الحياة النباتية تسهم في إنقاذ البشر من الانقراض السادس

الخبراء يعلقون الآمال على النباتات والأشجار لاحتواء ظاهرة الاحتباس الحراري، وكبح جماح أزمة التغير المناخي.
الاثنين 2019/08/26
كوكب الأرض يدخل مرحلة جديدة من الانقراض

النباتات تحول طاقة الشمس عبر عملية التمثيل الضوئي إلى طاقة كيميائية تمثل المصدر الرئيسي للإمدادات الغذائية للبشر، ويعود لها الفضل في كون الأرض غنية بالأكسيجين، كما أنها تساهم في تنقية الهواء من الملوثات وتعمل على امتصاص الكربون الذي يلوث به النشاط البشري الغلاف الجوي، عبر استخلاصه من الهواء وتخزينه في صورة أخرى، فهل يمكن أن تحمل أيضا بين خلاياها خارطة الطريق التي من شأنها التصدي لمعضلة التغير المناخي، التي تتجه نحو الأسوأ، وتهدد بانقراض العديد من أنواع الكائنات الحية وقد يكون الجنس البشري بين أوائل ضحاياها؟

يعلق الخبراء على النباتات والأشجار أملا في احتواء ظاهرة الاحتباس الحراري، مرجحين أن خلاياها تحمل الكثير من الأسرار، التي يمكن أن تساعد على كبح جماح أزمة التغير المناخي، وإبقائها ضمن الحدود المعقولة، لتلافي “تدهور هائل في التنوع البيولوجي”.

ودخل كوكب الأرض مرحلة جديدة من الانقراض، ربما يكون الجنس البشري بين أوائل ضحاياها، حسبما خلصت دراسة أجرتها ثلاث جامعات أميركية.

وأشارت الدراسة، التي أعدتها جامعات ستانفورد وبرنستون وبيركلي، إلى أن الفقاريات تختفي بمعدل أسرع 114 مرة من الطبيعي.

ويقول الخبراء “نحن الآن على مشارف مرحلة الانقراض الجماعي السادسة العظيمة”.

وحدثت آخر مرحلة من تلك المراحل منذ 65 مليون عام، عندما محيت الديناصورات من على وجه الأرض، فيما تشير جميع الاحتمالات إلى أنه حدث جراء ارتطام نيزك ضخم بالأرض.

ويقول الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة إن ما لا يقل عن 50 نوعا من الحيوانات تقترب من الانقراض كل عام. ويضيف أن قرابة 41 بالمئة من البرمائيات و25 بالمئة من الثدييات مهددة بالانقراض.

وفي عام 2014، حذر كذلك تقرير أعده ستيوارت بيم، عالم الأحياء وخبير الانقراض بجامعة ديوك في نورث كارولينا، من أن الجنس البشري على أعتاب مرحلة الانقراض الجماعي السادسة.

وتقول جولي غراي، الباحثة في مجال الجزيئات النباتية بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة “لا أعتقد أننا نحن البشر سنكون بين الناجين، بل سنذهب سريعا أدراج الرياح!”، جاء ذلك خلال ردها على سؤال حول أي الأنواع الحية التي تعتقد أنها ستظل على قيد الحياة، ما لم يتخذ الإنسان تدابير جذرية للتعامل مع التغير المناخي.

إلا أن بعض العلماء يعتقدون أن الحل للحيلولة دون “الانقراض السادس” يكمن في زرع مليارات من الأشجار في جميع أنحاء العالم، وهي أهم وأرخص وسيلة لمعالجة أزمة المناخ، وفقا لأول عملية حسابية لعدد الأشجار التي يمكن زراعتها، من دون التعدي على أراضي المحاصيل أو المناطق الحضرية.

الحلول التكنولوجية قد لا تعمل على النطاق الواسع واللازم والمشكلة الأساسية تكمن في عدم إلمام الخبراء بطبيعة آثارها الجانبية
الحلول التكنولوجية قد لا تعمل على النطاق الواسع واللازم والمشكلة الأساسية تكمن في عدم إلمام الخبراء بطبيعة آثارها الجانبية

وتشير تقديرات بحثية جديدة، أنه مع نمو الأشجار التي بالإمكان زراعتها في جميع أنحاء العالم، يمكن إزالة ما يقارب ثلثي جميع الانبعاثات التي تم ضخها في الغلاف الجوي من خلال الأنشطة البشرية منذ الثورة الصناعية.

وهي طريقة فعالة لا تتسم بأي طابع تكنولوجي، قد تغني عن اللجوء إلى الهندسة الجيولوجية أو ما يسمى هندسة المناخ التي يرى فيها بعض العلماء إجهادا للنظام الأرضي بطرق لا يعرفون تبعاتها، بالإضافة إلى أنها قد تؤدي إلى زيادة موجات الجفاف والفيضانات ونقص المحاصيل الزراعية، وتمثل خطرا محدقا بالتنوع الحيوي والبيئة وسبل كسب الرزق.

وفي الأشهر الأخيرة تظاهر أكثر من 1.5 مليون شخص ضمن حركة ضخمة ومتنامية من الناس الذين يحاولون القيام بشيء حيال تغير المناخ وحثوا السياسيين على الاستماع إلى العلماء في هذا الشأن.

وتشير الأبحاث التي أجراها العلماء إلى أن وتيرة ارتفاع درجات الحرارة في الوقت الراهن أسرع من أي وقت مضى، وأن الظواهر المناخية التي مر بها كوكب الأرض في القرون الماضية تختلف تماما عما يمر به اليوم.

ومن أبرز الحقب في الماضي يمكن ذكر على سبيل المثال “الفترة الرومانية الدافئة” التي استمرت من سنة 250 إلى 400 ميلادي، ولكنها شهدت درجات حرارة عالية بشكل استثنائي في القارة الأوروبية، وكذلك حقبة “العصور الوسطى الدافئة” التي استمرت بين سنتي 950 و1250 ميلادية، ولم تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة إلا في 40 بالمئة من سطح الكرة الأرضية، وهي تغيرات محدودة ومحلية في درجات الحرارة.

في المقابل، جاء في إحدى الدراسات الحديثة أن الأرض قد شهدت أكثر الحقب حرارة في السنوات الـ2000 الأخيرة وفي أكثر من 98 بالمئة من سطح الأرض.

موجات حرارة استثنائية

منذ بداية القرن الحالي شهد الكوكب عدة موجات حرارة استثنائية، وقد أسفرت تلك التي اجتاحت أوروبا في صيف عام 2003 إلى حوالي 70 ألف حالة وفاة في 16 دولة أوروبية، وفي صيف 2010 أدت درجات الحرارة القياسية في غرب روسيا إلى 50 ألف حالة وفاة مبكرة.

وفي الصين ارتفعت درجة الحرارة بشكل أسرع من المتوسط العالمي، فيما يتعرض هذا البلد إلى ضغوط بيئية أخرى منها نقص المياه.

وتشير دراسة نشرت مؤخرا في “نيتشر كوميونيكيشنز” إلى أن التحول في ظاهرة الاحتباس الحراري من 1.5 درجة مئوية إلى 2 درجة مئوية قد يتسبب في وفاة عشرات الآلاف في المدن الصينية كل عام، وحتى لو تم إحراز تقدم في التعامل مع موجات الحرارة القاتلة بفضل الخدمات الصحية وتكييف الهواء وإمكانية الحصول على المياه، فإن هذا النصف درجة الإضافي يمكن أن يكون مسؤولا عن 30 ألف حالة وفاة كل سنة في الصين وحدها.

ويقول عالم المناخ بجامعة لوبورو توم ماثيوز إن للجسم البشري حدا حراريا ولن يكون بعيدا عن الوصول إليه بسبب التغير المناخي، وإذا تجاوزت درجة حرارة الهواء 35 درجة مئوية في كثير من الأحيان في بعض بلدان العالم، فسيكون من الصعب على البشر العيش هناك.

وبحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية لسنة 2018 قد يتسبب تغير المناخ بين عامي 2030 و2050 في حوالي ربع مليون حالة وفاة كل عام بسبب سوء التغذية والأمراض المعدية والحرارة الشديدة.

نمو الأشجار التي بالإمكان زراعتها في جميع أنحاء العالم يمكّن من إزالة ما يقارب ثلثي جميع الانبعاثات التي تم ضخها في الغلاف الجوي من خلال الأنشطة البشرية منذ الثورة الصناعية
نمو الأشجار التي بالإمكان زراعتها في جميع أنحاء العالم يمكّن من إزالة ما يقارب ثلثي جميع الانبعاثات التي تم ضخها في الغلاف الجوي

 ومن المتوقع أن تصل الخسائر الاقتصادية المرتبطة بتغير المناخ إلى مئات الملايين من الدولارات سنويا في الولايات المتحدة وحدها، وتفقد الأنواع بأعلى معدل منذ انقراض الديناصورات، ما ينذر بحدوث انقراض جماعي ـ حسب الخبراء ـ هو السادس في تاريخ الكوكب.

وللتصدي لظاهرة تغير المناخ يتفق العلماء على ضرورة إزالة وخفض الكربون المنبعث في الغلاف الجوي، حيث هناك 300 غيغا طن إضافي من الكربون في الجو والناتج عن النشاط البشري منذ بداية الثورة الصناعية.

وقد اكتسب الكوكب 1 درجة مئوية منذ حقبة ما قبل الصناعة، وتهدف اتفاقية باريس المناخية لعام 2015 إلى الحفاظ على هذا الاحترار أقل من 2 درجة مئوية أو حتى 1.5 درجة مئوية.

ويسعى البعض من العلماء لإيجاد حلول تكنولوجية للحد من الاحتباس الحراري، واقترح الكثير من الباحثين العديد من الأفكار لعكس أشعة الشمس، تماما كما يفعل الجليد القطبي الذي يعكس نحو 30 بالمئة من أشعة الشمس، والجليد البحري الذي يعكس مسار نحو 90 بالمئة من أشعة الشمس إلى أعلى.

وذلك عن طريق إطلاق مرايا في الفضاء تدور حول الأرض وتعكس أشعة الشمس، أو صناعة آلات تعمل بطاقة الرياح لتوليد الثلج فوق المحيط المتجمد الشمالي، أو محاكاة تأثيرات البراكين وإنتاج غيوم اصطناعية تعكس كميات كبيرة من أشعة الشمس نحو الفضاء.

ولكن تلك الحلول التكنولوجية قد لا تعمل على النطاق الواسع واللازم، والمشكلة الأساسية تكمن في عدم إلمام الخبراء بطبيعة آثارها الجانبية، وهو ما جعل ما يزيد على 100 جمعية ومجتمع مدني توقع على بيان رسمي يطالب بمنع جميع تجارب هندسة المناخ، لما قد تمثله من مخاطر على البيئة.

وفي المقابل يرى البعض أن الحل لاحتواء ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، يكمن في الأشجار والنباتات التي تعد من الناحية البيئية أكثر الوسائل فعالية لالتقاط وتخزين الكربون، ومن الملفت للانتباه

أن الكثير منها يمكن أن يصمد أمام البيئات القاسية التي تقتل معظم الحيوانات، فعلى سبيل المثال هناك نباتات تزدهر عند درجات حرارة تصل إلى 47 درجة مئوية وقد تطورت بكيفية تجعلها قادرة على التكيف والازدهار مع البيئات القاسية، والأدوات التي تستخدمها هذه النباتات لأداء هذا الإنجاز المذهل لا تزال لغزا محيرا.

ومن المثير للدهشة أيضا أن بعض النباتات ذهبت إلى أبعد من ذلك، ففي المنطقة المحظورة حول تشرنوبيل نجت من إشعاع قاتل، وبدت كأنها تنتهج آليات إضافية لحماية حمضها النووي بتغيير تركيبته الكيميائية، لكي يصبح أكثر مقاومة أو بتشغيل آليات لإصلاحه حتى تتمكن من البقاء على قيد الحياة، وهو ما يعني أن النبات قادر على تعويض خلاياه وأنسجته الميتة أسرع كثيرا من الحيوان.

ويعتقد العلماء أن الخلايا النباتية تملك خارطة الطريق لبقاء البشرية على قيد الحياة في ظل المناخ المتغير، وأن الطبيعة وحدها قادرة على معالجة أزمات المناخ والتنوع البيولوجي.

وتقول كريستا أندرسون باحثة في مجال المناخ من الولايات المتحدة إن الغابات تتحلى بقدرة أكبر على تخزين الكربون، ما يجعل بمقدورها المساعدة على تقليص انبعاثات أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة، مضيفة أن هناك حاجة ماسة لتحسين إدارة الغابات وحماية الأراضي والأعشاب البحرية.

وتؤكد المديرة التنفيذية لمنظمة السلام الأخضر الدولية جينيفر مورغان أن الغابات هي التكنولوجيا الطبيعية والمختبرة الوحيدة التي يمكن استخدامها لتقليل أثار تغير المناخ.

ولم تؤخذ استراتيجية استعادة الغابات للتخفيف من تغير المناخ، على محمل الجد بسبب قلة المعلومات الكمية عن المساهمة الحقيقية للنباتات في استيعاب كميات الكربون.

خارطة لنظام الغابات

الغابات تعد التكنولوجيا الطبيعية التي يمكن استخدامها لتقليل آثار تغير المناخ
الغابات تعد التكنولوجيا الطبيعية التي يمكن استخدامها لتقليل آثار تغير المناخ

لكن من خلال إنشاء شبكة عالمية من علماء البيئة مزودة ببيانات مصدرها الأرض من 1.2 مليون موقع حول العالم وإقرانها ببيانات الأقمار الصناعية، استخدم مختبر “كراوثر لاب” في المعهد الفيدرالي السويسري للتقنية في زيورخ التعلم الآلي لإنشاء أول خارطة مكانية واضحة للنظام العالمي للغابات بأكمله.

ووجد الباحثون أنه في ظل الظروف المناخية الحالية يمكن للأرض أن تدعم 4.4 مليار هكتار من الغطاء الشجري أي بزيادة 1.6 مليار هكتار على مساحة الغابات الموجودة حاليا والتي تقدر بـ2.8 مليار هكتار، ويمثل 0.9 مليار هكتار من أصل 1.6 مليار هكتار أراضي متاحة للتشجير لا يحتاجها البشر، ما يعادل مساحة الولايات المتحدة.

 وبمقدور الغابات الجديدة حين تنمو وتصل إلى أقصى إمكاناتها أن تخزن 205 مليارات طن من الكربون أي حوالي ثلثي 300 مليار طن تم إطلاقها في الجو نتيجة للنشاط البشري منذ الثورة الصناعية. وبالنظر لهذا التأثير الهائل على تغير المناخ، فإن بيانات “كراوثر لاب” التي نشرت مؤخرا في مجلة ساينس لا تؤكد فقط المفهوم القديم لاستعادة الغابات بل تضعه كحل وحيد وجذري.

ويقول البروفيسور توماس كراوثر، المؤلف الذي قاد البحث ومؤسس مختبر “كراوثر لاب”، “إن هذا التقييم الكمي الجديد يدل على أن استعادة الغابات ليست مجرد أحد حلولنا المتعلقة بتغير المناخ، إنه الحل الساحق للغاية”.

ويؤكد كراوثر على أنه لا يزال من الضروري عكس الاتجاهات الحالية لارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري وتدمير الغابات وخفضها إلى الصفر.

ويضيف “كل فرد منا يمكن أن يشارك، والأفراد يمكن أن يكون لهم تأثير ملموس من خلال زراعة الأشجار بأنفسهم والتبرع لمنظمات ترميم الغابات”.

ويقول جان فرانسوا باستين الذي يعمل أيضا في المعهد الفيدرالي السويسري للتقنية في زيورخ، إن الإجراء مطلوب بشكل عاجل، ويجب على الحكومات إدخال استعادة الأشجار في استراتيجياتها الوطنية.

وقالت كريستيانا فيغيريس رئيسة المناخ السابقة للأمم المتحدة ومؤسسة مجموعة التفاؤل العالمي “أخيرا لدينا تقييم موثوق لمقدار الأرض التي يمكن أن نغطيها مع الأشجار دون التأثير على إنتاج الغذاء أو مناطق المعيشة، وهو مخطط هام للغاية للحكومات والقطاع الخاص”.

وقال رينيه كاسترو، مساعد المدير العام في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، “لدينا الآن أدلة قاطعة على مساحة الأراضي المحتملة لإعادة زراعة الغابات، حيث يمكن أن توجد ومقدار الكربون الذي يمكن تخزينه”.

وتظم الدول الست الكبرى في العالم روسيا وكندا والصين والولايات المتحدة والبرازيل وأستراليا نصف مواقع الترميم المحتملة.

وقد تعهدت العديد من الحكومات في جميع أنحاء العالم بالفعل باستعادة أنظمة الغابات، ومنها أستراليا ونيوزيلندا على سبيل المثال، وتخطط كل منهما لزراعة مليار شجرة كحل قائم على الطبيعة.

وبينما يعكف العلماء منذ فترة على إيجاد حلول تكنولوجية لسحب ثاني أكسيد الكربون من الجو، أتثبت الدراسات أن بوسع النباتات والأشجار المساعدة في احتواء هذه المشكلة العالمية الخطيرة، وهي من أرخص الحلول وأكثر الوسائل فعالية، وإذا ما تم إدراج استعادة الغابات من طرف الحكومات ضمن استراتيجياتها الوطنية، وتوجيه المواطنين في جميع أنحاء العالم للانخراط في التشجير وترميم الغابات، فسيكون التأثير بلا شك هائلا لتجنب تغير مناخي خطير يبشر بـ”انقراض سادس” مؤكد.

12