الحوار من أجل "الفراغ" الرئاسي

الثلاثاء 2014/11/25

لم تكن في أي يوم من الأيام رائحة الفساد جديدة على أنوف اللبنانيين، فهذا البلد الغارق دائماً في مسلسلات الفضائح بشتى انواعها، الغذائية، الصحية، المالية والبيئية والسياسية، تأسس على منطق التوازنات في كل أشكال الحياة الخارجة على القانون.

والفساد في لبنان متوارث، كتوارث الحياة السياسية، وهو توافقي أيضاً بما تحمله «الديموقراطية» اللبنانية ذات النكهة العشائرية من خصوصية، جعلته مثالاً يحتذى به في دول المنطقة التي تتطلع إلى التغيير في أنظمتها السياسية.

أما رائحة الحياة السياسية في لبنان، فلا تقل رداءة عن ما يكشف يومياً من عفونة واهتراء داخل مستودعاته الغذائية، ومؤسساته الرسمية المفككة.

المجلس النيابي يمدد لنفسه بأغلبية 95 صوتاً، أما المعارضون فقالوا لا «لغاية في أنفسهم»، وبكل كبرياء وثقة يعلن «قادة» التيارات السياسية أن الظروف الإقليمية لم تنضج بعد لإنتخاب رئيس جديد، بينما دول العالم والأمم المتحدة تطالب بالإسراع في انتخاب رئيس للبلاد.

وفي الوقت الذي يوزع فيه سماحة السيد صكوك الوطنية على أهالي طرابلس لوقوفهم إلى جانب الجيش في المعارك الأخيرة، وثناءه على القيادات السياسية في المدينة، وإعطاءها شهادات البراءة لمواقفها «الشجاعة» في مواجهة «التكفيريين».

نجد في الجهة المقابلة، كما تفيد المعلومات الميدانية من البقاع، أنّ «حزب الله» «أضاف مربعاً أمنياً جديداً إلى منظومة مربّعاته المنتشرة في المنطقة، من خلال إحاطته قرى جنوب البقاع الغربي بسلسلة مواقع عسكرية ثابتة، متخذاً من شعار «مكافحة الإرهاب» مبرّراً لإحكام قبضته العسكرية على القرى الواقعة في نطاق هذه المنطقة، وسط هواجس، عبّرت عنها مصادر أهلية، من أن تكون شهيّة الحزب الناظر «بعين القضم الممنهج للمنطقة» مفتوحة على التمدّد والإمساك عسكرياً وأمنياً بالقرى المسيحية والقرى ذات المكونات الاجتماعية المتنوّعة».

وهو الأسلوب ذاته الذي تمارسه سياسة «القضم» الاستيطانية، إنما بمخالب «صديقة». ومن خلاله تتم عسكرة الريف المسيحي والدرزي في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها المنطقة. وأمام فزاعة «التكفيريين» الذين أثبتت المواجهات هشاشة وجودهم، حتى الآن، على الأراضي اللبنانية.

ومع أن الحوار يمثل حاجة وضرورة إلى جميع اللبنانيين، على الأقل من حيث استكمال تشكيلة الدولة، وعلى رأسها منصب الرئاسة، فإن «حزب الله» يعتمد على حلفائه المسيحيين في «8 أذار» من أجل إداء مهمة التعطيل وإحراج القوى المقابلة من «14 آذار» في شقها المسيحي، الذي لا يقل قوة وجماهيرية عن الطرف الأول، ولا رغبة في إنجاز هذا الإستحقاق.

قد يكون الحوار مطلباً إقليمياً، ولكن هل ظروف نضوجه قد حانت؟، وحول ماذا سيتم الحوار، في ظل التباعد العميق بين طرفين متناقضان لا يجمعهما بينهما أي قاسم مشترك، ولا حتى في نظرتهما إلى مستقبل الدولة، التي ربما يجد الحزب أن من المبكر البحث فيها الآن.

يعرف الذين يحاولون ترميم ما أفسدته تجارب «حزب الله» مع الرئيس سعد الحريري، أن من الصعب إيجاد قواسم مشتركة بين الرجلين في ظل الوضع الراهن، وضمن الوقائع المطروحة على الساحة الإقليمية والدولية، ولن يكون أولها تأكيد الحزب، مراراً، وبشكل حاسم أن لا خروج من معركة سوريا قبل تحقيق أهداف دخوله إليها برعاية وتوجيه ايراني، وفي طليعة هذه الأهداف تأمين استمرار النظام الحالي، الذي يشكل في حال سقوطه، تراجعاً لمجمل المشروع الإيراني في الشرق الأوسط.

على هذه الخلفية، تتسارع فيه التحضيرات لبدء شكل من أشكال الحوار بين «حزب الله» وتيار «المستقبل»، أقله على حل أزمة الفراغ الرئاسي، بمساع وضغوطات من الرئيس نبيه بري، ضمن معطيات دولية وإقليمية تشجع على إنهاء هذه الأزمة، أبرزها أتت من الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي أشار إلى أن «الولايات المتحدة تأسف أن تمرّ هذه الذكرى (عيد الاستقلال) من دون وجود رئيس منتخب للجمهورية اللبنانية، يجب أن يكون انتخاب الرئيس قراراً لبنانياً بحتا، ولكنه قرار يجب أن يُتخذ لمصلحة الشعب اللبناني»

يعتقد «تيار المستقبل» أن الأولوية ترتكز على انتخاب الرئيس، الذي سيرعى، بدوره، الحوار «الشامل»، الذي يتطلب، بداهة، مشاركة سياسية لبنانية شاملة على غرار «حوارات بعبدا» التي بقيت مجرد لقاءات لم تفضي إلى أية نتيجة.

وإذا كان ملف الحوار قد أسند إلى وزير الداخلية نهاد المشنوق (المقبول من حزب الله) والمتوجه إلى باريس للقاء الرئيس سعد الحريري والبحث في جدول أعمال الحوار. فهذا يعني أن «المستقبل» قد تجاوز العديد من العقبات، أبرزها: طلب السعودية من الأمم المتحدة إدراج حزب الله على لائحة المنظمات الإرهابية، والإفادات «المثيرة» التي يدلي بها بعض السياسيين اللبنانيين، وفي مقدمتهم النائب مروان حمادة أمام المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.

الجميع مقتنع بضرورة عزل لبنان عن التطورات الإقليمية، وقد تكون «عين التينة» مقر رئيس المجلس النيابي نبيه بري، السقف الآمن الذي سيجتمع تحته «حزب الله» و»تيار المستقبل»، في محاولة جادة للتوافق حول اسم من خارج « 8 أو 14 آذار» يعيد للجمهورية اللبنانية رئيسها، إنما من المبكر جداً، البحث في «الحوار الشامل» الذي يتطلب، بدوره، توافقات داخلية وإقليمية، ودولية، من الصعب التكهن بإمكان حدوثها. وما نشهده الآن على الساحة اللبنانية، هو مجرد ترحيل للخلافات الكبيرة إلى ادراج الرئيس اللبناني القادم.

4