الحياء المشترك

الخميس 2017/08/10

تستوقفنا من سيرة جورج أورويل فكرة الحياء المشترك، حجر الزاوية الذي بنى عليه رؤيته السياسية، فهو، وإن كان اشتراكيا، لم ينسق وراء الماركسية اللينينية التي اعتنقها الكثير من المثقفين في عصره، إذ لم يتبنّ مثلهم فكرة توعية المسحوقين كي يخوضوا صراعا طبقيا ضد الرأسمالية والبرجوازية والأرستقراطية، بل كان يثق في نمط عيش البسطاء، مستلهما منهم قيما أصيلة تميز بالفطرة بين ما يجوز وما لا يجوز، ويرى أنهم أفضل من النخب التقليدية الحاكمة، ومن المثقفين الذين يعطون الدروس وهم أبعد ما يكونون عن الواقع الملموس، معتكفون في محاريب الأفكار النظرية المجردة.

ذلك الحياء المشترك في رأيه ليس فطريا فحسب وإنما هو أيضا وليد الظروف الاجتماعية التي تردّت من جرّاء عصر التقنية والرأسمالية المنتصرة والتوتاليتارية، أي أن العاقل، حتى في خضم الظروف المعيشية الصعبة، يظل يميز بين ما يمكن أن يسمح به لنفسه وما لا يسمح، بين المشروع والمحظور أخلاقيا، دون أن يكون ذلك مدرجا ضمن قوانين وأحكام.

وإذا كان مفهوم الحياء المشترك غالبا ما يتبدى لدى أورويل في شكل سلبي، إذ عادة ما يقوم عنده كتذكرة لما لا ينبغي على الإنسان فعله، ومن النادر أن يشير إلى ما يستوجب عليه القيام به، فإن مدونتنا العربية، الثقافية منها والدينية، تحفل بالحض على التزام الحياء، حتى عندما يكون المرء عرضة لمرذول القول أو مذموم الأفعال.

وكانت العرب تقول “من مكارم الأخلاق صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، وحفظ الذّمام للجار، والصديق، وإكرام الضيف، ورأسُهُنّ الحياء”.

ذلك أن الحياء، كسلوك ناتج عن معرفة الإنسان بنفسه، وشروط العيش داخل مجتمع له عاداته وتقاليده وقوانينه، ومبدأ في احترام المعايير الأخلاقية في الهيئة والسيرة والأقوال، ليس مسألة عارضة، نعدل عنها عند الحاجة، كما أوهم ذلك الوزير التونسي حينما زعم، في ردّه على نائبة متشنّجة، أن قلة الحياء في متناول كل الناس، بما يوحي أنه مستعد هو أيضا للنزول إلى حلبة تبادل الشتائم، بل إن الحياء من صميم السلوك الحضاري، ولا بدّ لمن يتحلى به أن يربأ بنفسه عن التماهي مع من لا يستحي. فمن استحى لا يقبل أن يراه الناس على غير ما يسرّ، ولا أن يسمَعوا منه ما يكرهون.

يقولُ الشاعر العباسي أبوالعبّاس الناشئ “إذا بُلِيتُ بِجــــاهلٍ مُتعنّتٍ/ يَجدُ المُحالَ من الأمور صوابَــــا/ أوليْتُهُ منّي السكوتَ وربّما/ كان السّكوتُ على الجوابِ جَوابَا”.

كاتب تونسي

15