتصور في مخيلته أن تاريخه الممتد كفيل بأن يجعله يتصرف مع الآخر بقدر من الغطرسة.

السعوديون، تظهر من بعضهم نغمة تشي بأنهم أحفاد فاتح مصر الصحابي عمرو بن العاص. والبعض من المصريين البسطاء يرددون أن أجدادهم أصحاب فضل على المملكة، وكانوا يقدمون لها المساعدات، لدرجة لم يستطيعوا فيها تدبير كلفة كسوة الكعبة الشريفة، فكانت الكسوة ترسل سنويا من مصر، قبل عقود عدة.

الشوفينية التاريخية المزدوجة، تجاوزت هذا المدى، وتولدت عنها إسقاطات تتواءم مع الواقع الجديد وثورة الإنترنت، والدور الخطير الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي، وهي وجه آخر للحرب الإعلامية الضروس، فما إن يطلق أحدهم تغريدة على تويتر من الرياض، تُستنفر همم البعض من المصريين وتتواصل حلقات الردح والسب والقذف والتراشق، فيزداد الأمر اشتعالا.

من المؤكد أن العلاقات بين الدول، يصعب أن تحيا، إذا استمدت رحيقها من هذه المواقع، لكنها تنهض وتتطور من إعمال المصارحة والوضوح وفتح جميع الملفات بلا مواربة، فقد يتم طي الصفحة القاتمة الحالية قريبا، وهناك إشارات كثيرة تدلل على عدم رغبة الطرفين في الصعود إلى أعلى الشجرة، حتى يتمكنا من النزول بأقل تكاليف ممكنة.

الصعوبة تكمن في القدرة على إيجاد الآلية التي تضمن عدم العودة إليها مرة أخرى، وفي ظل زحمة الملفات والقضايا الشائكة، غير مستبعد تكرار الأخطاء السابقة، لذلك يجب وضع مجموعة من الثوابت والقواعد والروافع والمرتكزات التي تقوم عليها العلاقات بين مصر والسعودية.

كاتب مصري

9