الحياة باعتبارها وهما

الاثنين 2016/02/01

كنت في الدوحة، مدينة لا تفهـم خـارطتها بيسر بسبب ازدحامها بمشاريع بنـاء، تلتهـم مـن السماء مساحة هـي أكثـر سعة من تلـك المسـاحة التي تحتلها على الأرض.

ولأن تلك المشاريع مستمرة في الاتساع، فقد صرت أفكر في أنني إذا ما أتيحت لي زيارة الدوحة بعد سنوات سيكون عليّ أن أتقبل العيش في مدينة فضائية.

لا أعتقد أن أحدا من القطريين سيسكن في تلك المدينة، التي سيضيعون بين طرقها مثلما حدث لي تمامـا، لقـد عشـت في الـدوحة أيام كانت عبارة عن قرية تنام على البحر.

قال لي سلام عمر وهو رسام عراقي “هذا شارع الكهرباء، ستزوره يوميا ما دمت مقيما في الدوحة”، طوال أربع سنوات، هي زمن إقامتي في الدوحة، لم أزر ذلك الشارع إلاّ مرتين؛ لم أكن مضطرا.

لقد آلمني هذه المرة أنني نسيت أن أسأل عن شارع الكهرباء، وإذا ما كان لا يزال موجودا. لم أصدم حين رأيت البناية التي أقمت في أحدى شققها قد هدمت لتقوم محلها ناطحة سحاب. كان هناك شيء من أثر خطواتـي على الرصيف المقـابـل، سعـدت لأن البقـالة التي كنـت أتسـوق منهـا لا تزال موجـودة.

في المرة السابقة التي زرت فيها الدوحة تأكدت من أن صديقي الهندي أوني كان قد ترك العمل في البقالة وصـار سائـق تاكسي. ذلك المتر المربع الذي كنت أقف عليه لم يذكرني بأربع سنوات، كنت عشتها في هذه المدينة، وأنا أظن أن كل شيء سيبقى يذكّر بي. لقد محيت المدينة فهل سيبقى شيء يذكر بي؟

لم أشعر بالأسى، لقـد عشت حياتي مثلما أحب، ولم يعد يهمني أن هناك أربع سنوات من تلك الحياة قد هلكت ولم يعد لها أثر.

في المكان نفسه كنت قد وقفت قبل سنوات، فهل كنت أتوقع أن شبحا يشبهني سيكون قـادرا على استعادة جـزء فالـت مـن حياتي؟ في الفن تبدو الحياة كما لو أنها وهم.

كاتب من العراق

16