الحياة المصرية تسدل الستار على أستوديوهات الأجانب

أستوديوهات بيلا ونظائرها من مراكز التصوير التاريخية باتت مهددة بالفناء، في ظل الاتجاه نحو التصوير الرقمي السريع، اختفى الزبائن عنها وغاب الدعم لإنقاذها.
السبت 2018/08/11
أستوديو بيلا شاهد على 130 عاما من الزمن الفوتوغرافي

يلعب التصوير الفوتوغرافي دورا مهما في حفظ ذاكرة الأمم، وسجلت كاميرات الأجانب في مصر أقدم الصور وأكثرها قيمة فنية، ومن خلالها يمكن الاطلاع على ذكريات هامة وتحوّلات زمنية متشعبة في مصر والمنطقة العربية، لكن الأستوديوهات التاريخية باتت مهددة بالانقراض، ما لم يتم الالتفات سريعا إلى قيمتها الفنية والمجتمعية.

القاهرة- يتعامل قطاع كبير من المصريين مع أستوديوهات التصوير الكلاسيكية، على أنها أرشيف حي لحياة الناس، تحكي التاريخ وقصات الشعر وموضة الملابس، وبعضها يقدّم سجلا كاملا لتطور عائلات تتابع نموها من شخصين في صورة زفاف إلى أخرى تضم الأبناء والأحفاد، وأبناء الأحفاد أحيانا.

ومع دخول أحد هذه الأستوديوهات تشعر أن آلة الزمن توقفت؛ ديكور لا يعتمد على الخلفيات المصطنعة، يضم غرامافونات وتليفونات قديمة وتحفا وتماثيل، ومراوح كهربائية عتيقة، ومظلات عاكسة، وطبعا العديد من الصور النادرة.

تسجيل التاريخ

يمثل أستوديو الخواجة بيلا، الذي جاء من دولة المجر، ولازم وسط العاصمة القاهرة لمدة 128 عاما، نموذجا لتلك المتاجر التاريخية، ويعتلي عرش أقدم محل تصوير في المنطقة العربية ولا يزال في الخدمة.

ورغم اضطرار ورثته لنقله إلى منطقة الدقي بالجيزة، القريبة من القاهرة قبل أيام، على خلفية صراع قضائي مع صاحب العقار، لكن يظل المقر القديم المغلق حاليا أشبه بمعرض تشكيلي لفن البورتريه.

تآكل ألوان الفوتوغرافيا القديمة بحكم الزمن منحها انعكاسات شبيهة بضربات ألوان الفرشاة، لا يتضح أنها تنتمي لعالم الصور الفوتوغرافية إلاّ بالتدقيق في الملامح، وتشتت الإضاءة في المكان الذي يغاير أسلوب المعارض الفنية بتركيزها على اللوحة فقط.

الفوتوغرافيا الكلاسيكية تؤرخ لأنماط مختلفة من المجتمع المصري وتقدم للأجيال المقبلة تراث الأزياء والفن والسياسة

وباتت أستوديوهات بيلا ونظائرها من مراكز التصوير التاريخية مهددة بالفناء، في ظل الاتجاه نحو التصوير الرقمي السريع، اختفى الزبائن عنها وغاب الدعم لإنقاذها والأدوات التي يعد بعضها تراثا يستلزم حمايته داخل المتاحف.

وقدّم أستوديو بيلا خدمة كبيرة للمؤرخين بالحفاظ على ذاكرة الكثير من الأحداث والتطورات الزمنية والأشخاص، فمنذ تأسيسه عام 1890، ظل الخواجة بيلا مالكا له حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، لتطرد بريطانيا المحتلة مصر آنذاك، أبناء جنسية المجر التي تحالفت مع دول المحور، وحتى انتقال الملكية لخواجة آخر اسمه ألبير مع شريك مصري اسمه عبدالعزيز باشا فهمي، ومع كل ذلك يحمل الأستوديو على عاتقه تسجيل الكثير من اللحظات التاريخية.

وارتبطت شهرته بانتعاش الحركة الفنية بمصر عموما، وتخصّصه في تصوير معظم الفنانين المنتمين لأجيال سابقة، مثل إسماعيل ياسين الذي ظل زبونا حتى وفاته، وأشرك المالك الحالي في لقطة قصيرة بفيلم “إسماعيل يس في جنينة الحيوانات” عام 1957.

وحصل أشرف فهمي، الشهير بأشرف بيلا، على محل التصوير منذ خمسين عاما، ويديره مع نجله، ويسعيان إلى استغلال آلات التصوير القديمة، وإعادتها للعمل مرة أخرى بتوفير مستلزماتها من الخارج، لخدمة الراغبين في استعادة أجواء الماضي، وجعل ألبوماتهم العائلية متناسقة بألوانها، من الأبيض والأسود، دون شطط في الألوان المفتعلة.

وشارك بيلا، الجديد، في اختبارات النجوم ليكتشف شبابا صاروا نجوما في ما بعد، مثل نور الشريف ومحمود عبدالعزيز وأحمد زكي ورشدي أباظة، وتكرّر الأمر مع جيل آخر، مثل لوسي ونيرمين الفقي وعبير صبري وأحمد عبدالعزيز وممدوح عبدالعليم وشريف منير ووائل نور وأشرف سيف وغيرهم.

ولا يزال البعض من المخرجين، مثل خالد يوسف يصمّمون على ضم بيلا كخبير في اختبارات الوجوه الجديدة، لتعيد آلاته الأكثر تطورا اكتشاف نجوم مثل خالد سليم والتونسية درة، لأن وجوه أبطال السينما تحتاج إلى مصور خبير وفنان، لكشف تفاصيل الوجه وتضاريسه وردود أفعاله المختلفة أمام الكاميرا.

وقال أشرف، الذي لم يتخل عن اسم بيلا، لـ”العرب”، إن كاميراته وثّقت تطور الأزياء بمصر من الطربوش وحتى السفاري (بزات بأكمام نصفية) ومن البنطال ذي الأرجل الواسعة وحتى الجينز المقطع، وفساتين السيدات المصنوعة من الدانتيل، مرورا بالجيب القصير والعباءات، وتطوّر قصات الشعر من السوالف الضخمة والكابوريا (قص الجانبين وترك الباقي) وصولا لإطلاق اللحى.

وتعد مقتنيات بيلا أرشيفا لفن التصوير والآلات التي دخلت مصر منذ حوالي 150 عاما، عنده فقط تجد أول إصدارات “لينهوف” و”سينار” و”كوداك” و”ياشكا” و”نيكون” و”كانون”، بجانب مقتنيات نادرة من أجهزة الإضاءة، وكراسي التصوير القديمة التي يتجاوز عمرها القرن.

ويحلم ورثة بيلا بتحويل المحل إلى متحف صغير، ويحاولون حاليا الاتصال بالمسؤولين للتدخل لحماية التراث الضخم، من أفلام الصور الزجاجية التي تتضمن صورا نادرة لرموز المجتمع، الذين مر على وفاة بعضهم قرن من الزمان، وتحتاج معاملة خاصة.

متحف صور وكاميرات

ديكورات كلاسيكية لا تزال حاضرة في أستوديو بيلا
ديكورات كلاسيكية لا تزال حاضرة في أستوديو بيلا

ناشد بيلا المسؤولين حماية تراث الصور وآلات التصوير، لأن قيمة الصور لا تنبع من جمالها فقط، فهي وثيقة يمكن بها سد فجوات تاريخية يعجز عن سدها بعض الباحثين، ومن خلال ربط الأزياء بتوقيت انتشارها يمكن ربط الشخصية بحقبة زمنية، وعبر العدد الضخم الذي تضمنه الكادرات القديمة التي تصل إلى 45 شخصا، يمكن تتبع نمو عائلات هامة مرتبطة بالحكم واستمرار نفوذها السياسي.

ويحمل المقر المؤقت الذي انتقل إليه الأستوديو العريق مقتنيات نادرة، بينها قطع غريبة كنموذج طائرة كاملة أحادية الجناح، كانت تخصّص للتصوير قبل ظهور فكرة دمج الصور بعشرات السنين، ومصيرها حاليا الحفظ فوق سطح عقار قديم.

وأوضح أشرف بيلا لـ”العرب”، أنه يأتي إليه مواطنون من الولايات المتحدة، ومعهم أفلام زجاجية وملابس قديمة، لالتقاط صور بآلته النادرة “لينهوف” التي يعود عمرها إلى 130 عاما، ولا تزال في الخدمة ضمن عدد قليل في العالم، وتحتاج نوعيات من الأفلام الزجاجية المربعة التي لم تعد موجودة في مصر الآن.

ولا يبقى من محال التصوير الشمسية التاريخية بوسط القاهرة سوى “أنترو” الذي أداره نجله الخواجة الأرماني فيغن، وظل يلتقي زبائنه ويتحدث معهم بلهجة عربية ركيكة قبل أن يترك الأمر لجيل جديد، يقوده مصور مصري اسمه عادل فريد، ليستكمل رحلة تصوير استمرت 68 عاما.

وأشار فريد لـ”العرب” إلى أن الأستوديو الذي تم افتتاحه عام 1950 يتضمن تاريخا حافلا يضم الشخصيات التي دخلته، مثل الرئيس المصري الراحل أنور السادات وزوجته جيهان السادات، والبابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية السابق، وعمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق، وقائمة من الفنانين المشهورين، منهم فاتن حمامة وعمر الشريف. وظلت مهنة التصوير في مصر قاصرة على الأجانب حتى بدايات القرن التاسع عشر، بسبب اعتبارات دينية توسم الفن التشكيلي “بالوثنية” وتحرم العمل بمهنة التصوير.

13