الحياة تقلد الفن

الكائنات التي تنبعث مثل قصيدة أو قطعة موسيقية أو تمثال مرمري ناعم تنتمي في حقيقتها إلى عالم خيالي. ما إن نسعى إلى امتلاكها حتى ندمرها. حرية الفن هي السر الذي يحفظ جماله.
الاثنين 2019/08/19
الجمال جزء من الفن (لوحة: زهير دباغ)

كنت قد حدثتها عن لقاءات تقع إلى جوار الحياة الواقعية. لقاءات هي ليست من الحياة التي نعيشها مباشرة. ربما هي جزء من حياة مجاورة. كما لو أن المرء يتخيّل نفسه وهو يمشي في واحد من دروب الحي اللاتيني بباريس فيلتقي بشلة تتكون من سارتر وجياكومتي وسيمون دي بوفوار ويجلس
على الرصيف معهم لا من أجل أن يسألهم عن أعمالهم بل من أجل أن يتقاسم معهم لذة العيش في لحظة بوهيمية.

تلك واقعة خيالية تشبه إلى حد كبير ما كنت أنا وتلك السيدة الصغيرة قد عشناه ونحن نحاول أن نرتب أحوالنا واقعيا ونفشل.

هل تلتقي الكائنات من أجل أن تخلق واقعا أم أنها تسعى إلى خلق خيال يحثها على أن تذهب إلى آخر الأرض؟ قلت لها “كان عليك أن تحبي نفسك أكثر من أجل أن تكوني الجميلة التي تشبهك”، قالت “اكتفيت بحب الآخرين فاعتقدت أن تلك الجميلة تحملني إليهم”، قلت لها “أخشى أن تختفي كلما رأيت أجنحة صغيرة بيضاء تحيط بك من كل جانب كما لو أنك تهمّين بالتحليق”، ضحكت فأكتسب حرير شفتيها لونا ورديا. هناك كائنات تتألّف من مادة الشعر الخام التي هي ليست الكلمات.

حدّثتها عن رقتها الفائضة التي لا تُحتمل. “ما معنى ذلك؟”، تساءلت من غير أن يبدو عليها أنها لم تفهم ما قصدت. “عليّ إذن أن أقايض واقعيتي بقدر من التنازلات”، كنت أجد ذلك مناسبا من أجل الاستمرار في العيش.

غير أنني تذكرت أن الحياة أحيانا تقلد الفن. فالجمال في جزء كبير منه إنما هو اختراع فني، أطلق من مكان وهمي ليكتسب هيئته الواقعية في الحياة.

قلت لها “ليس المطلوب منك سوى أن تمري بالهواء ليتغير كل شيء من حولك”.

الكائنات التي تنبعث مثل قصيدة أو قطعة موسيقية أو تمثال مرمري ناعم تنتمي في حقيقتها إلى عالم خيالي. ما إن نسعى إلى امتلاكها حتى ندمرها. حرية الفن هي السر الذي يحفظ جماله.

16