الحوثيون تاريخ من التخريب من صعدة إلى صنعاء

الجمعة 2014/06/13
معارك طاحنة يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين الساعين إلى اقتحام أبواب العاصمة صنعاء

صنعاء - حذّرت مجموعة الأزمات الدولية من أن الدولة اليمنية على مشارف صراع طويل سيتسبّب فيه الحوثيون الذين يصرّون على التقدّم جنوبا نحو صنعاء مهدّدين العملية السياسية ومستغلين الوضع الأمني الهشّ في اليمن والحراك الانفصالي المتشدّد في الجنوب.

أبلغ المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بنعمر، مجلس الأمن الدولي بأن العملية الانتقالية في صنعاء ما تزال تمضي قدما بنجاح نسبي، إلا أن هناك تحديات كبيرة وخطيرة تواجه الدولة اليمنية، وتداعياتها تطال المنطقة بأسرها وتهدّد باندلاع صراع طويل في اليمن قد يتحول إلى حرب أهلية، الأطراف الرئيسية فيها: الحوثيون والجنوبيون والدولة اليمنية (بمختلف مؤسساتها الأمنية والرئاسية).

يشترك اليمن مع البلاد العربية التي شهدت “ثورات الربيع″ في كون شعبه نجح في إنهاء نظام الرئيس علي عبد الله صالح، وإن كان بطريقة تختلف عن مصر وتونس وليبيا وسوريا. وككل هذه البلدان، عمّت الفوضى اليمن بعد إسقاط النظام سنة 2011.

لكن وعلى خلاف نظيراته من بلدان “الربيع العربي”، يعدّ الوضع في اليمن أكثر حساسية و”خطورة” باعتبار أن ما يجري في اليمن اليوم هو امتداد لمواجهات قديمة، ونذر حرب أهلية تدق منذ ما قبل “الربيع العربي”، أبواب اليمن الذي يعصف به تمرد في الشمال وحركة انفصالية في الجنوب وجناح للقاعدة.

هذه الأخطار زادتها حدة أزمة اقتصادية اقتربت بالبلاد من هاوية المجاعة والعطش ووضعتها في صدارة قائمة أكثر البلدان فقرا وضعفا اجتماعيا وصحيا في العالم.

ونتيجة للأزمة أصبح اليمن على شفا الإفلاس. وتجاوز معدل البطالة 50 في المئة في دولة يعيش نحو 42 في المئة من سكانها البالغ عددهم 24 مليون نسمة بأقل من دولارين في اليوم.

وتراقب دول الخليج والدول الغربية بقلق متزايد أزمة أعطت لتنظيم القاعدة الفرصة لتكون له قاعدة في اليمن يشن منها الهجمات على أجزاء مختلفة من العالم.

ويحذّر خبراء في الشأن اليمني ومنظمات إغاثة من أنه إذا لم يتم تقديم المزيد من المساعدات والدعم لليمن فإن العملية السياسية السلمية قد تتداعى.

وشهدت عملية الانتقال تنازل صالح عن منصبه لنائبه عبد ربه منصور هادي في فبراير بعد 13 شهرا من الاحتجاجات والتي تحولت إلى اشتباكات بين فصائل متناحرة داخل الجيش اليمني علاوة على سيطرة جماعة إسلامية متشددة متحالفة مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على أجزاء من جنوب اليمن.

الحوثيون يستغلون عدم استقرار اليمن بالتوسع في بسط النفوذ وبناء دولة شيعية إيرانية تفوق قوتها اليمن والسعودية مجتمعتين

وتشن القوات الحكومية اليمنية الآن حملة تدعمها الولايات المتحدة لاستعادة السيطرة على أراض في الجنوب. وقد تضررت صادرات النفط والغاز المتواضعة والتي كانت مصدرا مهما للعملة الصعبة للحكومة بسبب الهجمات المتكررة التي يشنها رجال قبائل على خطوط الأنابيب منذ بدء الاضطرابات في 2011. وتمثل موارد النفط والغاز ما بين 60 و70 في المئة من دخل اليمن وتخسر البلاد 15 مليون دولار يوميا نتيجة للهجمات وفقا لما ذكرته السلطات. وفي ظل انخفاض احتياطيات البنك المركزي من العملة الصعبة تصبح المساحة المتاحة للحكومة للمناورة محدودة.


التوسع الحوثي


يمثل تنظيم القاعدة والانفصاليون أبرز التحديات في الجنوب، بينما يبرز في الشمال، وبشكل كبير، الدور الذي يلعبه الحوثيون باستمرار في تمديد خيوط الأزمة السياسية في اليمن، وهدم المحاولات التي ترمي إلى استقراره.

وتشير دراسة لمجموعة الأزمات الدولية بعنوان “الحوثيون: من صعدة إلى صنعاء” إلى أن ثمة تحوّلا في ميزان القوى في شمال اليمن، منذ مطلع عام 2014، حيث كسب المقاتلون الشيعة الزيديون، المعروفون بالحوثيين، سلسلة من المعارك، مما أدى فعليا إلى إحكام سيطرتهم على محافظة صعدة، على الحدود اليمنية السعودية، والتوسّع جنوبا إلى أبواب العاصمة صنعاء، وحاليا، ثمة مجموعة متفرقة ومتقطعة من حالات وقف إطلاق النار، رغم أنها في خطر نتيجة موجات من العنف.

وقد جرت مؤخّرا مواجهات مسلحة وعنيفة بين جماعة الحوثي والجيش اليمني، انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين. لكن المتابعين للشأن اليمني يشكّكون في نوايا الحوثيين خاصة مع تصاعد التوتّر بينهم وبين خصومهم المتعددين: عائلة الأحمر والفريق علي محسن الأحمر وحلفائه العسكريين والسلفيين والحزب الإسلامي السني، والقبائل المرتبطة بمختلف هذه الجهات.

عبد الله الكويليت: الحوثيون.. الأخطر من القاعدة والكارثة القادمة التي تقف على أبواب صنعاء

وأكّد الخبراء عدم صدق الحوثيين من خلال التصريح الذي جاء على لسان ممثل جماعة الحوثيين الشيعة في اللجنة المشرفة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي قال إن الحوثيين “غير معترفين بالدولة الحــالية”.

وكانت الأوضاع في محافظة عمران قد بدأت تعود إلى طبيعتها، بعد مواجهات دامية دامت أكثر من أسبوعين بين قوات الجيش ومسلحي جماعة الحوثيين، غير أن الهدوء الذي يسود المحافظة منذ سريان وقف إطلاق النار لا زال مشوبا بالحذر، جراء الخروقات المستمرة التي يقوم بها المسلحون الحوثيون في عدد من المناطق.

في ظل هذا الوضع، تتنامى المخاوف من أن تصعيدا جديدا يمكن أن يجر الدولة اليمنية إلى صراع طويل.

ويأتي تصاعد العنف المتجدد في وقت حساس من المرحلة الانتقالية للبلاد، ففي يناير 2014، أكمل اليمنيون مؤتمر حوارهم الوطني، الذي خرج بمخطط لإصلاحات سياسية واسعة النطاق، إلاّ أن الخطة تبقى طموحا يتطلع إليه اليمنيون في أفضل الأحوال أمام البلاد حتى يناير 2015 حتى تكتمل صياغة الدستور وإجراء استفتاء للموافقة عليه، قبل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في وقت لاحق من العام.

ثمة عقبات عديدة أمام النهوض بالدولة اليمنية، بما في ذلك وجود حكومة ضعيفة ومنقسمة، وأوضاع اقتصادية مزرية، وتدهور أمني. كما أن العنف واسع النطاق سيعرّض العملية الانتقالية للخطر ويقوّض سلطة الدولة الضعيفة أصلا ويضعف الوفاق السياسي الذي لا يزال في مرحلة جنينية.


القتال مع الحوثيين


تطرقت دراسة مجموعة الأزمات الدولية إلى المسار العنيف الذي بدأ منه الحوثيون لتثبيت وجودهم كطرف في المعادلة السياسية في اليمن، حيث أوضحت أن القتال الدائر مؤخرا في أقصى الشمال ليس جديدا، فبين عامي 2004 و2010، انخرط الحوثيون في ست جولات من القتال ضد الحكومة، وكانوا الطرف الأضعف سياسيا وعسكريا، حيث كان نشاطهم يقتصر على محافظة صعدة، ويطرحون مطالب غير محددة ودون أن تكون لهم أجندة سياسية واضحة.

إيران تخطّط لتحويل صنعاء إلى مدينة حوثية
صنعاء - نقلت وسائل إعلام يمنية أن مصادر استخباراتية كشفت عن قيام إيران بتمويل عملية هي الأضخم من نوعها في الشرق الأوسط، وبالتحديد في اليمن، أطلق عليها اسم ” حرث الأرض” والمقصود إزالة كل ما على الأرض تمهيدا لزراعتها من جديد.

وقالت الصحف اليمنية إن هذا التقرير كشفته المخابرات العامة التركية (mit)، وهو يفضح اللعبة التي تلعبها إيران في اليمن، عن طريق الحوثيين، وذلك عبر تمويل الأعمال التخريبية والإرهابية ونشر الخلافات بين الأحزاب المتفرقة ونشر التشيع بالقوة.

وأشار التقرير إلى أنَّ الحوثيين يستغلون عدم استقرار اليمن بالتوسع في بسط النفوذ والسيطرة على مناطق متفرقة وبناء دولة شيعية فارسية، تفوق قوتها اليمن والسعودية مجتمعتين وتكون مشابهة لقوة حزب الله اللبناني في جنوب لبنان بل أكثر تطورا وتكتيكا وسلاحا. وكشف التقرير عن أن الخطة الإيرانية تقضي بأن تكون صنعاء عام 2017 مدينة حوثية شيعية بالكامل.

وطبقا للتقرير لا يوجد شارع أو حي في صنعاء إلا وفيه على الأقل منزل حوثي فيه كافة الأسلحة المتنوعة، وقد تم تدريب أفراده على حرب العصابات، إذا ما اشتد الصراع بين الحوثيين والدولة في صنعاء. كما كشف التقرير عن قيام الحوثيين بنشر المدارس الخاصة في كافة المدن والمحافظات اليمنية بأسماء مستعارة، مؤكدا أن الهدف منها هو غرس المذهب الإثني عشري.

غير أن انتفاضة عام 2011 ضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح غيّرت الحراك السياسي في البلاد، ودفعت الحوثيين إلى المسرح السياسي. ويعزو المراقبون والخبراء ذلك إلى ضعف الدولة واستغلال الحوثيين- وأيضا جهات أخرى إما تطالب بالانفصال أو تشتكي من إهمال الحكومة المركزية في صنعاء- للصراع السياسي الداخلي آنذاك لتوسيع قاعدة دعمهم الشعبي وسيطرتهم على المزيد من المناطق في الشمال، بما في ذلك محافظة صعدة، حيث يقيمون نقاط تفتيش ويحرسون الطرق ويجمعون الضرائب ويشرفون على إدارة الحكومة المحلية ويديرون الجهاز القضائي، ونظرا إلى ضعف سلطة الدولة، فقد أصبحوا دولة داخل الدولة في هذه المناطق.

بعد انضمام جماعة الحوثي إلى مؤتمر الحوار الوطني، كسبوا مقعدا إلى طاولة المفاوضات والمساومات الوطنية، حيث عبّروا عن مواقف تحظى بالشعبية، بما في ذلك إقامة دولة اتحادية قائمة على المبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية والحرية الدينية والتوازن بين السلطات.

ولم يصدّق الخبراء هذه المزاعم مشيرين إلى أن الحوثيين يحاولون الالتفاف على عقول اليمنيين بإقناعهم بجدية نواياهم في المشاركة في عملية سياسية تقود اليمن إلى الاستقرار، في سياق يدخل في باب المناورة لتحقيق غايات خاصة بهم.

يعتبر الحوثيون من المجموعات اليمنية الأكثر تعقيدا في حل المعادلة اليمنية، فجماعة الحوثي، تنتمي إلى المذهب الزيدي الشيعي، ونشأت عام 1992 على يد حسين بدر الحوثي، الذي قتلته القوات الحكومية منتصف عام 2004.

ويقول مسؤولون حكوميون إن الحوثيين الذين يشتبكون مع القوات النظامية من آن إلى آخر منذ عام 2004 يحاولون إحكام قبضتهم على الشمال قبل انتخابات العام المقبل في الوقت الذي يدرس فيه اليمن الانتقال إلى نظام يمنح قدرا أكبر من الحكم الذاتي لمناطقه المختلفة.

لكن الحوثيين المسلحين ما زالوا يسيطرون على الطرق إلى مدينة عمران ويسيرون دوريات في شوارعها، في المقابل يزعم هؤلاء أن توسّعهم ذو دافع محلّي، ويقولون إن اليمنيين يرحبون بهم بسبب معارضتهم للنظام القديم، بما في ذلك آل صالح وعلي محسن، والإصلاح وآل الأحمر. ويزعمون أن “أعداءهم مصممون على استعمال العنف لوقف الانتشار السلمي لأفكارهم”، وبالتالي يصرّون على الاحتفاظ بأسلحتهم، على الأقل في الوقت الراهن، “لمنع دولة يسيطر عليها أعداؤهم”.

طفلة تتأمل رسما يجسد النزاع الحاصل ومحاولات أطراف لاقتسام اليمن


رمانة الميزان الشيعي السني


يُبرز خصوم الحوثيين التناقض الصارخ بين خطابهم الشامل والتكتيكات القمعية التي غالبا ما يلجؤون إليها. ويسعى الحوثيون من خلال تمسّكهم بالتقدّم نحو العاصمة اليمنية صنعاء، واستعمالهم لقوة السلاح واستغلال الفوضى لعرقلة العملية الانتقالية، إلى إعادة تأسيس دولة دينية شبيهة بدولة الإمامة الزيدية التي كانت قائمة في اليمن في الماضي. ويذهب بعض الخبراء إلى أبعد من ذلك، مشيرين إلى أن الحوثيين ابتعدوا عن جذورهم الزيدية وتوجهوا أكثر نحو الشيعة الاثني عشرية – التي يتبناها شيعة إيران – وما يقومون به في اليمن اليوم يندرج ضمن أجندة إيرانية وتدخل في سياق الصراع الإقليمي بين الرياض وطهران خاصة وأن اليمن يمثّل رمانة الميزان الشيعي السني في تلك المنطقة.

وكان الشيخ صغير عزيز، أحد مشايخ حرف سفيان بمحافظة عمران اليمنية، اتهم في لقاء مع صحيفة “عكاظ” السعودية إيران بالاستمرار في دعم الحوثي، معتبرا أن عدم توقف الحوثي في تنفيذ مخططه يعود إلى وجود دعم إيراني قوي يغذي مخطط اتخريبيا يستهدف التسوية السياسية والعملية الانتقالية في البلاد.

مع تنامي المكاسب التي حقّقها الحوثيون، فإن طيفا واسعا من اليمنيين باتوا يعبّرون عن مخاوف متزايدة ويطالبونهم بالتخلي الفوري عن أسلحتهم وتشكيل حزب سياسي كدليل على جديتهم حيال المنافسة السلمية.

وتحذر مجموعة الأزمات الدولية من أن الوضع في اليمن يحمل بذور انفجار، في ظل وجود مخاطر من انجرار حكومة عبد ربه منصور هادي إلى صراع لا تستطيع تحقيق نصر عسكري فيه، خصوصا في الوقت الذي تقاتل فيه الفرع الأقوى للقاعدة، وهو تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية.

انتفاضة عام 2011 ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح غيّرت الحراك السياسي في البلاد، ودفعت الحوثيين إلى المسرح السياسي

كما أن الانفصاليين الجنوبيين يراقبون التطورات في الشمال بشكل وثيق، وإذا انخرط الجيش في معركة هناك، فإنهم قد يغتنمون الفرصة لمحاولة فرض الانفصال والعودة إلى وضع ما قبل حرب الانفصال اليمنية سنة 1994.

وتذهب الدراسة بالقول إن الاتفاقات الناجمة عن مؤتمر الحوار الوطني قد تكون نقطة بداية مفيدة، إلاّ أنها لا تستطيع وقف العنف المتنامي. لم تؤدِ مخرجات الحوار إلى توافق واضح حول القضايا المسببة للقتال، مثل تقاسم السلطة وتقسيم البلاد إلى ست مناطق اتحادية، حيث أن بعض البنود، مثل نزع سلاح المجموعات المسلحة من غير الدولة، غامضة بشكل خطير، وتفتقر إلى جداول زمنية وآليات تنفيذ.

7