الحوكمة الرشيدة طريق الدول لتحقيق الديمقراطية

الأربعاء 2016/09/28
رئيس البرلمان التونسي: الحوار أنقذ البلاد من الفوضى وبذور الفشل

تونس – شهدت البلدان العربية في السنوات الأخيرة تقلبّات سياسية عميقة أفضت إلى نتائج متفاوتة، ففي تونس ومصر تم الشروع في إصلاحات سياسية في محالة لبناء أسس الديمقراطية، بينما اندلعت أزمات مطوّلة في ليبيا واليمن وسوريا. ولئن كانت هذه التباينات المترتبة عن التحوّلات نشأت بسبب اختلافات تاريخية وسياقية، إلا أنه لا يمكن تغييب دور العوامل المؤسسية التي من شأنها تيسير أو إعاقة التحوّلات السلمية.

وقد سلط الضوء على أهمية هذه المؤسسات الدستورية ودورها في ترسيخ الحوكمة الشاملة والانتقال السياسي السليم ملتقى انعقد يومي 26 و27 سبتمبر في تونس، حمل عنوان “دور المجالس النيابية في تحقيق التماسك الاجتماعي وفي التحولات السياسية السلمية في الدول العربية”.

جمع المنتدى وفودا برلمانية من دول المنطقة العربية وأكاديميين وخبراء من مؤسسات الفكر والرأي، الى جانب ممثلين لوكالات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والجهات المانحة العاملة في المنطقة العربية وغيرها، اتفقوا على أن المؤسسات والهيئات الدستورية والبرلمانية لا تتواجد فقط في قلب الفترات الانتقالية السياسية، ولكنها تأخذ موقعها كهيئات سبّاقة في مجال الحوكمة المسؤولة.

وقد ثـبـت اليوم وجود ارتباط بين نوعية الحوكمة والانسجام الاجتماعي، فمن جهة لا يمكن للمؤسسات التمثيلية أن تعمل بطريقة فعلية ومسؤولة في غياب الانسجام الاجتماعي، ومن ناحية أخرى الانسجام الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق دون حوكمة تمثيلية ومسؤولة.

ويعتبر البرلمان ميزة أساسية للنظام الديمقراطي، وقد ولد الشكل الحديث من البرلمان في أوروبا القروسطية كوسيلة للحد من سلطة الملك، لكن اليوم أصبحت البرلمانات تتجاوز مجرد كونها حلاّ لوجستيا لكون أغلب الدول مترامية الأطراف ولا يمكن حكمها عن طريق الديمقراطية المباشرة. وبوصفه وسيطا بين النظام والمواطنين، تتمثل مهمة البرلمان في تقييد سلطة الفرع التشريعي لمصلحة الشعب، وتتضمن أهم مهامه تاريخيا في سن القوانين وضمان قابلية الحكومة للمساءلة والمصادقة على ميزانية الدولة.

غياب التماسك الاجتماعي يعد من الأسباب الجوهرية للانتفاضات والتحولات التي شهدتها المنطقة العربية

ولا تملك كل المجالس التشريعية الدرجة نفسها من السيطرة حتى في الأنظمة الديمقراطية ففي أنظمة الحكم البرلمانية يتم تعيين الجهاز التنفيذي من قبل البرلمانات، بينما في النظام الرئاسي أو الشبه رئاسي لدى البرلمانات سلطة محدودة في تعيين الوزراء بالرغم من أنها قد تراقب البعض من نشاطات الجهاز التنفيذي (مثلا الميزانية). ومن ثم تخدم البرلمانات غايات متنوعة وتختلف في ما يتعلق بالتمثيلية وتمارس مستويات مختلفة من التحكم حسب السياق الوطني.

وتبرز الفترات الانتقالية الجارية في المنطقة صلة النشاطات الموجهة لتطوير فهم أفضل للشروط والمسارات القائمة على تعزيز التحولات الديمقراطية والشاملة ودعم دور المؤسسات الدستورية والهيئات البرلمانية، ولا سيّما بالاعتماد على إنتاج المعارف والأدوات ووضعها تحت تصرف الحكومات والفاعلين الديمقراطيين في المنطقة.

وتتمثل صعوبة بناء نظام سياسي شامل للجميع في الانطلاق من وضع يشهد انسجاما اجتماعيا محدودا ونقصا في المؤسسات التمثيلية والمسؤولة، للوصول إلى وضع تكون فيه المؤسسات قادرة على الاستجابة وتضمن بيئة مشجعة للانسجام الاجتماعي الذي يقوم بدوره بتعزيز المؤسسات الديمقراطية.

وقد تحدّث عن التجربة التونسية، التي تعتبر الأفضل بين تجارب الربيع العربي، رغم بعض المؤاخذات على سياسة الحكومات التي تعاقبت على البلاد منذ 2011، وأدوار نواب البرلمان، محمد الناصر، رئيس مجلس نواب الشعب، الذي قال إن المرحلة الانتقالية في تونس لا تزال متواصلة.

وشدّد رئيس البرلمان التونسي على أهمية الدور الذي قام به المجلس الوطني التأسيسي ثم مجلس نواب الشعب في الحد من المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تهدد البلاد. ودعا، انطلاقا من هذه التجربة، إلى ضرورة اجتناب انزلاق البرلمانات خلال فترات الانتقال السياسي نحو الصراعات الحزبية الضيقة، مؤكدا أن المهمة الأولى للبرلمانات هي أن تكون مخابر لصناعة المستقبل الوطني المشترك عبر النقاش الحر والتبادل والتعديل.

وجاءت كلمة محمد الناصر في سياق الحديث عن لماذا تختلف التحولات السياسية بين بلدان مثل تونس وسوريا وليبيا واليمن؟ وما هي الدروس المستفادة من تجارب البلدان التي دخلت في مسار انتقال ديمقراطي؟؛ ولماذا أدت هذه التحولات إلى العنف في ليبيا واليمن وسوريا؟، مشيرا إلى أن “مكامن الاختلاف تتمثل في الخصوصيات التاريخية ودرجة انسجام المجتمعات وتجانسها المذهبي واللغوي ومدى حيوية وتناغم قواها الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمكونة لمجتمعها المدني”، مع التأكيد على “ضرورة تفادي هيمنة الأيديولوجيات والشعارات العامة”، التي تعتبر السبب الرئيسي، في انحدار البعض من بلدان الربيع العربي نحو العنف.

وتحدّث الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتونس جان رافييل جيولياني، مؤكدا على أن التقارير الخمسة التي صدرت خلال السنوات الأخيرة ورصدت مؤشرات التنمية في المنطقة العربية تتحدث عن علاقة متينة بين الاستقرار الاجتماعي والتنمية. وأشار إلى أن تلك التقارير كشفت هشاشة الأوضاع في بعض البلدان العربية التي شهدت في ما بعد تلك الاضطرابات، مؤكدا على أهمية الحوكمة الرشيدة في تحقيق التنمية.

وخلص المشاركون في الملتقى إلى أن الانتقال السياسي السلمي والناجح إلى دولة المشاركة والتمثيل الديمقراطي لمختلف فئات المجتمع، يستوجب مؤسسات برلمانية ودستورية منحازة للعمل على أساس عقد اجتماعي يجسّد دولة القانون والديمقراطية، حيث أكّد الكبير مدرهري علوي، نائب ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تونس، أن “غياب التماسك الاجتماعي يعد من الأسباب الجوهرية للانتفاضات والتحولات التي شهدتها المنطقة العربية منذ مطلع سنة 2011″. وشدّد على أهمية إرساء الحكم الرشيد وعلى جوهرية تمثيلية المواطن العربي في المجالس البرلمانية والتي اعتبرها “مفترق الطرق بين المواطنين ومؤسسات الدولة ومكونات المجتمع المدني في الدول العربية”.

7