الحياة الخاصة للسياسيين.. جدل بين حريتين

الثلاثاء 2017/11/07
فضول العامة، تهافت الصحافة واستعراضية السياسي

أمر طبيعي أن تكون للشخصيات السياسية جاذبيتها وهي التي تعيش تحت أضواء الشهرة وتمتلك السلطة والفاعلية والقدرة على التأثير، وعليه فإنه من العادي بل من المنطقي أن يعجب الناس ببعض القادة والزعماء ورجال السياسة. إن هذا ليس جديدا بل هو قديم قدم الدوافع التي تجعل الناس بمختلف شرائحهم وفئاتهم يتهافتون عبر التاريخ على معرفة أدق الجزئيات المتعلقة بالنخب السياسية، لكن الذي ليس عاديا هو استفحال هذه الحالة إلى درجة الهوس مما يجعل منها مشكلة متعددة الأبعاد والمضار، تستلزم معالجتها بسن القوانين الجزائية التي من شأنها أن تردع هذا التمادي في انتهاك خصوصيات الشخصيات التي باتت توصف بـ”العامة” كالزعماء والسياسيين والمسؤولين ونجوم الفن والرياضة.

الدوافع كثيرة ومتشابكة، موضوعية وذاتية ومرضية أحيانا، منها مجرد الفضول والتطفل بدواعي التعلق والإعجاب الذي قد يصل إلى حد الهوس كما هو الشأن لدى البسطاء من عامة الناس، ومنها الوصول إلى غايات تسويقية ودعائية تروج لشخصية بعينها لتحط من شأن أخرى كما هو شأن الحملات الانتخابية، وهو في عهدة المؤسسات الإعلامية التي لا بد لها من أن تجتمع عند ضوابط مهنية ومواثيق أخلاقية.

من حق وسائل الإعلام أن تتعرض لحياة رئيس الدولة الخاصة ولكن شريطة الالتزام بمبدأين اثنين على الأقل هما احترام القوانين التي تحمي إلى حد كبير الحياة الشخصية

الهوس بالحياة الخاصة للزعماء والسياسيين يختلف من ثقافة مجتمعية إلى أخرى، ومن نظام سياسي إلى آخر ومن عصر إلى آخر، فمن المعروف أن الشعوب الأنغلوسكسونية أكثر اهتماما وفضولا بمعرفة حياة ساستها من الشعوب الفرنكفونية نظرا لطبيعتها المحافظة، لكن هذا الأمر لم يعد قاعدة وربما خف وتراجع عند البريطانيين والأميركيين وازداد عند الفرنسيين الذين عرف عنهم بعض تسامحهم ولامبالاتهم بهفوات سياسييهم وعثراتهم الشخصية.

كثرة الاهتمام بالحياة الخاصة للسياسيين تنشط وتزدهر في إعلام الأنظمة الديمقراطية وتتقلص وتتراجع في النظم الشمولية ذات السياسة الموجهة إلا ما أريد لها من طرف أجهزة المخابرات أن تتطرق إليه في تمجيد فكرة الزعيم لديها كما هو الحال في نظام كوريا الشمالية مثلا وغيره من الدكتاتوريات التي يختار لها الحاكم ما يريد إبرازه عن نفسه في حياته الأسرية على اعتباره الأب الراعي للفرد والدولة والمجتمع.

طريقة الاقتراب من حياة السياسي والمواضيع التي يتم تناولها، لم تعد نفسها على امتداد التاريخ، فالحياة الخاصة بالإمبراطور الروماني كاليغولا، مثلا، ليست نفسها الحياة الخاصة بنابليون، ولا بشارل ديغول أو وينستون تشرشل، وصولا إلى ماي، وميركل، وماكرون وبرلسكوني وترامب وغيرهم في العصر الحاضر.

العرب اقتربوا وابتعدوا عن حياة حكامهم بقدر ما تمليه الضوابط وتسمح به هوامش الحرية، ففي المنتصف الأول من القرن الماضي، تسلّقت الصحافة المصريّة أسوار القصر الملكي ونشرت ملفّات الفساد وهاجمت الخديوي فاروق في شخصه، بل إنّ بعض الأقلام قد ذهبت أبعد من ذلك فتسلّلت إلى غرف نومه، فتحت أدراج خزائنه الخاصة، كشفت حبال غسيله ولامست تفاصيل حريمه السياسي ومطبخه الحكومي. حدث كلّ هذا أمام أعين الملك الذي قيل إنه ألقى بـ”الجورنال”جانبا وسأل رئيس حكومته النحّاس باشا آنذاك عمّا يمكن فعله إزاء هذا التطاول، فأجابه بكلّ وضوح وبرودة وثقة: تشتكيهم إلى القضاء يا جلالة الملك، ليس لك إلا القضاء.

الآن اتسعت نسبيا هوامش النقد والتعبير في العالم العربي، لكن الذي حصل هو نزوع الصحافة في غالبية البلدان العربية نحو التشهير والتجريح وتصفية الحسابات والاستقواء بجهات مشبوهة، مما يجعل السلطات تجد ارتباكا في التعامل مع الموضوع بين مقولتي “الباب اللي يجيك منه الريح سدّه واستريح” و”اللي يعوي معاك أحسن من اللي يعوي ضدك”.

الحياة الخاصة -وخصوصا الغريب والشاذ منها- لدى المشاهير من الحكام والسياسيين، مادة مسلية في الشرق والغرب، فهي تأخذ جانبا انتقاميا في البلاد التي تغيب فيها الحريات، وصيد ثمين للصحافة الصفراء، ودعاية انتخابية للحكام، وتسلية وإلهاء للفضوليين والعامة والبسطاء.

اقتراب في حدود التقدير والاحترام

السياسي ليس موظفا خلف ربطة عنق

كيف نفسر استقالة وانسحاب السياسيين في الدول الديمقراطية لمجرد التورط في قضية أو حتى هفوة ذات صفة أخلاقية قبل أن تكون مهنية، ومهما كان صغر حجمها وفق معايير وأعراف وقوانين البلد؟

كيف لي أن أصدّق من يكذب على زوجته أو يسيء معاملة قطته أو يتحرش بموظفته، أليس مثل هذا الشخص بقادر على خداع شعبه؟ وكيف للشعب أن يعلم بذلك دون أن يكون له الحق في الاطلاع على الحياة الشخصية لمن منحه الثقة؟

متى يفهم السياسي أنه، منذ أن قرر دخوله الحياة العامة، لم يعد شخصا يعيش لنفسه، “يأكل الطعام ويمشي في الأسواق”، ذلك أنّ مجرد خوضه المعترك السياسي يجبره على كشف جميع فواتيره وتقديم سيرته الذاتية بالتفصيل، والتصريح على ممتلكاته. وهي أمور لا تجبر بالضرورة المواطن العادي، ولا حتى السياسي الذي علق نشاطه أو انسحب من الساحة.

معرفة الجوانب الخاصة للسياسي تكاد تكون واجبا وحقا من حقوق الفرد الذي انتخبه أو رضي به حاكما في الأنظمة الديمقراطية، إذ كيف لي أن أقبل بحاكم لا أعرف عنه شيئا ولا يتجرأ أحد على الاقتراب من سور حديقة منزله ويجهل شعبه طريقته في العيش والتعامل مع أفراد أسرته ومحيطه وجوانب كثيرة أخرى من هذه الحياة التي يفترض أن يتشاركها معه؟

المجتمعات الديمقراطية تفترض كشرط من شروط تحققها أن يعي أهم عنصر فيها وهو السياسي، أن حياته الخاصة هي جزء من حياته العامة، وهذا التداخل قد يصبح محددا في صنع شخصيته السياسية بما يتوافق مع انتظارات الناس الذين يريدون أن يروه متعففا ومتخلقا وجادا وصادقا، وأي زلة مهما كانت بسيطة قد تكلفه مستقبله السياسي بأكمله.

ليس الأمر نداء إلى كسر كل الحواجز وانتهاك الخصوصيات والتفرغ للتلصص على حياة السياسي بكبيرها وصغيرها كما يعتقد الفضوليون، لكنه دعوة إلى الشفافية وإلغاء الجدار السميك الفاصل بين السياسي والشعب، مما يشيع جوا من الثقة والأنس، ويكسر الإحساس بالمسافة والغربة التي بنيت بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي على مر التاريخ.

السياسة -في أنبل وأرقى تعريفاتها- هي مسؤولية الفرد تجاه المجموعة، لما يتطلبه الأمر من نكران للذات وليس ترسيخا لها، والاقتراب من نبض الشارع وهمومه واحتفالاته، فالشعوب بطبعها ميالة إلى الاقتراب من حياة حكامها حتى في محنهم الشخصية وبعيدا عن نزعات الفضول، ففي استفتاء غريب جدا قامت إحدى الصحف الألمانية خلال الفترة الأولى من حكم ميركل بسؤال القراء؛ هل يعتقدون أن أنجيلا سعيدة في حياتها الشخصية أم لا؟

ممارسات أنتجت خطاب الفضيحة الذي يسلي العامة والدهماء ويخلف هتك الأعراض والتسطيح ويشوش على العمل السياسي نفسه ويميعه

فجاءت النتيجة صادمة وهي أن النسبة الأكبر تعتقد أنها غير سعيدة في حياتها، وهذا ما يجعلنا نعيد التفكير في النظر إلى مسألة الاقتراب من شخص السياسي، وننتبه إلى جوانب إنسانية شفافة وحساسة من شأنها أن ترفع معنوياته في المحن كما وقع مع هيلاري كلينتون أثناء قضية مونيكا أو فرنسوا هولاند مع صديقته.

الاهتمام بالحياة الخاصة للسياسيين يؤنسن السياسة أكثر ويؤكد على بعديها الأخلاقي والاجتماعي، ذلك أن الحاكم ليس مجرد موظف لدى الدولة يكمل مهامه ثم يعود إلى أسرته ويؤوي إلى فراشه أو يدير ظهره إلى الكوارث والأحداث الطارئة أثناء إجازته أو عطلته الصيفية، فكم من دمعة سياسي زادت من محبة شعبه له واستعداده لتحمل هفواته، وكم من تصرف أرعن أبعد سياسيين كثيرين -مهما كانت كفاءاتهم- عن شعوبهم وأفقدهم شعبيتهم.

كذلك فإن مرض الأشخاص العاديين يعتبر من صميم الحياة الشخصية، لكن مرض شخصية عمومية قد تكون له آثار على السياسات العامة، فيصبح الإخبار عنه ضرورة مهنية.

الصحافة بمفهومها المهني وفي سياق بحثها الدائم عما يمكن أن يضمن لها الانتشار والربح، أدركت أن الاقتراب من حياة السياسيين هو الضمان الأنسب لاستمراريتها، فالمجلات الفرنسية في الفترة الأخيرة حولت اهتمامها إلى حياة السياسيين، بعد أن اهتدى معظم رؤساء التحرير إلى أن الحياة الخاصة للسياسيين ضامنة للربح والشهرة معا، وهي أهم بكثير من نشر أخبار نجوم الفن، مما استوجب إعادة ترتيب الأولويات عبر فتح نوافذ إضافية تجلب القراء.

وحققت تلك المجلات مبيعات جيدة منذ سنة 2013 عند نشرها صورا إباحية لزوجة الرئيس نيكولا ساركوزي، كارلا بروني. كما شكل إعلان وزيرة العدل السابقة، رشيدة داتي، بأنها حامل وهي في سن الـ42 دون أن تكشف عن اسم والد الجنين، مادة دسمة للصحف والمجلات التي نشرت العشرات من التحقيقات والشائعات والتخمينات.

اقتراب يثير السخرية

السياسي ليس مشاركا في "تلفزيون الواقع"

أغلب السياسيين المعاصرين صنعوا لأنفسهم جمهورا عبر أساليبهم الاستعراضية وطرقهم في تقديم وإخراج خطاباتهم ولقاءاتهم مع جمهور ناخبيهم، حتى صار الواحد منهم يختار مصففي الشعر وخبراء الملابس أكثر من اختياره للمستشارين السياسيين وخبراء الاقتصاد.

تضخم الأنا وتنامي الحديث عن الحميميات خصوصا في مواقع التواصل الاجتماعي، زادا من الطلبات على معرفة حياة السياسيين الخاصة التي مردها أن السياسيين الغربيين أنفسهم يوظفون الأسْرة (الزوجة بشكل أساسي) في التسويق الانتخابي، وهذا من شأنه أن يوسّع أفق انتظار الجمهور الذي بات ينظر إلى سلوكيات الحياة الخاصة كمفسر ولو جزئي لمجريات الحياة العامة.

ويأتي الإعلام ليزيد الطين بلة، ويجد في هذا المشهد مادة دسمة وشهية للماركيتينغ والسبونسرينغ بل إن الإعلام نفسه في أحيان كثيرة انخرط في اللعبة وأصبح طرفا فيها بدل أن يكون سلطة رابعة تكتفي بالتغطية وإيصال المعلومة.

السياسيون صاروا يكثرون من ظهورهم الإعلامي أكثر من أدائهم الحكومي، والوقوف أمام الكاميرات أكثر من الجلوس خلف المكاتب. واختطفوا بذلك الأضواء من نجوم التمثيل حتى صار العمل السياسي آخر اهتماماتهم في خضم طغيان ثقافتي الصورة والإشاعة.

ربما وقع السياسيون ضحايا اللعبة التي صنعوا خيوطها بأيديهم، وصار بإمكان الواحد أن يذكرهم بالقول المأثور “يداك أوكتا وفوك نفخ”، فلقد اقتربت الصحافة منهم أكثر مما يجب ودخلت مطابخهم وغرف نومهم وتلصصت على أكثر تفاصيل حياتهم حميمية فأنتجت خطاب الفضيحة الذي يسلي العامة والدهماء ويخلف هتك الأعراض والتسطيح ويشوش على العمل السياسي نفسه ويميّعه.

من حق وسائل الإعلام أن تتعرض لحياة رئيس الدولة الخاصة ولكن شريطة الالتزام بمبدأين اثنين على الأقل هما احترام القوانين التي تحمي إلى حد كبير الحياة الشخصية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، أي عدم الركض وراء المبيعات عبر منطق الإثارة الرخيصة، فما علاقتي بربطة عنق الرئيس وحذائه وكلبه وفراش نومه غير ما تتضمنه وتحيل إليه النكات الشعبية من سخرية مرة تحاول تجميل الواقع كي نتمكن من قبوله وابتلاعه؟

الاهتمام بالحياة الخاصة للسياسيين يؤنسن السياسة ويؤكد على بعديها الأخلاقي والاجتماعي، ذلك أن الحاكم ليس مجرد موظف لدى الدولة

المشكلة أن رفض التدخل في الشؤون الخاصة للسياسيين أصبح هو نفسه مطاطا وحمال أوجه حيث يوظف في الظرف الذي يخدم ما يناسب صاحبه حتى أن أحد قادة حزب إسلامي في تونس حاول التستر على فضيحة طالت قياديا إسلاميا كان مسؤولا في الحكومة بقوله “تحضرني في هذا السياق واقعة عميقة المغزى حدثت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حيث فاجأ في إحدى الليالي أحد رعاياه وهو يحتسي الخمر في بيته والتي انتهت بشبه محاكمة أدان فيها العاصي أمير المؤمنين حيث قال له إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته أنت يا أمير المؤمنين في ثلاثة: فقد تجسست عليّ، ولم تدخل البيوت من أبوابها، ثم دخلت بغير استئذان، وجميعها ينهانا الله عنها في كتابه الكريم”، ويضيف القيادي الإسلامي الذي رفض الكشف عن اسمه أن الخليفة عمر قد اعتذر للرجل بعد ما سمعه منه.

ثمة قوانين شجعت بدورها على تدخل الصحافة في حياة السياسيين بدافع الحماية الشخصية، فالرئيس الأميركي لا يكاد يملك أيّ حرية. وهو لا يستطيع أن يخرج من البيت الأبيض لتمضية الليل خارجه من دون أن تعلم الصحافة بذلك. فمنذ اغتيال جون كينيدي عام 1963، حصلت جمعية الصحافيين على الحق في البقاء بالقرب من الرئيس، في حال انتقل خارج البيت الأبيض.

الصحافيون المناوبون يغطون كل تحركات الرئيس الخارجية، حتى لو كانت المناسبة خاصة به أو بعائلته. والأميركيون يعتقدون أن معرفة مكان رئيسهم في كل وقت هي جزء من المعلومة التي يحق للمواطن أن يحصل عليها.

وفي تسعينات القرن الماضي، اضطر العديد من وزراء حكومة جون ميجر للاستقالة، في بريطانيا إثر فضيحة جنسية. وكان هناك غياب لكل ما يخص التعرض للحياة الخاصة، لكن الأمور تغيرت في ما بعد، واضطر بوريس جونسون إلى الاستقالة من قيادة الحزب المحافظ، بعد انكشاف علاقته بغير زوجته. لكن ذلك لم يمنعه بعد أربع سنوات من الانطلاق مجدداً في الحياة السياسية، والفوز برئاسة بلدية العاصمة لندن.

تتبع خصوصيات سياسي من أجل التقاط هناته وعثراته ومن ثمّ الحكم على أدائه في ضوء معايير شبه أخلاقية هو نوع من الابتزاز، أو في أدنى القراءات هو نوع من الكسل الفكري حين يركن المحلل السياسي إلى إشاعة أو حادثة ليبني عليها حكمه حول هذه الشخصية أو تلك.

12