الحوثيون عند مضيق باب المندب.. محاولة لخنق مصر من الجنوب

الجمعة 2015/01/23
اقتراب الحوثيين من مضيق باب المندب خطر على حركة الملاحة الدولية عبر قناة السويس

القاهرة- تواصل صحيفة “العرب” متابعة الأحداث المتسارعة التي تجري في اليمن حاليا، والتي فتحت الباب على مصراعيه، للحديث عن مخاطر شديدة على الأمن القومي العربي. وبعد تسليط الضوء على تاريخ الحوثيين ونشأتهم (“العرب”، العدد: 9805، ص7)، استطلعت “العرب” آراء خبراء سياسيين وعسكريين ودبلوماسيين حول حقيقة ما يجري، بالقرب من السواحل اليمنية، ودرجة تأثيره على المصالح المصرية، وحدود قدرات إيران والحوثيين للسيطرة على باب المندب.

محللون كثيرون، في القاهرة، اعتبروا سهولة دخول الحوثيين صنعاء وما حولها وإحساسهم بالانتشاء والنصر، يدفعهم إلى مزيد من التقدم نحو الجنوب، طمعا في أن يصبح مدخل البحر الأحمر في أيديهم، ومن خلاله يمكن السيطرة على حركة التجارة، بما ينعكس سلبا على حركة الملاحة في قناة السويس، الأمر الذي يعتبر مساسا بالأمن القومي المصري.

علامات استفهام عديدة فجّرها التقدّم المفاجئ والمريب للحوثيين في اليمن، وازدادت التساؤلات حيرة، عقب ظهور تلميحات رسمية إيرانية تؤكد العلاقة مع الحوثيين، وأن تنظيمهم “أنصار الله” هو المرادف لتنظيم “حزب الله” في لبنان، بمعنى آخر أن طهران ترمي إلى السيطرة على أكبر قدر من المضايق العربية، للتحكم في حركة التجارة العالمية، فهل هذه حقيقة قابلة للتنفيذ، أم واحدة من الأوهام التي تطمح طهران لتحويلها إلى واقع ملموس؟

حمزة الكمالي، عضو مؤتمر الحوار الوطني اليمني وصف في تصريحات خاصة لـ”العرب”، الوضع اليمني بالخطير والصعب متهما الرئيس السابق علي عبدالله صالح بالتواطؤ مع الحوثيين، مشيرا إلى أن جماعة الإخوان وقفت على الحياد السلبي تجاه الأزمة للتخلص من الرئيس هادي منصور، الذي سبق وتحالف مع الحوثيين من أجل القضاء على حزب الإصلاح الشعبي، الذراع السياسية لإخوان اليمن.

ودعا الناشط اليمني إلى تحرك دبلوماسي عربي تقوده مصر والسعودية لإنقاذ اليمن مما أسماه بـ”السيطرة الإيرانية” في ظل ضعف الحكومة عن مواجهة الحوثيين.

محمد مجاهد الزيات، رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط (سابقا) أكد لـ”العرب”، صعوبة حدوث تدخّل عسكري عربي أو غربي في اليمن لمواجهة الحوثيين، منوها إلى أن رد الفعل الدولي تجاه ما يحدث لا يزال ضعيفا، فمجلس الأمن موقفه باهت، وواشنطن تدير الأزمة بقدر من اللامبالاة والسلبية، وصلت إلى حد اتهامها بالتواطؤ، محذرا من أن سقوط اليمن سوف يزيد النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما يرفع حجم المخاطر التي تحيط بالوطن العربي.

باب المندب وقناة السويس شريان الملاحة العالمية
مضيق باب المندب، ممر مائي يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب. وقد ظلت أهمية باب المندب محدودة حتى افتتاح قناة السويس 1869 وربط البحر الأحمر وما يليه بالبحر المتوسط وعالمه.

فتحول إلى واحد من أهم ممرات النقل والمعابر على الطريق البحرية بين بلدان أوروبية والبحر المتوسط، وعالم المحيط الهندي وشرقي أفريقيا.

ومما زاد في أهمية الممر، أن عرض قناة عبور السفن، وتقع بين جزيرة بريم والبر الأفريقي، هو 16كم وعمقها ما بين 100 و200م، مما يسمح لشتى السفن وناقلات النفط بعبور الممر بيسر على محورين متعاكسين متباعدين.

وازدادت أهمية الممر بوصفه واحدا من أهم الممرات البحرية في العالم، مع ازدياد أهمية نفط الخليج العربي. ويقدر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر من خلاله في الاتجاهين، بأكثر من 21000 قطعة بحرية سنويا (57 قطعة يوميا).

وتبقى أهمية باب المندب مرتبطة ببقاء قناة السويس أولا وممر هرمز ثانيا، مفتوحين للملاحة، أمام ناقلات النفط خاصة. وتهديد هذين الممرين أو قناة السويس وحدها يحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

وكانت القوات البحرية المصرية نفذت، خلال حرب أكتوبر 1973، حصارا بحريا على إسرائيل عن طريق إغلاق مضيق باب المندب في وجه الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر حيث كانت إسرائيل تستورد من إيران نحو 18 مليون طن من النفط عبر مضيق باب المندب إلى ميناء إيلات لاستخدام جزء من النفط ثم تعيد تصدير الجزء الأكبر إلى أوروبا.

وخلال فترة الحصار لم تدخل ناقلة نفط واحدة إلى خليج العقبة حتى 1 نوفمبر 1973 حينما سمح السادات بدخول أول ناقلة نفط إسرائيلية مقابل إيصال الإمدادات إلى الجيش المصري الثالث المحاصر في شرق قناة السويس.

في حين طالب نبيل فؤاد، مساعد وزير الدفاع المصري (سابقا)، بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك بشكل جاد وقوي، لمواجهة المخاطر الناتجة عن تدهور الأوضاع في اليمن وليبيا. وقال فؤاد لـ”العرب” إن الحديث عن تشكيل قوّات عربية لمواجهة الإرهاب لن يجدي نفعا في ظل الأوضاع الحالية ، مشددا على أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك، هي الحل لإعادة الاستقرار بالمنطقة.


صمت دولي مريب


التقدم نحو الجنوب فتح المجال لتكهنات كثيرة، جميعها يصب في اتجاه عدم استبعاد مضايقة مصر، في خاصرتها الجنوبية. لكن قائد القوات البحرية المصرية، الفريق أسامة الجندي، قال مؤخّرا، في تصريحات له على هامش مناورة “ذات الصواري”، إن مصر “تتابع الموقف في اليمن يوميا وتأثيره على مضيق باب المندب”.

وأضاف أن “أي خطورة على الأمن القومي المصري سيتم التعامل معها طبقا للموقف”، مشددا على “جاهزية القوات البحرية لحماية المياه الإقليمية والمصالح الاقتصادية والسواحل المصرية في جميع الاتجاهات”.

وكانت “العرب” نقلت عن مصادر مصرية مطّلعة أن القوات المسلّحة، عمدت في الآونة الأخيرة إلى تعظيم قدراتها البحرية للإبقاء على مصر كأكبر قوة بحرية في منطقة الشرق الأوسط، عبر إدخال عدد من القطع العسكرية البحرية إلى أسطولها.

وأوضحت مصادر مصرية لـ”العرب” أن ما يجري عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، لا يزال في طور المناوشات، أو بمعنى أدق جس النبض، غرضه قياس رد الفعل المصري والسعودي، واختبار لمدى صلابة موقف بعض القوى الدولية. (“العرب”، العدد: 9803، ص7).

من جانبه، قال حسن أبو طالب، الخبير في الشؤون اليمنية والمستشار بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إن تأثير الحوثيين على قناة السويس وباب المندب يتوقف على موقف القوى الدولية من هذا الموضوع، فإذا كان هناك صمت دولي على ما تفعله إيران بالمنطقة، سوف يكون هناك تأثير بالفعل وسيطمع الحوثيون في السيطرة على عدد من الأماكن الحيوية.

وأضاف أبو طالب: حتى هذه اللحظة المؤشّرات تؤكد أن قدرة الحوثيين على السيطرة على باب المندب تتراجع، وأن هناك حركة محلية يمنية في المناطق الساحلية ومنها منطقة “الحديدة” التي تقع على هذا المضيق تدفعهم إلى الخروج من هذه المناطق، بالإضافة إلى وجود الفرقة الرابعة التي يشهد لها بالكفاءة، من ضباط الجيش، ويقودها أحد الضباط يسمي أحمد المصيلحي، قام بتأمين المجرى الملاحي والشواطئ الجنوبية، التي تؤثر على سير الملاحة في باب المندب.

وأكد أبو طالب أن هناك صعوبات في التمدد الحوثي داخل اليمن، فعددهم قليل وقدرتهم على السيطرة صعبة للغاية، موضحا أن تحرك القيادة المصرية والسعودية في هذا الصدد، جاء كرسالة للحوثيين وحليفتهم إيران، لذلك بدت تصريحات قادة الجيش المصري ومسؤولين في السعودية قوية وحاسمة، مشيرا إلى أن حرية الملاحة مسألة دولية تحكمها القوانين الدولية.

وقال الخبير في الشؤون اليمنية إذا كانت هناك مغامرة حوثية في هذا الموضوع، سوف يكون هناك رد دولي، ومصر والسعودية جزء من هذا التحرك الدولي، مشيرا إلى إمكانية تعاون القاهرة والرياض، وهناك اتصالات حدثت بالفعل في هذا المجال.

لكن السياسة المصرية قائمة على فكرة عدم صنع مواقف حادة ما لم تكن هناك تهديدات مباشرة، وطالما توجد قواعد دولية لمواجهة مثل هذه التطورات فلا داعي للتصعيد مع دول الجوار.

علي محسن حميد، السفير اليمني السابق، أوضح لـ”العرب” أن الحوثيين ليسوا في حالة صراع أو حرب مع مصر، حتى يكون هناك أساس لذلك التخوف، كما أنهم لن يستولوا على السلطة في اليمن مهما كان الحال، وسوف تظل الحكومة ائتلافية وتوافقية، وللحوثيين دور في هذه المنظومة.

حسن أبو طالب: تحرك القيادة المصرية والسعودية يأتي كرسالة للحوثيين وحليفتهم إيران

وأضاف أن الشعب اليمني أو الحكومة اليمنية لن يسمحا لهم بالسيطرة على مضيق باب المندب، مقللا من أهمية المخاوف التي تثار في هذا الصدد.

وأضاف محسن حميد لـ”العرب” أن ردود أفعال قادة الجيش المصري وتصريحاتهم في هذا الصدد جاءت كرد فعل على التوقعات، التي أثارت هذا التخوف لبعث رسالة تطمين للشعب المصري، مؤكدا أن الحوثيين لا يملكون قوة بحرية للسيطرة على المضايق البحرية، بينما القوة البحرية في اليمن لا توجد إلا مع الدولة، ولن يسمح للحوثيين بذلك، لأنه ممر مائي تحت سيطرة الدولة، وعليها حمايته لمصالحها ومصالح الجيران، ولن تفرط الدولة في ذلك.

وتابع السفير السابق أن اليمن لن يسمح بسيطرة إيران على هذا الممر المائي المهم، مشيرا إلى أن السعودية وعمان أقرب إلى باب المندب من طهران، وهناك أساطيل أجنبية تجوب البحر الأحمر يوميا، لن تسمح لهم بذلك، وإذا كانت إيران تفكّر في السيطرة على باب المندب ومضيق هرمز لإزعاج دول الخليج، فإن هذا حلم بعيد المنال، وأوهام ليس لها أساس من الصحة، منوها إلى أن معركة الحوثيين في الداخل وليس في البحر.

وقال علي محسن حميد إن باب المندب منطقة شمالية جنوبية وليست شمالية فقط، فهناك “الحراك الجنوبي” الذي يطالب بالاستقلال. كما أن الجنوبيين لن يسمحموا لهم بذلك والمسألة ليست بهذه السهولة، مؤكدا أن ما يتم الحديث عنه هو بمثابة سراب، وأن التحرك ورد الفعل، إذا حدث ذلك، سيكون من اليمن نفسه، لأنه الأولى بالحفاظ على سيادته ومصالحه، قبل السعودية أو مصر.

لكن إذا ثبت وجود أطراف أخرى تحرّك الحوثيين من خارج اليمن (مثل إيران) وأصبح الأمر بالخطورة المتوقعة فسيكون من حق اليمن أن يطلب مساعدة مصرية أو سعودية أو من أي دولة أخرى، وغير مستبعد حدوث تدخل إقليمي ودولي في حالة وجود خطر حقيقي، وإذا شعر العالم به، فلن يتردد في الذهاب إلى البحر الأحمر.


أهمية عالمية

* 30 % من النفط العالمي يمر عبر مضيق باب المندب

* 193 كم طول ممر قناة السويس التي تربط بين بورسعيد على البحر المتوسط والسويس على البحر الأحمر

* 30 كم المسافة بين ضفتي مضيق باب المندب الذي يصل بين الأحمر والمحيط الهندي عبر قناة السويس

* 4 دول تحيط بمضيق باب المندب: اليمن وجيبوتي والصومال وأريتريا


ظلّت أهمية مضيق باب المندب محدودة حتى افتتاح قناة السويس عام 1869، وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط وعالمه، فتحول إلى أحد أهم ممرات النقل والمعابر، ويسمح مضيق باب المندب لشتى السفن وناقلات النفط بعبور الممر بيسر على محورين متعاكسين ومتباعدين، وازدادت أهميته بوصفه واحدا من أهم الممرّات البحرية في العالم، مع ارتفاع أهمية نفط الخليج العربي، ويقدر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر من خلاله في الاتجاهين، بأكثر من 21 ألف قطعة بحرية سنويا.

لليمن أفضلية استراتيجية في السيطرة على الممر لامتلاكه جزيرة بريم، إلا أن القوى الكبرى عملت على إقامة قواعد عسكرية قربه وحوله وذلك لأهميته العالمية في التجارة والنقل، كما سعت الأمم المتحدة في عام 1982 إلى تنظيم موضوع الممرات المائية الدولية ودخلت اتفاقيتها المعروفة “باتفاقية جامايكا” حيز التنفيذ في شهر نوفمبر من عام 1994.

تبقى أهمية باب المندب مرتبطة بقناة السويس أولا، وممر هرمز ثانيا، واستمرار فتحهما أمام الملاحة العالمية، وناقلات النفط خاصة، وتهديد الممرين، أو قناة السويس وحدها، يحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني زيادة تكاليف النقل، بما يوازى حوالي ثلاثة أضعاف.

في هذا السياق، شكّك محمد علي بلال، الخبير العسكري، وقائد الجيش المصري في حرب عاصفة الصحراء، في قدرة الحوثيين على تهديد الأمن القومي لمصر، لأنهم متواجدون في اليمن الشمالي، بينما الجزء الأهم في مضيق باب المندب في الجنوب، وهناك مطالبات بانفصال الجنوب عن الشمال الآن، منوها إلى وجود قواعد جوية أجنبية في اليمن تقلع منها الطائرات الأميركية دون طيار لمحاربة تنظيم القاعدة، بالتالي فالخطورة من سيطرة واشنطن على الجنوب وعلى باب المندب، لا تقل عن الخوف من سيطرة إيران والحوثيين.

أضاف بلال أن مسألة دعم حزب الله وإيران للحوثيين مسألة مهمة، لكن غير مؤثرة في الوقت الراهن على الأقل، بسبب بعد المسافة وعدم وجود حدود مشتركة، كما أن دعم حزب الله مرتبط بمدى نجاح النظام السوري في حسم معركته، وإذا فشل الحزب وإيران في سوريا سوف تكون هناك صعوبة في مواصلة دعم الحوثيين.

وأكد علي بلال أن اهتمام القيادة المصرية حاليا، يأتي نتيجة لما يتم طرحه من تكهنات، ولابد من رد القيادات على مثل هذه الطروحات، لافتا إلى خطورة انفصال الجنوب عن الشمال، مؤكدا وجود تحالف مصري سعودي يمني، من خلال تقديم المعلومات من الجانب المصري إلى السعودية واليمن، لكن دون تدخّل مباشر، وفي النهاية مضيق باب المندب ممر تحكمه القواعد الدولية، وإذا حاول أحد اللعب في هذا المضيق فسوف تكون هناك تدخلات جماعية من دول عدة.

7