الحياة.. حقيبة سفر

السبت 2016/08/20

يداعب حلم السفر والسياحة بين بلدان العالم المختلفة خيال الكثير من الناس، بعضهم يجد متسعا من الوقت والمال لتحقيق مثل هذا الحلم والبعض الآخر يولد ويموت، من دون أن يغادر حتى مسقط رأسه.

لكن السيدة روث جونستون، تخطت حاجز الحلم في ما يتعلق بالرحلات والسفر إلى بلدان العالم المختلفة وحوّلته إلى أسلوب حياة مبتكر، يشاركها فيه صغيرها البالغ من العمر أحد عشر عاما، الذي ترك المدرسة في أستراليا منذ أربعة أعوام والتحق بوالدته في رحلات مستمرة حول العالم، تمكنا فيها من زيارة 65 بلدا حتى الآن.

تبلغ روث 54 عاما، وكانت قد باعت كل ما تملك من حطام الدنيا، بما فيها منزل كبير كانت تسميه منزل الأحلام الذي شيدته من خلال رحلة عمل طويلة، لتنقل وحيدها من مقاعد الدراسة التقليدية إلى مدرسة الحياة الكبيرة، لينهل من تجارب يعايشها وسيعيشها خلال تنقله في بلدان العالم المختلفة؛ فبدلا من درس الجغرافيا يستطيع لويس الصغير أن يخطو بنفسه على خرائط طبيعية، ويرى بأم عينه الجبال والوديان والحقول والأنهار التي مازال زملاؤه في المدرسة يمعنون النظر في خيال رسومها، بالاستعانة بخرائط صماء موضوعة على لوحة الصف، أما درس التاريخ الحقيقي الذي تحرص الأم على تعليمه لولدها فيكمن في الاحتكاك بسكان البلدان التي يزورونها، للتعرف إلى حياة الناس واستشفاف ماضيهم ومشاركتهم تجاربهم في العيش وعلاقاتهم الاجتماعية.

تعتقد الأم بأن لويس يمكنه أن يتعلم من السفر ضعف ما كان يمكنه تعلمه من خلال جلوسه على مقاعد الدراسة، والاستماع إلى دروس نظرية لا علاقة تربطها بنبض الحياة الطبيعي الذي يكمن في الاقتراب من الناس واقتناص الدروس من التجارب الحية على أرض الواقع.

حرصت الأم، منذ بداية رحلة قافلتها عبر العالم، على الاقتصاد في الإنفاق ليتسنى لها وطفلها زيارة أكبر عدد من بلدان العالم بما يتناسب مع ما تمتلكه من أموال جمعتها طوال سنوات عملها، فإلى جانب تذاكر الطائرات، كانت تنفق في اليوم قرابة 25 دولارا لا غير، وهو من وجهة نظرها مبلغ معقول للطعام والمبيت لشخصين في أي مكان من العالم.

رزقت جونستون بطفلها الوحيد هذا في مرحلة متأخرة من حياتها، بسبب انشغالها بالعمل وتحقيق المكاسب المادية، وهذا العمل أيضا هو ما منعها من قضاء وقت أطول مع صغيرها في سنوات طفولته المبكرة، وهي تحاول الآن تعويضه عما فاته من وقت ليستمتع برعايتها وحنانها مجددا، ولأنها تشعر بالضيق كلما تذكرت السنوات الطويلة التي أهدرتها في السعي وراء سراب الحياة المترفة وتأمين المستقبل؛ فالمستقبل بالنسبة إليها هو أن تغرس حب الترحال وأن تكسب وحيدها تجارب مبكرة ومختلفة في الحياة، لتقيه شرورها في ما بعد.

زارت الأم وطفلها، ضمن جولتها، العديد من عواصم العالم المتقدمة لكنها عرجت على البعض من مدن وقرى العالم المنسية، لتطلعه على الوجه الآخر لهذا العالم الذي يعج بالفقراء والمعدمين، لهذا وبعد أن باعت ممتلكاتها واحتفظت ببعض التذكارات العائلية البسيطة، أوصت لويس بأن يحتفظ بألعابه ليهديها في ما بعد لأطفال هذه القرى التي لا تطالها إنسانية العالم المتحضر. تقول الأم “عندما حزمنا حقائبنا أول الأمر، جمعنا لعب ودمى طفلي وكان في عمر السابعة في حينها، فكانت وجهتنا الأولى فيجي حيث أهدى الصغير لعبه إلى الأطفال الفقراء المعدمين، وكان وجهه يشرق بابتسامة جميلة، لن أنساها ما حييت”.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21