الحوار الوطني ومعضلة السلاح في ليبيا

الاثنين 2014/03/10

تباينت وجهات النظر، الخميس الماضي في روما، بشأن أحقية تمثيل ليبيا في مؤتمر ينتظم حولها، فجاءت المواقف بين مستهجن وراض، نظرا إلى الانقسام الظاهر للعيان بسبب وصول وفدين ليبيّين إلى العاصمة الإيطالية، أحدهما ترأسه نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام والآخر قاده رئيس الحكومة علي زيدان.

كما جاء هذا الحضور متجاهلا للقوى الفاعلة على الأراضي الليبية، مكتفيا بأعضاء من البرلمان المنتهية ولايته أو من حكومة عاجزة عن فعل أيّ شيء، بما في ذلك نصب كاميرات للمراقبة في شوارع بنغازي الجريحة. فأيّ قيمة لهذين المؤسّستين (برلمانا وحكومة) إذا ما تزامنت احتفالات الشعب الليبي بالذكرى الثالثة لثورة فبراير مع عمليات قتل واغتيال واختطاف، فضلا عمّا تشهده البلاد من فوضى عارمة ودعوات إلى الانقلابات في واضحة النهار.

أمّا أسباب حالة التردّي المستشرية، فهي بدورها واضحة للجميع، وتكمن في انتشار السلاح وكثرة الميليشيات والمسلحين الذين لا يرون سوى أنفسهم ثوارا مدافعين عن البلاد، فهل نسى هؤلاء أنّ هناك من الثوار من لم يتسلّح أصلا، ومن بينهم من ترك السلاح بعد التحرير!؟.

ألا يعلم هؤلاء أنه عندما اندلعت ثورة فبراير، كان المدنيون أول من خرج عن الصمت وتظاهر ضد النظام السابق، وكثير منهم مازالوا مدنيين، فالأطباء والنشطاء السياسيون والدبلوماسيون والإعلاميون، ومن قاموا بأعمال الإغاثة وجمع التبرعات، والأمهات والأخوات، كلهم ثوار مدنيون، وهم من أطاحوا بنظام القذافي في أنظار الليبيين والعالم ككل.

وهكذا، فإن للثورة جناحين، واحد مدني وآخر عسكري، ولا مجال لمزايدة أحدهما على الآخر. فثورة 17 فبراير ثورة شعبية شارك فيها الجميع من كل المدن والقبائل. أمّا اليوم وبعدما اختلط الحابل بالنابل وأصبح كل يدّعي وصلا بليلى، حتى فاق عدد المسجّلين ضمن دائرة الثوار 250 ألفا، بالرغم من أنّ السجّلات تبيّن أنّ الثوّار الحقيقيين هم ثلاثون ألفا إلى غاية تحرير طرابلس.

أصبح من المعيب، اليوم، ادعاء البعض بأنّ الثوّار هم من حمل السلاح فقط، تماما مثلما يستهجن الشارع الليبي كثرة هذا السلاح الذي لم يحم المدنيين من القتل، بل تسبّب في اغتيال العشرات من رموز ثورة فبراير.

بلغ الشارع الليبي درجة كبيرة من كره كلّ من يحمل السّلاح، وصار الشباب يخرجون للتصدّي إليهم بصدور عارية مثل خروجهم أوّل مرّة ضد نظام القذافي، وأحداث طرابلس وبنغازي الأخيرة خير دلائل على ذلك. فمن يضمن ألّا يتكرّر هذا المشهد، ويسقط المزيد من الضحايا بعد كلّ التّجاوزات التي ارتكبها حملة السلاح؟

أضحى الشارع اليوم ضد هؤلاء، وليس هناك من حلّ أمامهم سوى الجلوس إلى طاولة الحوار، وتحديد خارطة طريق لبناء دولة آمنة ومستقرّة تنعم بالرفاهة، وإن لم يكن ذلك من أجل الوطن، فليكن من أجل أبناء الوطن باعتبارهم أهل حاملي السلاح والمهووسين به.

إنّنا نطالب بحوار وطني يجمع جميع مكوّنات المشهد السياسي الليبي من أحزاب ومجتمع مدني، وثوّار من حملة السلاح، وممثلي القبائل والمناطق.

ومن المهم أن نذكّر الجميع أنّه يجب ألا نرفع سقف التوقّعات من نتائج الحوار، ولتتلخّص أهمّيتها في ثلاثة بنود هي: الاتفاق على وحدة ليبيا، وسلمية الصراع على السلطة ونبذ العنف، وبناء المؤسسات. فالبديل عن الحوار هو الحرب الأهلية أو التقسيم أو الثورة المضادّة، وهو ما شاهدنا بوادر حقيقية له في جنوب طرابلس وغربها الأيام الماضية…

وقد يكون الحوار الليبي-الليبي غير مُجدٍ، ممّا يستدعي مساعدة فنية ولوجستية من المجتمع الدولي كالأمم المتحدة والجامعة العربية. كما أن المجتمع الدولي مطالب أكثر من أي وقت مضى بمساعدة ليبيا على بناء مؤسساتها وأوّلها الجيش والشرطة، لاسيما أنّ الانفلات الأمني في البلاد لم يعد يُهدّد ليبيا والليبيين فقط، بل المنطقة بأسرها.

وإجمالا، فمن الضروريّ أن يفهم كلّ من يحمل السلاح أنّ الحوار الوطني يصبّ في مصلحته، لأنّه سيتيح له حق الانتماء إلى جيش وطني، وليس إلى ميليشيا خارجة عن القانون، سوف يطالها القانون حتما وإن طال الزمن.


عضو الفريق الاستشاري للهيئة التحضيرية للحوار الوطني الليبي

2