الحياة بعد الجنازة.. كتابات تقتفي أثر الراحلين

ينكرونهم في حياتهم ويتحلقون حولهم بعد موتهم.
الأحد 2021/07/11
استعادة الراحلين تكفير عن ذنب أم استغلال لتاريخهم (لوحة للفنان سمير الصفدي)

هل يموت الأدب بموت صاحبه وتنطوي صفحة كاتبه مع رحيله؟ في الحقيقة قد يموت الكاتب ولكن الكتابة هي الباقية لا تموت أبدا، هي الأثر الخالد ضد الزمن وضد الفناء؛ فالأدباء يعيشون بإبداعهم وما تركوه من آثار، مات أمل دنقل وظلت كلماته هي الوقود الذي يُلهب الثوّار في كل مكان وزمان، وبالمثل اغتال الكيان الصهيوني الكاتب غسان كنفاني، فخمد الجسد، لكن حلّقت كلماته عاليا.

 بعد الجنازة هو أصدق تعبير عن الظاهرة الثقافية التي انتشرت في الثقافة المصرية مؤخّرا، حيث لوحظ مدى الاهتمام باستعادة تراث الأموات، اللافت أنّ مَن تتمّ استعادتهم يمكن وصفهم بأنهم أصحاب الروايات اليتيمة، هذا ما حدث مع وجيه غالي الروائي المصري، ومع عنايات الزيات صاحبة الرواية الوحيدة أيضا.

فلنبدأ الحكاية من أولها: مَن هو وجيه غالي؟ ومَن هي عنايات الزيات؟ وما هو الرابط المشترك الذي يجمع بينهما، إلى درجة أن سيرتهما تتردد في الواقع الثقافي، في فترة متزامنة، كبعث جديد، أو اكتشاف مثير؟ وهو الأمر الذي يدعو للتساؤل عن لماذا هذا الاحتفاء المبالغ فيه، نوعا ما، والذي فاق التوقعات، مقابل ما تركاه من آثار قليلة؟

تقاطعات وتشابهات

حالة الشغف باقتفاء أثر الغائبين هي ما تدفع الكثيرين إلى الكتابة عنهم فيما يسقط بعضهم في المبالغة

في الحقيقة ثمّة تقاطعات بين الشخصيتين تجمع بينهما أكثر ما تفرق؛ فهما عاشا في فترة زمنية متقاربة، فمولدهما تقريبا في ثلاثينات القرن الماضي في القاهرة، لأسرتين تنتمي الأولى لطبقة كبار الملاك (وجيه غالي)، والثانية إلى أسرة ميسورة الحال، فوالدها كان أمينا عاما لجامعة القاهرة (عنايات الزيات)، درسا الاثنان في مدارس أجنبية؛ درس غالي في مدارس فرنسيّة، وبالمثل درست عنايات في مدرسة ألمانية. كلاهما كان على تعارض مع طبقته، فانتمى غالي إلى الحزب الشيوعي المصري، أما عنايات فكانت ثوريّة كما وصفتها صديقتها نادية لطفي، تُعارض طبقيّة أسرتها على نحو ما جاء في روايتها ويومياتها.

هاجر غالي إلى بلدان مختلفة، كما عمل في وظائف متعدّدة غير ثابتة كالمصانع والميناء، وكاتب في الجيش الألماني، ثم سافر إلى "إسرائيل" بعد هزيمة 67 مباشرة، وعاد ليكتب عن تلك الزيارة في جريدة "التايمز" فسحبتْ منه الحكومة المصرية الجنسيّة، ليعيش في معسكر للاجئين في ألمانيا، قبل أن يكتب السطر الأخير من حياته في شقة السيدة التي آوته، وأنفقت عليه، لأنه لم يكن يحب العمل، ويُعاني اضطرابات نفسيّة، ويكذب كثيرا.

 أما عنايات فلم تخرج من مصر وإن كانت عانت بعد زواجها، خاصة وأنها قطعت دراستها من أجله، لكنها واجهتْ واقعا قاسيا، سحبها إلى الاكتئاب الذي كان عندها استعداد شخصي له.

ومن التقاطعات بينهما التشابه في النهاية المأساوية التي أنهى كل طرف منهما بها حياته، فكلاهما اشترك في تجرّع الحبوب المنوّمة التي أنهت الحياة في صمت وبلا صخب؛ عنايات  في عام 1963 بتناولها عشرين حبة من المنوم، بعد أن أغلقت النافذة، ولم تُكتشف وفاتها إلا بعد 24 ساعة من حدوثها، على عكس ما فعل غالي الذي تناول جرعة زائدة من الحبوب المنومة، وقد رتب للأمر جيدا، فكتب رسالة وتركها على باب الغرفة لصديقته ديانا آتهيل هكذا "ديانا لا تدخلي اتصلي بالشرطة"، وإلى جواره رسالة أخرى يقول فيها "أظن أن الانتحار هو الشيء الأصيل الوحيد الذي فعلته في حياتي".

كما أن كليهما ترك عملا روائيّا واحدا مع اختلاف قيمته الفنيّة؛ عنايات تركت رواية “الحب والصمت” وصدرت بعد وفاتها عام 1967، وغالي ترك رواية “بيرة في نادي البلياردو” صدرت بالإنجليزية عام 1964، والروايتان أشبه بروايات السِّيرة الذاتيّة، فعنايات مرّرت الكثير من سِيرتها الذاتيّة داخل الرواية، وبالمثل فعل غالي إذْ اتخذ من شخصية رام أو راموس بطل الرواية قناعا يحمل الكثير من أفكاره وآرائه في الكثير من القضايا، وعبره قدم انتقادات كثيرة لعائلته وللثورة.

ومن المشتركات بين الشخصيتين أن الاعتراف بهما جاء بعد رحيلهما؛ حيث تمّ تكريس الكثير من الكتابات للتعريف بهما بعد المعاناة والحجر الفكري، من قبل، على إبداعهما؛ فعانت عنايات بسبب هذا التهميش والإهمال الذي واجهته من المؤسسة الثقافية تارة، ومن النخبة والجماعة الثقافية تارة ثانية، الغريب، أنها ما إن ماتت حتى همّوا (مصطفى محمود، وأنيس منصور، ويوسف السباعي) بغسل أيديهم من أثر الجريمة، فتعدّدت كتاباتهم عنها.

 وبالمثل عانى غالي من التهميش في مصر، ربما لموقفه السياسي ورحلته إلى إسرائيل التي جلبت له من المتاعب أكثر مما كان ينتظره من أرباح، فتأخرت ترجمة روايته إلى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

ويدخل في المشتركات أن عنايات كانت مهتمّة بالجمال وتتبع خيوط الموضة، والحرص على اقتناء أحدث الماركات وفقا لما روته صديقتها نادية لطفي في أحاديثها الصحافيّة، وحواراتها المتتابعة مع إيمان مرسال، وبالمثل روت ديانا آتهيل لعبدالرشيد الصادق محمودي، أن ما جذبها إلى غالي هو أناقته، فعلى الرغم مما كان يعانيه من فقر وسوء أحوال، إلا أنه كان يظهر دائما بمظهر أرستقراطي فحسب قولها “إنه لم يكن لديه من الملابس سوى بدلتين (إحداهما زرقاء غامقة والأخرى رمادية مقلمة بخطوط دقيقة) وبنطلون واحد فضفاض، ولكنه كان باستطاعته دائما أن يبدو أنيقا. كان قد جعل من الأناقة فنّا”. وقال عنه لوقا صاحب ديانا “لم أر في حياتي رجلا آنق منه”، ولقد كان وجيه في المقام الأوّل صاحب أسلوب سواء أكان ذلك طريقته في الحياة أو طريقته في الكتابة.

في الآونة الأخيرة تمّ تكريس الكثير من الكتابات للتعريف بأدباء رحلوا بعد المعاناة والحجر الفكري والتهميش
في الآونة الأخيرة تمّ تكريس الكثير من الكتابات للتعريف بأدباء رحلوا بعد المعاناة والحجر الفكري والتهميش

القاسم المشترك بين الشخصيتين شمل أيضا أعراض الاكتئاب، فناوبت عنايات حالات من الاكتئاب، وهو ما كان يضطرها لأن تبقى وحيدة، وقد زاد الأمر بعد طلاقها، ومشكلة ابنها، وهو ما عكسته على شخصية بطلة روايتها نجلاء، وإحساسها بالفردية الذي أخذ يتضخم، حتى أن هذه الفردية، كما تقول “تعزلني داخل نفسي وتفصلني عن الكل، أحيانا أجدني أنظر من داخلي من نافذة عيني إلى الناس والأماكن حولي… أحيانا أشعر أنني عشت حياتي من قبل، فلماذا وجدت من جديد؟”.

وبالمثل عانى غالي من نوبات اكتئاب، لكنه اكتئاب من نوع معين كما وصفه هو. كانت ديانا تدرك منذ بداية إقامته معها أنه عرضة لنوبات من الاكتئاب الحاد وأنه مصاب باضطراب عقلي.

يكتب في إحدى رسائله من ألمانيا عن طبيعة المرض ويشخِّصُه تشخيصا دقيقا بوصفه انقساما نفسيّا حاسما، فنراه يصف نفسه بأنه “مجنون” ولكنْ جنونه ليس عقليّا، بل عاطفيّا، أي أنه من الصحة العقليّة بحيث يعي حالاته العاطفية المجنونة، ولكنه لا يستطيع حيالها شيئا.

 وهو في إحدى يومياته يعترف بأنه “لا يختلف من الناحية العاطفيّة عن تلميذة من تلاميذ المدارس. ولقد نضج جسميّا وعقليّا، ولكن عواطفه لا تختلف عن عواطف طفلة في السابعة أو الثامنة”.

لجأ غالي إلى كتابة اليوميات كعزاء له، أو علاج لحالته؛ فهو، حسب قوله، يستطيع أن يُنفِّس فيها عما يجتاحه من مشاعر متضاربة بدلا من أن يُعبِّر عنها في الواقع فيؤذي الغير. وقد أصاب عندما قال “فهذه اليوميات هي إذن دوائي، هي ذلك الرحم المظلم السري الكامن في أعمق أعماقي، هي شيء أنشأته لإنقاذ نفسي. وقد أنقذني بالفعل. أما أن يكشفه أحد فجأة على هذا النحو، فهو كاف لأن يصيبني بالجنون”، فالذهاب إلى طبيب نفسي، على حدّ قوله، لن يكون سوى مزحة؛ إذْ يدرك في أعماقه بأنه “منتحر محتمل” بل كان مؤمنا بحقيقة أنه يستطيع “إنهاء الأمر برمّته في أي وقت”.

وبالمثل لجأت عنايات إلى كتابة اليوميات، ولكن مع الأسف ضاع الكثير من يومياتها، وما عُثر عليه، كشف عن شخصية متوترة قلقة، كانت قد دخلت بالفعل في موجات اكتئاب، وشعور بالوحدة، وانعزال، بإرادتها، عن صخب الحياة والأصدقاء.

شغف الاستعادة

Thumbnail

تأتي استعادة عنايات بإعادة نشر روايتها “الحب والصمت” والتي صدرت أوّل مرة عام 1967، عن دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، بتقديم للدكتور مصطفى محمود، دون أن يضيف تقديمه للنص أي قيمة تذكر.

 الطبعة الجديدة أصدرتها دار المحروسة، بتقديم للشاعر والناقد شعبان يوسف، ويعيد يوسف في مقدمته تاريخ الرواية وأهم النقاد الذين تناولوا الرواية مثل محمود أمين العالم والدكتورة لطيفة الزيات والناقدة شيرين أبوالنجا، بالإضافة إلى ما كتبته سلوى بكر وإيمان مرسال، ويشيد يوسف بوعي الزيات في كتابة الرواية على الرغم من حداثة سنها، فحسب قوله “استطاعت أن تصف لنا وتشرح وتسرد تفاصيل العفونة التي تنطوي عليها طبقتها بيسر أسلوبي ناصع، ثم جعلت الراوية ‘البطلة’ تصرخ في وجه تلك التقاليد، ثمّ راحت تلك البطلة ترسم لنفسها مُستقبلا حالما بعيدا عن محيط تلك العائلة”.

لكن الاهتمام الأكبر الذي سلّط عليها الضوء وأعادها إلى دائرة الاهتمام من جديد، هو ما أصدرته عنها الشاعرة إيمان مرسال بعنوان “في أثر عنايات الزيات”، وهو الكتاب الذي راحت من خلاله تقتفي أثر الكاتبة المنتحرة، وتغوص في عوالمها الفريدة التي كانت جميعها تؤكّد على هذه النهاية المأساوية التي عاشتها بطلتها.

الكتاب أشبه بسيرة حياة للرواية والروائيّة معا، حيث قدمت مرسال نصّا موازيا يجمع بين التخييل والمرجعي، يسدُّ جزءا كبيرا من الثغرات المفتوحة التي خلفها رحيل عنايات المفاجئ، وفيه عرّضت بالجماعة الأدبية في تلك الفترة، ودورها غير الداعم للمرأة. وكأن هذه الكتابة، في إحدى صورها، بمثابة إجابة لسؤال: لماذا سقطت عنايات من ذاكرة الكتابة الأدبيّة في مصر؟ وفي ذات الوقت إدانة لمن خذلوا عنايات أو تاجروا باسمها، وروَّجوا عن حياتها وموتها الأباطيل.

من المشتركات بين عنايات الزيات ووجيه غالي أن الاعتراف بهما جاء بعد رحيلهما عبر كتابات تعرف بكتابيهما اليتيمين

وتلى ذلك ما  كتبته الروائية نورا ناجي في كتابها “الكاتبات والوحدة”، فاستعادت سيرة الزيات باعتبارها واحدة من الكاتبات اللاتي كن ضحايا الوحدة والذكورية معا، وثمة إشارة  مقتضبة عنها، تسبق هذين الكتابين، في كتاب شعبان يوسف “لماذا تموت الكاتبات كمدا”، في سياق حديثه عن الكاتبات المنتحرات.

إذا كانت رواية عنايات واجهت عنتا من قبل المؤسسة الحكومية المشرفة على النشر، وهو ما آل، ضمن جملة عوامل أخرى، لأن تدخل الكاتبة في نوبة اكتئاب انتهت بها إلى الانتحار، فإن رواية  غالي كان له من الحظ الوفير في نشرها ورواجها، واللافت أن الرواية قد أُلِّفت في ظل ظروف قاسية وقت عمله في ألمانيا، فاجتذبت ناشرا ألمانيّا كاد ينشرها لولا خلاف دبّ بينهما، ثم أُرسلت المخطوطة إلى دار نشر لندنية. وهناك قرأتها وفتنتْ بها وعملت على نشرها ديانا آتهيل التي كانت أحد مؤسسي الدار، وإن كانت تعمل بصفة رئيسية قارئة ومحرّرة للمخطوطات المعروضة للنشر.

رواية “الحب والصمت” لعنايات تدور أحداثها قبل ثورة 1952، حيث تنتمي البطلة إلى طبقة أرستقراطية ذات مكانة اجتماعية ملموسة في شبكة علاقاتها ورحلاتها ومستوى ثقافتها، وإن كانت بطلة الرواية (نجلاء) ذات الثامنة عشر ربيعا تشعر في ظل هذا بالوحدة والانغلاق على ذاتها، وهو الإحساس الذي ولّد شعورَ الهَرَم بداخلها، فشعرتْ وكأنها “هرمت فجأة وصارت كهلة”، وهو ما يتقاطع مع شخصية عنايات، وتتفاقم أزمة البطلة بعد حادثة وفاة أخيها هشام أثناء ممارسته للرياضة في النادي، فصارت حياتها بلا معنى، وهو الأمر الذي أدخلها في أسئلة وجودية تؤكد تنامي إحساس الاكتئاب بداخلها من قبيل “لماذا نوجد؟ ولماذا نعيش؟”.

بالطبع مع الحياة المترفة التي تعيشها في كنف عائلتها، لا نجد فتاة عابثة أو لاهية بل على العكس تماما فهي ضدّ طبقية أسرتها، والأهم أنها تدعم استقلال ذاتها، بالبحث عن العمل، وهو ما يُبشِّر بأفكار ليبراليّة متقدمة، وهو ما تجده عند أحمد الكاتب اليساري الذي ترتبط معه بقصة حب تنتهي بمرضه وموته، وقيام الثورة. وهو ما يعكس شخصية نعمات ذاتها، ومطالبها بالدفاع عن حقوق المرأة، والمساواة، ورفضها اختزال المرأة في جسدها فقط، بل الدفاع عن حق الأنثى في الحياة نفسها.

كتابة اقتفاء الأثر

الجنازة هو أصدق تعبير عن الظاهرة الثقافية
الجنازة هو أصدق تعبير عن الظاهرة الثقافية

أوّل مَن تتبع سيرة غالي هو الدكتور عبدالرشيد الصادق محمودي في مقالته “البحث عن وجيه غالي” (نشرها في مجلة: الكتب وجهات نظر، عدد يوليو 2009، ثم ضمها بعد ذلك في كتاب بعنوان “أدباء ومفكرون”، صدر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2015) بعدما التقى الكاتبة والمحرّرة البريطانية ديانا آتهيل لالتقاط الغامض في حياة غالي على نحو ما ذكر في تحقيقه الثقافي، حيث كان معنيّا بصفة خاصة بتتبع مساره بين القاهرة وفرنسا (فقد قضى فترة فيها يدرس في السوربون) وألمانيا ولندن، وراح يضع أمامها الأسئلة الكثيرة الناقصة في حياة وجيه، خاصّة علاقته بالنظام المصري؟ وأسباب طرده من بريطانيا؟ وطبيعة عمله في ألمانيا؟

 لكنه اكتشف أنها تفتقر للكثير من المعلومات الشخصية عن وجيه، وهو ما انعكس بصورة واضحة لكل من قرأ كتابها “بعد جنازة”. واستطاع محمودي أن يقدم في تحقيقه صورة (أشبه بالكاملة) عن غالي، وكتاباته، ورحلته إلى إسرائيل، ومسار علاقته بديانا التي وصلت إلى طرده، وتوسُّله إليها بأن يقيم معها، فقبلت في النهاية.

تُرجمت رواية “بيرة في نادي البلياردو” في طبعتيْن مصريتيْن؛ الأولى كانت بترجمة هناء نصير عن داري العالم الثالث (بتقديم للدكتور ماهر شفيق فريد) عام 2006، وبتانة عام 2016، والثانية بترجمة إيمان مرسال وريم الريس وصدرت عن دار الشروق عام 2012. وتقترب الرواية من روايات السيرة الذاتيّة؛ حيث تتقاطع ذاته مع شخصية رام بطل الرواية المغترب الذي يعيش أزمة شخصية؛ عن ذاته وعن طبقته، وعامة؛ عن مجتمعة ووطنه، وهو ما بدا في حالة انبهاره بالثقافة الإنجليزية.

وجيه غالي لجأ إلى كتابة اليوميات كعزاء له، أو علاج لحالته، يستطيع أن يُنفِّس فيها عما يجتاحه من مشاعر متضاربة بدلا من أن يُعبِّر عنها في الواقع فيؤذي الغير

وتدور أحداث الرواية ما بين القاهرة ولندن في فترة ما بعد ثورة يوليو 1952 إلى ما بعد العدوان الثلاثي على مصر، فيحكي فيها تفاصيل عن طبقته الأرستقراطيّة المسيحيّة، وسخريته منها مقارنة بما تعانيه الطبقات المطحونة، ومن خلال أحداثها يكشف الكثير من التفاصيل عن علاقة بطله بأفراد العائلة وموقفهم منه، وصولا إلى هجرته إلى لندن.

الرواية في مجملها تهاجم الثورة، وتُندّد بسياستها التي حوَّلت مصر لدكتاتورية عسكرية، أعلت من طبقة العسكر، في المقابل زادت من معاناة الطبقات الدنيا. الغريب أن الفتى رام الذي آزر الثورة في البداية، باحتجاجه على القوات البريطانية في قناة السويس، مظهرا الحماس لعبدالناصر، ساخرا من الديمقراطية الأميركية، ينتهي به الحال إلى إدانة الثورة، واعتبار ما قامت به مجرد تبديل نخب وطبقات محل الأخرى لا أكثر، والانضمام إلى منظمة سريّة تسعى لفضح الانتهاكات في ممارسات السُّلطة الناصرية لحقوق الإنسان، ثمّ في الأخير يقع في غرام فتاة يهودية (إدنا).

كما تكشف الرواية عن الأحلام العريضة التي تخيل بطلها الضدّ وتأرجحه بين الواقع والخيال، وهو ما يقدم تفسيرا لحالة التخبُّط التي عاشها غالي على مستوى الواقع، فحسب قوله "أردتُ أن أحيا. قرأت وقرأت… أردت أن أقيم علاقات غرامية مع كونتيسات، وأن أقع في غرام عاملة بار، وأن أبيع الهوى، وأن أصبح زعيما سياسيًا، وأن أربح في مونت كارلو، وأن أكون متشردا في لندن، وأن أصبح فنانا، وأن أكون أنيقا، وأن أرتدي رث الثياب”.

وتوالت الكتابات عن غالي لاحقا، فجاء كتاب صديقته الصحافيّة والناشرة البريطانية آتهيل بعنوان “بعد جنازة” وقامت نرمين نزار بترجمته إلى العربية عام 2018، وتحكي فيه عن علاقتها بغالي، فقد ارتبط بها بصداقة، وعاش في شقتها. وتقاطعت في كتابها مع يومياته التي ائتمنها عليها، وأوصاها بنشرها بعد وفاته، ومن أرباحها تُسدِّد ديونه التي كتب لها قائمة بأسماء مستحقيها.

وفي الكتاب تسرد علاقتها بصديقها، وحالة انجذابها الجنسي له، وصدوده عنها، فأرادته حبيبا إلا أنّه أحبها حبّا أموميّا، كما تحكي عن نظرته لها، وما شابها من تحقير، على نحو ما سجّل في يومياته، وهو ما كان سببا في تأجيج الصِّراع بينهما، لا تذكر الكاتبة اسم وجيه صراحة في حكايتها وإنما تتخذ من الاسم الذي دلّلته به (ديدي) بديلا لاسم توتو الذي أطلقه عليه أهله، فتسرد عن طفولته وحبه لأمه مع أنها خذلته في مواقف كثيرة، بل حمّلته كل ذنوب زواجها القصير بوالده.

وتشير إلى تبدُّل أحواله المعيشيّة بين الغنى والفقر، ومعاناته الشديدة من الفقر والحرمان، وتعدد من الوجوه التي رأت غالي عليها؛ فهو تارة متماثل مع شخصية بطله رام في روايته اليتيمة، وطورا غاضب من ظروفه غير مبال بالآخرين، تحركه غَيرة وأحقاد غير مبرّرة وتدفعه لإهانة المحيطين به رغم ما “يبدون تجاهه من اهتمام وتوقير”، وتارة ثالثة عاشق متعدّد العلاقات، فحسب قوله في يومياته “إنني أقع في الحب بسهولة شديدة. بغرابة شديدة. أي شخص مقبول جسديّا بالنسبة إليّ مرشح لحبّي”.

 ولم يتوقف الاهتمام بغالي عند هذين الكتابين، بل توالت الأعمال عنه فصدرت يوميات وجيه غالي بإعداد وتحرير ميّ حوّاس، وترجمة محمد الدخاحني (دار الكتب خان)، اليوميات هي تلك التي أوصى صديقته ديانا بأن تنشرها، وبالعائد المادي منها تسدّد ما عليه من ديون، وكانت صدرت أولا بالإنجليزية عن الجامعة الأميركية في القاهرة في 2016.

وترصد اليوميات التي جاءت في مجلديْن؛ الأول يشمل السنوات بين 1964 و1966، أما الثاني فيشمل سنوات بين 1966 و1968 شخصية غالي القلقة، وما انتابه من تقلبات مزاجية، وتوقه للعشق، كما تعكس تتبعه للمجتمع الإنجليزي في تلك الفترة، وأهم التيارات السياسية والثقافية، وفيها يتحدث عن علاقته بديانا آتهيل بعدما انتقل إلى لندن، وفي الأجزاء الأخيرة من اليوميات يتعرض لرحلته إلى إسرائيل.

وإلى جانب اليوميات هناك رسائل السنوات الأخيرة، والتي صدرت عن دار المحروسة في عام 2019، وتضم خمسين رسالة من بينها 44 كتبها غالي إلى أتهيل، وخمس منها له، والأخيرة كتبها الروائي الأميركي فيليب روث إلى آتهيل بشأن إقامة كان مفترضا أن يمضيها غالي في ورشة الكُتّاب بجامعة أيوا.

الشيء المشترك بين الشخصيتين أن الاعتراف بهما جاء بعد رحيلهما؛ حيث تمّ تكريس الكثير من الكتابات للتعريف بهما بعد المعاناة والحجر الفكري

وبعض هذه الرسائل كتبها وجيه أثناء إقامته في ألمانيا الغربية خلال الأعوام من عام 1963 وحتى 1966، وأخيرا رسائل لندن خلال عام 1967. وفي الرسائل إلى صديقته ديانا يحكي لها عن  تطورات علاقة أقامها مع إديث سيمان في نهايات 1963 وبدايات 1964، حيث كانت تسكن في الطابق الأعلى من منزله، لكن انتهت به العلاقة بعد زواجها إلى حالة اكتئاب، فهو حسب اعترافه في يومياته “لا أستطيع الحياة دون حب، وحين أحب أكون في الحب تماما وكليًا إلى درجة أني أصبح مضجرا، لا أعرف ما أفعل”. 

وكانت ديانا ملاذه، وقد التقاها عام 1964 في مدينة بروچ البلجيكية، وصارت صداقتهما قوية، وعندما انتقل إلى لندن عاش معها، فيكتب لها عمّا يعانيه، ودوما كان يصفها بالعزيزة قائلا “إنها لراحة كبيرة أن يكون بمقدوري الكتابة إليكِ، وأن تكتبي أنتِ إليَّ. مرت عشرة أيام هي الأكثر بؤسا، حب ضائع، أرق، التقلُّب طيلة الليل وبؤس مواجهة يوم جديد”.

حالة الشغف باقتفاء أثر الغائبين هي ما دفع الصحافييْن محمد الشماع  وعبدالمجيد عبدالعزيز إلى البحث عن الأخوين ميمي وجمال رمسيس، فصدر تحقيقهما بعنوان “ليلة اختفاء ميمو وجمال رمسيس.. البحث عن آل عفيفي!”، ونشر بتاريخ 23 مايو 2021 في موقع عرب لايت، وتتبعا فيه رحلة صعود واختفاء الأخوين ميمي وجمال رمسيس في مجال السينما، بعدما قدما أداء ملفتا في ثلاثة أفلام مصرية وفيلم فرنسي، لكن اختفيا دون معرفة أسباب الاختفاء وأين انتهت بهما الرحلة.

هو تحقيق ثقافي لا يختلف عن الذي فعله عبدالرشيد الصادق محمودي في بحثه عن الروائي غالي، وما فعلته إيمان مرسال عن عنايات. الفارق الوحيد أن الثنائي التوأم اختفيا دون العثور على دليل واحد على نهايتهما، بعكس ما حدث مع وجيه وعنايات.

يتكرر الأمر ولكن عبر صياغة روائية قام بها الروائي سامح الجباس في روايته “رابطة كارهي سليم العشي”، الصادر عن دار العين 2021، وهي رواية يمكن وصفها بأنها رحلة بحث عن الكاتب اللبناني سليم موسى العشي الشهير باسم الدكتور داهش، الذي انبرت شهرته في أربعينات القرن الماضي، بما كان يقوم به من أفعال خارقة للطبيعة والسحر، وإيمانه بأفكار غرائبية، لخصها في “العقيدة الداهشيّة”، وهو ما حدا به لأن يصف نفسه بأنه “نبي القرن العشرين”. الرواية تمزج بين الواقعي والخيالي في محاولة لإعادة كتابة سيرة جديدة للرجل الذي شغل الناس في زمانه، من خلال الكثير من الشهادات عنه وما تركه من كتابات.

12