الحوار اليمني المفخخ بنزعات الإقصاء وحلم العودة

الثلاثاء 2013/11/12

بضعة أسابيع تفصلنا عن النهاية المفترضة للحوار السياسي الوطني الشامل في اليمن الذي انطلقت فعالياته في مارس الماضي، والراصد لسير الحوار الذي بدأ بصورة حماسية وأجواء تفاؤلية، مدفوعاً بمباركة اليمنيين الذين أنهكتهم الصراعات والمعاناة اليومية وتطبعوا بحالة البؤس والقنوط المقرونة بسوء الخدمات وحالة الفاقة والعوز والفوضى وتآكل مفاصل الدولة بل وغيابها، وتناحر اليمنيون مذهبيا في مشهد لم نألفه من قبل.

ولكن ما أن أوشكت نهاية الحوار على نهايته حتى طفت على السطح خلافات كادت أن تطيح بآخر أمل يعول عليه اليمنيون، حيث لوحظ أن أطراف الحوار ومن ورائهم القوى التابعة لها من كل ألوان الطيف السياسي ينطلقون (كلا من مصالحة الضيقة) وبنزعة أنانية في الاستحواذ وإقصاء الآخر والخروج بأكبر قدر ممكن من كعكة السلطة حيث يتهافت القوم بصورة مفضوحة.

في هذه الأجواء تعثر الحوار في أهم مفاصله وهي القضية الجنوبية، متزامنا مع لغط تشريعي لنصوص غدت مقدسة وحورت مفاهيمها وغاياتها لأن الجميع ينطلقون من خلال مصالح آنية أنانية وذاتية دون مراعاة خطورة المرحلة. فقد دخلت النُخب المتحاورة في الأيام الأخيرة للحوار في جدل العزل السياسي، والذي كان الرئيس هادي يلوح به أمام خصومه بعد أن أوصى فريق الحكم الرشيد في ذلك الحوار استنادا إلى نص دستوري يؤكد على العزل السياسي لكل من شملتهم المبادرة حسب القرار الجمهوري لسنة 2012، وهذا لاشك مبدأ عملي وقبوله وتطبيقه يساهم في إيجاد الحلول.

الإشكال الواضح والتناقض هو أن الرئيس هادي قد يشمله ذلك وهو ما يعني وضع الرئيس التوافقي وكل مراكز القوى التي تتصدر المشهد السياسي اليوم وغيرهم من أطراف الأزمة في خندق واحد، أما الإشكال الآخر فهو خطأ مشترك حين لم تدرك تبعات الموافقة على المبادرة الخليجية، فكان يفترض حينها الاشتراط بأن تتضمن عدم مزاولة، من تشملهم الحصانة، النشاطات السياسية سواء كانوا في السلطة أو في الأحزاب. ومن هنا فالمبادرة قد حملت في طياتها بذور فنائها، فلم تكتشف تلك المطبات والألغام إلا حين طُرحت للنقاش والحوار وفي محك تفاعلات المشهد السياسي بكل تعقيداته.

وهذا يجرنا إلى القول بأن تطبيق العزل السياسي سيزيح كل المختلفين في المشهد السياسي اليوم سواء كانوا حاكمين أو مشاركين في السلطة، فهم يسيطرون على نصف الحكومة وفي نفس الوقت يعارضونها وفي ذلك مفارقة غريبة ميزت مآلات الربيع العربي في نسخته اليمنية، وليس هذا فقط بل إنهم يعتبرون هذه المرحلة مؤقتة فهم عائدون وفق هذه الرؤية غير مدركين بأن ثورة شعبية أطاحت بهم ومنحتهم حصانة لم يكونوا يحلمون بِها، ولا يمكن أن يعودوا للسلطة بواجهات وعناوين مختلفة فقد تجاوزهم الزمن، والمرحلة أفرزت قوى أخرى.

الخلاف الأساسي هنا بين السلطة وما يمكن تسميته مجازاً «النظام البائد» وبين من كانوا جميعا قبل ما عُرف بالثورة الشبابية في خندق واحد ولكن فرقتهم المصالح، وعليه فهذا يؤكد فرضية أن اليمن لن يكون سعيداً ألا بتواري كل هؤلاء من الساحة والمشهد السياسي فهم سبب مشاكله المزمنة. وعليه فاليمن يحتاج لمبادرة جديدة ليست خليجية هذه المرة بل أممية تهدف إلى خروج كل اللاعبين- الغث والسمين- من المشهد لإتاحة الفرصة لوجوه جديدة لم تتلوث بدنس السلطة، ولكن قد تبدو مثل هذه الدعوات مثالية وغير عملية وتدخل في باب التمنيات والحلول الافتراضية التي لا تلقى لها صدى في الواقع.

السؤال الذي قد يبدو ساذجاً وبديهيا ويطرح نفسه بقوة وهو أن المقصود من العزل السياسي هو من أوصل اليمن إلى هذه الحالة وقامت ثورة وتم خلعه بمبادرة خليجية قبل بها مقابل حصانة، وعليه فلا يجب أن نتوه في المسميات وتفسير النصوص وندخل في جدل عقيم يفترض، أصلا، التسليم بالأمر الواقع، فإما أن لا يتم العزل السياسي ويستمر المؤتمر بقيادته الحالية مدى الحياة، ولكن بالمقابل يضحي بالحصانة طالما لديه هذه الشعبية وطموح السلطة، وإلا فيقبل بالحصانة وهو أساساً المقصود وليس أهل السلطة الحاليين بغض النظر كون الجميع شملتهم الحصانة فلتُسمى الأشياء بمسمياتها، ونتأمل لروح المبادرة وغايتها وليس فقط إلى نصوصها فهي في نهاية الأمر ليست قرآنا منزلا، هذا إذا كان هناك تضحية بالمناصب لمن يدعي أنه (سأم السلطة)، فهذا الفرس وهذا الميدان وعند ساعة الحسم والوغى يثبت مدى عشقه للسلطة وشهوة الحكم.

هذا هو الإشكال باختصار بعيدا عن الديماغوجية التي يجيدها البعض، ولن تقوم لليمن قائمة طالما بقي من بيده السلطة والقوة والثروة يتحكم بقواعد اللعبة.

الأمر الآخر أن اليمنيين باتوا اليوم حبيسي نصوص تشريعية كبلوا بها أنفسهم والسبب عدم وجود حسن النية لدى جميع الأطراف، وإلا فالأمر في غاية البساطة. فلو كان المستهدف بالعزل السياسي قد بادر تلقائيا- بعد نقل السلطة- بالتخلي عن رئاسة المؤتمر لما حصل شيء من تداعيات تطبيق المبادرة، ولأبدت أطراف الحوار السياسي من المكون الجنوبي المسمى بالحراك موقفا لينا لأنه غير مطمئن من أن الجهة التي أقصته وشنت عليه الحرب ستتوارى عن الحكم طالما هي شرهة للسلطة بهذه الصفة. فالوطنية إجمالا هي سلوك وممارسة وتضحية وليست زعامة أبدية مفروضة، فمتى يدرك هؤلاء خطورة المرحلة، ويتوقفون عن الاختباء وراء الأوهام ويكفّون عن الإيحاء بفوبيا الاجتثاث المزعوم؟

لقد وصلنا إلى مرحلة تبديل الأولويات فلم يعد الوطن في قائمة الاهتمامات بقدر ما هي مصلحة تماسك الحزب وأعضائه ونصيبهم من غنائم المناصب المستقبلية. هذا هو سر تعثر الحوار بعيدا عن المزايدة والسفسطة والجدل العقيم.

حسن النوايا والتضحية بالمواقع الحزبية بوابة انفراج الأزمات في أي مجتمعات وإلا سيظلوا يدورون في حلقة مُفرغة.


كاتب وسياسي يمني

9