الحياة تعود إلى دودة الحرير في سوريا

الحكومة السورية تطلق مشروعا تنمويا للحفاظ على تربية دودة الحرير من خلال توسيع رقعة المساحة المزروعة بأشجار التوت وزيادة الدعم المادي للمربين.
السبت 2019/04/13
أقمشة ذات صيت عالمي

صناعة وإنتاج الحرير الطبيعي في سوريا مهنتان موروثتان طرأت عليهما تغييرات أدت إلى تراجعهما مع ظهور الحرير الصناعي الذي غزا الأسواق وأصبح منافسا قويا للحرير الطبيعي، فضلا عن القطع الجائر لأشجار التوت التي تعد ّمصدر الغذاء الرئيسي لليرقة ولاسيما في مناطق الساحل السوري، لذلك تحاول وزارة الزراعة توسيع المساحات المزروعة بأشجار التوت ودعم مربي دودة القز بهدف عودة إنتاج الحرير من جديد.

حماة (سوريا) - في منطقة مصياف، أقامت مديرية سياحة محافظة حماة مؤخرا مهرجان التراث السوري احتفالا برأس السنة السورية (إكيتو)، وتضمنت فعاليات المهرجان معرضا للصناعات التقليدية المحلية شمل الحرير الطبيعي ومراحل إنتاجه وصناعته وحياكة الصنارة والصوف والتطريز.

ويعتبر إكيتو أقدم تقويم عرفته الحضارة الإنسانية ويسبق التقويم الفرعوني بخمسمئة عام، والأول من شهر أبريل هو بداية السنة نظرا لعودة الحياة في فصل الربيع إلى الأرض وإيذانا بقرب موسم الحصاد.

قرية دير ماما في منطقة مصياف من محافظة حماة تعتبر مركزا للحرير الطبيعي، حيث حافظت نساؤها رغم قلتهن على مهنة صناعة الحرير الذي وصلت شهرته إلى خارج حدود سوريا، وبات علامة فارقة في المشغولات اليدوية السورية لزمن طويل.

والمناخ المتوفر في قرية دير ماما يساعد على تهيئة البيئة اللازمة لتربية دودة الحرير من مراحل نشأتها الأولى حتى الوصول إلى مرحلة غزل الخيوط، كما أن الخبرة المتوفرة لدى سيدات المنطقة ساعدت على الحفاظ على هذه الصناعة المهددة بالانقراض.

من الدودة إلى الخيط

قليلات يعرفن أسرار القز والحرير
قليلات يعرفن أسرار القز والحرير

دودة القز هي يرقة من أنواع مختلفة من فراشات الحرير، ويوجد في فمها زوج من الغدد اللعابية المسماة غدد الحرير، وهي تقوم بإفراز سائل صاف لزج يتصلب عند ملامسته للهواء.

وتبدو دودة القز عادة بيضاء اللون مائلة إلى الصفرة وتتغذى على أوراق نبات التوت ذي الثمار البيضاء وتنتج هذه الدودة التي تعيش على أوراق التوت أجود أنواع الحرير.

وعن مراحل صناعة الحرير، قالت يسرا عيد إحدى السيدات اللواتي احترفن تربية دودة القز وحياكة الحرير لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن تربية دودة القز، تبدأ من بذور الشرانق الصغيرة التي تتغذى على ورق التوت لمدة أسبوع، حيث توضع الشرانق في غرفة نظيفة معقمة ومطلية، إضافة إلى المحافظة على درجة حرارة الغرفة التي لا تزيد عن 28 درجة، ونسبة رطوبة لا تقل عن 65 بالمئة.

وأكدت عيد، أن “حدوث أي خلل في هذين المعدلين يؤدي إلى خسارة الشرانق، وأما غذاء دودة القز، ففي الأسبوع الأول يقدم ورق التوت مفروما بشكل ناعم، ليتسنى للشرانق تناوله، وفي الأسابيع التالية نزيد حجم فرم الورق، لأن الدودة تكبر تدريجيا، ويصبح بإمكانها تناوله بحجم وبكميات أكبر، وتبدأ فترة تربية الشرانق بداية من العاشر من شهر أبريل، وتحتاج من أربعين إلى خمسين يوما، لتصبح دودة كبيرة جاهزة للإنتاج وتحمل هذه الشرانق تسميات مختلفة خلال مراحل حياتها مثل الخضرة والمقشة والحمرا”.

وأشارت عيد، إلى أنه بعد عودة مواسير الحرير إليها، تبدأ بغزل خيوطه لتنسج منها أجمل القطع الحريرية من شالات وكنزات ومفارش أسرة وحقائب نسائية، وغيرها من روائع فن صناعة الحرير التي تلائم جميع الأذواق، ومن أهمها المنديل التراثي وهو تراث ريف محافظة حماة واللاذقية ودريكيش.

وأكدت، على أن تربية دودة القز تتطلب رعاية وانتباها بالغين لأن الديدان تحتاج إلى مناخ معين وشروط خاصة من أجل تربيتها، وحدوث أي خلل في شروط التربية يؤدي إلى خسارة الشرانق جميعها لذلك تعتبر تربيتها مغامرة.

وتقول المهندسة راما مخللاتي، إن “ديدان القز تعيش في غرفة جيّة التهوية وخالية من الحشرات ومحكمة الإغلاق، ومع تأمين فتحات التهوية بأغطية ناعمة تمنع مرور الفئران أو الحشرات أو العصافير، ثم توضع الديدان في الصواني المصنوعة من البلاستيك أو الخشب، وترفع عن الأرض بواسطة حوامل خشبية متينة، أو تعلق بالحبال القوية في سقف الغرفة حتى لا تصل إليها الحشرات”.

يذكر أن هناك نوعين للحرير أبيض وأصفر حسب السلالة وفي سوريا، والسلالة الصفراء انقرضت، كما يعد الحرير الطبيعي أساس صناعة أقمشة البروكار والدامسكو والأغباني التي اشتهرت بها سوريا عبر التاريخ.

ويقول المهندس معلا، إن الأمراض التي تتعرض لها دودة الحرير تعود إلى إهمال المربي بالدرجة الأولى حيث ينبغي أن يحافظ على الديدان بعيدة عن بعضها من ناحية، وبعيدة عن الهواء والماء من ناحية أخرى، لأن الكثافة والتلامس يتسببان بأمراض فطرية حيث إن جلدها رقيق جدا ما يؤدي إلى تلف الإنتاج بأكمله.

وأوضحت عيد أنها عشقت مهنة تربية دودة القز وغزل وحياكة الحرير التي أعطتها من نتاج خبرتها لتواكب بها العصر ومتطلباته فهي تسعى دائما لحياكة الجديد من خيوط الحرير مثل الشالات وربطات العنق الناعمة التي تناسب ذوق الشابات إضافة إلى الحلي والتنانير والفساتين فهي تحافظ على مهنتها من الاندثار خاصة بعد أن أصبح محترفوها بعدد أصابع اليد، فهي تراث سوري عريق له بصمته المميزة.

 السيدات يبعن حريرهن بالذراع

الحرير الطبيعي أساس صناعة أقمشة البروكار والدامسكو اللذين اشتهرت بهما سوريا عبر التاريخ
الحرير الطبيعي أساس صناعة أقمشة البروكار والدامسكو اللذين اشتهرت بهما سوريا عبر التاريخ

يتم شراء القماش الأولي المصنوع من الحرير الطبيعي بقيس الذراع وليس بالمتر، وهي عادة قديمة حافظت عليها سيدات دير ماما اللواتي كرسن أيضا لونا وحيدا لمشغولاتهن الحريرية، ألا وهو اللون السكري الناتج عن إدخال نسبة قليلة جدا من مادة الصفيرة التي تحضرها السيدات من سوق الطويل في مدينة حماة على اعتبار أنها المادة الوحيدة التي تثبت على الحرير الطبيعي بعد غلي الخيوط لمدة ثلاث ساعات عقب قطافها حتى تتخلص من قساوتها. وتذكر نائلة محمود المتخصصة بصناعة مشغولات يدوية من الحرير الطبيعي، أن الصفيرة هي مادة كاشفة لجودة الحرير الطبيعي نظرا لعدم إمكانية التصاق الصفيرة بالخيوط في حال لم تكن طبيعية مئة بالمئة.

تقول، “تأتينا طلبيات من محافظات سورية متعددة إضافة إلى توصيات من خارج البلاد رغم ارتفاع أسعار القطع التي تصل إلى عشرين ألف ليرة سورية للقطعة الواحدة تبعا لارتفاع أسعار المواد الأولية”. وأكدت محمود “أهمية حصول السيدات العاملات في هذه الصناعة على الدعم اللازم لاستمرار هذه المهنة التي تعد موردا جيدا لهؤلاء النسوة سواء من خلال مشاركتهن في المعارض أو من خلال تصريف منتجاتهن ضمن منازلهن عبر توصيات خاصة”.

وشددت محمود على ضرورة تعلم الفتيات أصول هذه المهنة لأنها باتت برأيها مهددة بالاندثار لافتة إلى أن “أي سيدة تتقن عمل الكروشيه قادرة على النسج بالحرير الطبيعي والتفنن فيه”.

 متحف الحرير

يحرص أبناء بلدة دير ماما على حفظ صناعة الحرير الطبيعي من الزوال ونقلها إلى أبنائهم وأحفادهم ولهذا الغرض كان متحف الحرير الطبيعي في البلدة مركزا هاما يحافظ على روح الحرفة بكل تفاصيلها وهو الوحيد من نوعه في سوريا.

فكرة إقامة المتحف بحسب صاحبه محمد سعود جاءت لنشر الوعي حول هذه الصناعة التراثية والتعريف بها وحمايتها من الاندثار.

يقول سعود إنه اعتمد على عرض الأدوات التراثية المستخدمة في صناعة الحرير اليدوي بدءا من أدوات تربية دودة القز وانتهاء بنول الحياكة لخيط الحرير، إضافة إلى عرض القطع التراثية كالفخاريات القديمة والأدوات الزراعية التي كانت تستخدم في الماضي، وذلك للحفاظ على حكايات الأجداد وأصالة العادات والتقاليد.

ويعتبر كل من أحمد علي أحمد وجاره علي يوسف الحسن، أن مهنة صناعة الحرير تشكل لهما تراثا تليدا لكونها أمانة منقولة من الآباء والأجداد فهي بنظرهما هوية ورمز أكثر من كونها مشروعا اقتصاديا.

مخاوف مربي دودة القز

نول الحرير يتقاعد
نول الحرير يتقاعد

لم تخف العائلات التي تعمل في تربية دودة القز وصناعة الحرير في بلدة دير ماما الهموم والعقبات التي تعترض هذه الصناعة التي باتت نادرة، وهي تطالب بضرورة الدعم الحكومي وتشجيعها للنهوض بها باعتبارها من أبرز رموز التراث والفولكلور في البلدة، وذلك من خلال زيادة أسعارها وتنظيم المعارض والمهرجانات التراثية بشكل دوري وتوفير البذور.

وقال رئيس مجلس بلدة دير ماما منهل محمد، إن إنتاج الحرير الطبيعي وصناعته اليدوية شهدا تراجعا خلال العقدين الماضيين بشكل ملحوظ بين سكان البلدة، معللا ذلك بانخفاض عدد أشجار التوت التي كان عددها يزيد على عشرات الآلاف بينما لا يتعدى اليوم المئات إضافة إلى ضعف تسويقها.

وأضاف، إن الحرير الطبيعي لا يقل شأنا عن أي عمل تراثي ينبغي الحفاظ عليه، مشيرا إلى أن منتجات الحرير الطبيعي عبر العصور القديمة كانت حكرا على بعض الإمبراطوريات والأمم حيث كان يحظر إفشاء سر إنتاجه إلى درجة أنه يعد من الخيانات العظمى التي يعاقب عليها كل من يخل بها.

وأجمع مربو دودة القز على ضرورة إطلاق حملات ترويج سياحي واقتصادي للحرير الطبيعي المصنع يدويا وإيجاد أسواق التصريف المطلوبة لها لتحقيق المردود الاقتصادي الجيد لمنتجي الحرير.

وقال أحمد خضور، أحد مربي دودة القز في قرية دير ماما، إن إنتاج شرانق الحرير الطبيعي في القرية تراجع خلال العقدين الأخيرين إلى درجة أصبحت تنذر ببدء اندثار هذه المهنة الأصيلة حيث كان إنتاج القرية من الشرانق في تسعينات القرن الماضي يزيد على 8 أطنان، في حين أنه في الوقت الراهن لا يتعدى في أحسن الأحوال 150 كغ من الحرير بسبب انخفاض أعداد أشجار التوت في القرية، إذ لا تتوفر حاليا سوى مئات الأشجار، بينما كان عددها أكثر من 100 ألف شجرة.

وأشار إلى أنه رغم كل هذه الظروف، يلاحظ أن هناك إصرارا من قبل أهالي القرية للحفاظ على استمرار وبقاء هذه المهنة التي تشكل إرثا متجذرا في نفوسهم ووجدانهم لوجود رابط نفسي واجتماعي وتاريخي بينهم وبين شجرة التوت.

وطالب بتشجيع الدولة لأهالي القرية على تربية دودة القز والنهوض بمستوى هذه المهنة التي تعد من أبرز رموز التراث والفلكلور الأصيل للقرية، مضيفا، أنه لا يزال هناك عدد قليل من نساء القرية يشتغلن في نسج الحرير وتصميم العديد من الأزياء التقليدية من المنسوجات الحريرية التي تعبر عن تراث القرية كشال الحرير الذي يعد من أهم الأزياء التراثية لنساء القرية، إذ يستخدم في المناسبات كالأعراس وحفلات الخطوبة، كما تحوك النساء قطعا حريرية ذات أغراض عديدة وهي جميعها من الحرير الخالص الذي تتم حياكته بواسطة صنارة واحدة وبأشكال متعددة حسب الرغبة.

وأمام هذه التغيرات، أطلقت الحكومة السورية في العام 2017 مشروعا تنمويا للحفاظ على هذه المهنة التقليدية العريقة وعملت على توسيع رقعة المساحة المزروعة بأشجار التوت وزيادة الدعم المادي.

وعما تقدمه مديرية زراعة حماة لتشجيع مربي دودة القز ودعمهم، أوضح المهندس فايز هنداوي، أنه تمت مؤخرا زراعة 2800 شجرة توت في مركز تربية الحرير بقرية الكفير بريف مصياف، مبينا أهمية هذه الخطوة في تشجيع وتحفيز تربية دودة القز في المنطقة.

واعتبر هنداوي أن مؤشرات تربية دودة الحرير في المنطقة إيجابية تدفع إلى الانطلاق على نطاق أوسع لهذه الصناعة وتحويلها إلى مشروع اقتصادي وإنتاجي رافد للدخل الأسري.

17