الحياة تنبثق من الألوان في مخيم اليرموك بدمشق

لوحات فنية تفترش الركام في انتظار العائدين، وشباب يعيدون اللون إلى منطقة سوداء.
الجمعة 2018/08/24
الفن يلملم جراح الحرب

الفن في زمن الحرب حالة يعبر بها الإنسان عن أوجاعه وآلامه النفسية التي يخلفها الدمار على عكس ما هو سائد بأن الفن يولد في موطن السلام، فالفن في بلدان الحرب متنفس يعبر به الفنان عن مشاعره ويبعث به الحياة في نفوس جعلها الخراب تنظر إلى الغد بسوداوية ومرارة. وفي الفترة الأخيرة ازداد نشاط  فنانين في بلدان من الوطن العربي تشهد حروبا ومعارك بعد أن ازدادت جروحهم وأوجاع شعبهم، لكن ريشتهم لا تهزمها رصاصة أو قصف، فترسم الحياة التي تنبثق من تحت الركام

اليرموك (سوريا) – يضع عبدالله الحارث مسنده الخشبي على بُعد مئة متر فقط من منزله المدمّر، ينظر بتمعن إلى مشهد الخراب حوله قبل أن يحمل ريشته ويبدأ بالرسم على الورقة البيضاء أمامه.. في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق.

وعبدالله هو واحد من اثني عشر رساما آخرين اختاروا أن يحولوا ساحة الحرب السابقة في اليرموك في جنوب دمشق إلى مرسم لهم، في مبادرة أطلقتها منظمة غير حكومية في المخيم الذي مرت عليه معاناة قلّ نظيرها منذ بدء النزاع السوري في العام 2011 من المعارك إلى الحصار المحكم والجوع والنزوح ودخول تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي مايو الماضي، سيطر الجيش السوري على المخيم إثر عملية عسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان طرد الفصائل المعارضة منه في 2015.

وفي شارع ترابي، أمام مبان مدمرة، وضع شبان وشابات أمامهم مساندهم الخشبية وانهمكوا في الرسم؛ أحدهم اختار أن يطغى اللون الرمادي على لوحته التي تظهر فيها ملامح شخص، وأخرى وقفت أمام ورقتها البيضاء تتأمل فيها قبل أن تحمل قلمها الرصاص وتبدأ بتنفيذ فكرتها.

ويقول عبدالله (21 عاما)، الطالب في كلية الفنون الجميلة والنازح من مخيم اليرموك قبل سنوات، “شعرتُ بغصّة كبيرة حين دخلت إلى المخيم للمرة الأولى”. ويضيف “في البداية، لم تطاوعني يدي لرسم أي شيء، لكنّي لاحقا أدركتُ أن أي حياة بين كل هذا الموت هي انتصار لإرادة البقاء مقابل الفناء.. نحن نعيدُ اللون إلى منطقة سوداء”.

ينظر الشاب إلى مشهد الدمار من حوله، يشرد قليلا قبل أن يصب جام تركيزه على اللوحة أمامه والتي أنهاها خلال ثلاثة أيام، وهي عبارة عن طفل يبدو وكأنه يخرج من الأرض ويمسك بيديه تفاحة حمراء.

ويشرح عبدالله “إنها إشارة إلى الحياة المنبثقة من جديد، وأنا رأيت هذه الصورة على أرض الواقع، شاهدت أطفالا يحملون التفاح ويلعبون في ساحات الحرب”.

ورسم أحدهم امرأة تحمل طفلا وآخر اختار أن يظهر المعاناة من خلال شخص نحيل البنية يبدو مكوّما على نفسه، وعاد ثالث بالزمن إلى الوراء في لوحة تظهر أبنية وشارعا مضيئا توحي وكأنها المخيم ما قبل الحرب.

ويعد اليرموك أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، وكان يعيش فيه قبل اندلاع النزاع 160 ألف شخص بينهم سوريون، لكن الحرب، التي وصلت إلى المخيم في العام 2012 وعرضته للحصار والدمار، أجبرت سكانه على الفرار.

وفي بداية العام 2014، نشرت الأمم المتحدة صورة، تعتبر حتى الآن من أكثر الصور تعبيرا عن مآسي المدنيين في سوريا، وتظهر حشودا ضخمة تخرج سيرا على الأقدام بين الأبنية المدمرة في اليرموك بانتظار الحصول على المساعدات.

ألوان وسط الدمار
ألوان وسط الدمار 

وبعد أشهر على استعادة الجيش السوري المخيم إلى جانب أحياء أخرى في جنوب دمشق، أطلقت جمعية “نور” الخيرية مبادرة أطلقت عليها اسم “عشب” وهو اسم وفق ما يقول المسؤول في المنظمة مصطفى أبوالجدايل استوحته من فكرة أن “الحياة تولد مرة أخرى وسط الركام، كما ينمو العشب وسط الصخور”.

وبعد أسبوع من العمل، جرى عرض اللوحات في الـ18 من أغسطس عند مدخل المخيم. واختارت هناية كببي (22 عاما) أن ترسم طفلا فقد عينه وبدلا منها وضع على وجهه ورقة رسم عليها صورة عين.

وتقول الشابة التي اتسخت ثيابها بالألوان “على كل منا أن يقوم بواجبه ومهمّته، النجّار يصلح الأبواب والحداد يُعيد توصيل الأنابيب وأنا أقوم بعملي وأرسم”.

وكُل ما تريده هناية هو أن تستقبل “الناس العائدين يوما ما بالألوان بدل الخراب”.ولا تزال آثار الدبابات الضخمة بادية على الطريق الترابي حيث تجمع الفنانون وتنتشر على الأرض من كل ناحية فوارغ الرصاص وبقايا القذائف.

وباستثناء الرسامين، بدا المكان خاليا من أي مدني.

وكانت الأمم المتحدة أعلنت بعد استعادة الجيش السيطرة على المخيم أن عودة السكان إليه صعبة جدا مع غياب كامل للبنى التحتية من مياه وكهرباء ومنشآت صحية وخدمات أساسية.

وقال المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كريس غانيس وقتها، “اليرموك اليوم غارق في الدمار، ويكاد لم يسلم أي منزل من الدمار (…) وفي أجواء مماثلة، من الصعب تخيل كيف يمكن للناس العودة”.

وانتقد البعض على وسائل التواصل الاجتماعي مبادرة الرسامين، معتبرين أنها “تستفز” مشاعر السكان الذين لم يتمكنوا حتى اللحظة من العودة والاطمئنان على منازلهم.

وتقول عبير عبّاسيّة (28 عاما)، بعدما شاهدت صورا من المعرض على فيسبوك، “المخيم ليس مكانا رومانسيا أو مساحة رسم، هذا المكان مركز ألم ووجع”.

وتضيف “يا حبّذا لو يُسمح للأهالي بالعودة إلى منازلهم كما سُمح لهؤلاء الرسّامين بالدخول والرسم”.

أما محمد جلبوط، ابن المخيم وأحد المشرفين على المبادرة، فيصر على أن الهدف هو ضخ بعض الحياة في الدمار وإن كان عبر اللوحات فقط.

ويقول “جميعنا لدينا منازل هنا، أنا لم أدخل إلى منزلي بعد ولا أستطيع معاينته، لكن نحاول بالفن على الأقل أن نعيد شيئا من الحياة إلى هذا المكان”.

20