الحوثيون بين انتحارين

الاثنين 2014/09/22

أخيرا أسقط مسار الأزمة في اليمن آخر أقنعة جماعة الحوثي وكشف بما لا يدع مجالا للشك أن الشعارات المطلبية لم تكن سوى ذريعة لغزو عاصمة البلاد تنفيذا لمشروع يتجاوز اليمن وتمتد أصوله وجذوره إلى إيران. ومن هذا المنطلق لم يكن غريبا أن يظل زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي مصرّا على مراوغة كافة الأطراف التي حاولت التدخل لنزع فتيل الأزمة وخصوصا المبعوث الأممي جمال بن عمر.

وبينما كانت جهود تلك الأطراف تتجه نحو تحقيق اختراق في إنهاء الأزمة اليمنية سلميا، عمدت جماعة الحوثي إلى تصعيد غير مسبوق في العاصمة صنعاء التي وجد سكانها أنفسهم، لأوّل مرّة منذ عقود، في أتّون حرب مستعرة، وذلك بينما ظلت السلطة ممثلة برئيس البلاد عبدربّه منصور هادي تمارس أقصى درجات ضبط النفس حرصا على عدم جرّ اليمن إلى حرب أهلية.

ولم يكن الرئيس هادي مجافيا للحقيقة حين وصف الجماعة بالانقلابية إذ كانت كل خطواتها تصب في هذا الاتجاه قبل أن تقدم على خطوة بالغة الدلالة على انقلابيتها ممثلة في ضرب التلفزيون لمنع كشف حقيقتها.

لا أحد اليوم يشك في أن ما ينفّذه الحوثيون في اليمن ليس أكثر من تعليمات إيرانية تترجم في كل تفاصيلها أجندة طهران وسياساتها وأهدافها من وراء تلك السياسات، بدليل تدرّج الجماعة من رفع شعار “الموت لأميركا” إلى شعارات أخرى أكثر محلّية، بعد توصّل إيران مع الولايات المتحدة إلى تفاهمات حول برنامجها النووي.

والجماعة لا تختلف في باب التبعية المطلقة لإيران في شيء عن حزب الله في لبنان بل هي تحاول استنساخ تجربته بكل تفاصيلها بما في ذلك استخدام اسم الجلالة في تسمية ميليشيا طائفية؛ “أنصار الله”، فضلا عن السعي إلى تكوين كيان أشبه بالدولة داخل الدولة على جزء من البلاد واقتطاع ضاحية من العاصمة وإلحاقها بذلك الكيان.

وفي سياق توفير مقومات الحياة لـ“الدويلة” المنشودة يسعى الحوثيون للحصول على منفذ بحري وتحديدا على ميناء ميدي قرب الحدود اليمنية السعودية القريب من جزر دهلك الأريتيرية التي تستأجرها إيران والتي كان مقاتلو الحوثي يتدربون فيها على يد الحرس الثوري الإيراني.

وعلى غرار ما يفعل حزب الله في لبنان، ودون أن يُبدوا أي نية للتنازل على مناطق نفوذهم بشمال اليمن، يعمل الحوثيون على المشاركة بشكل فاعل في صناعة قرار الدولة اليمنية –أو ما يتبقى منها- ويطالبون بالتدخل في اختيار الوزراء، ويريدون إدارة وزارات بعينها منها وزارة التعليم لنشر مذهبهم في المجتمع اليمني عبر البرامج التعليمية الرسمية.

لكن هل تقبل دول المنطقة أن يجاورها كيان هو بمثابة دويلة تابعة لإيران، خصوصا ونحن ندرك الطبيعة التوسّعية لدولة الولي الفقيه منذ نشأتها.

الحوثيون يتجهون نحو انتحارين: انتحار عسكري، وانتحار شعبي. فلا أحد يتوقّع أن يتمادى الرئيس اليمني إلى ما لا نهاية في ضبط أعصابه تاركا الحوثيين ينكشفون أمام الشعب اليمني بعد تخفّيهم بمطالب شعبية. كما لا أحد يتوقّع أن تسمح القوات المسلّحة اليمنية المدعومة بشرائح كبيرة من الشعب أبدت استعدادا للقتال إلى جانبها، للجماعة التابعة لإيران بالتمادي في تهديدها لكيان الدولة.

لقد انقلب الحوثيون على مخرجات الحوار الوطني، وحولوا شوارع الأحياء الغربية للعاصمة صنعاء إلى ساحة حرب شوارع بين ميليشياتهم ولجان شعبية بمساندة الجيش. ولئن أظهر الحوثيون في هجومهم على عاصمة البلاد قدرا من القوّة والتماسك، فإن عارفين بالشأن اليمني يقولون إنّ الجماعة ابتلعت الطعم ودخلت ساحة يصعب أن تخرج منها بسلام، وقد تكون أكبر فرصة للإجهاز عليها بمباركة إقليمية ودولية بعد أن تجاوزت كافة الخطوط الحمر.

ويبدو العديد من المراقبين على قناعة تامة أن دول الجوار اليمني، إضافة إلى قوى دولية، لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يجري باليمن، وأن ما يبدو إلى حد الآن من “صبر” تلك الدول هدفه استنفاد كل محاولات حقن الدم اليمني عبر الحوار السلمي، أملا في استخدام “الحكمة اليمانية” لإبعاد شبح الحرب الأهلية عن البلد.

لقد اغترّ الحوثيون بالدعم الإيراني المتواصل لهم ما جعلهم يخرجون في حركة غزو واسعة النطاق لمناطق البلاد من دمّاج إلى عمران إلى الجوف وانتهاء بصنعاء. وقد تمكّنوا من الاستيلاء على كم كبير من الأسلحة ما أشعرهم أنّهم يمتلكون قوة يمكن أن يتفاوضوا بالاستناد إليها للحصول على دولة شبيهة بدولة حزب الله في لبنان.

ولكن يبدو أن زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي ومن خلفه إيران لم يقرآ تحوّلات المشهد الإقليمي والدولي بالشكل الصحيح وأكبر مفاجآته التوافق الواسع على محاربة الإرهاب الذي بات في حكم المؤكّد أن جماعة داعش مجرّد جزء منه، وأنه يشمل كل الجماعات المهدّدة لكيانات الدول، واستقرارها. ولا نخاله من الصعب تصنيف جماعة الحوثي كما جماعة حزب الله ضمن تلك الجماعات.


كاتب سعودي

3