الحياة دون تكنولوجيا

يرى الكثيرون بأن للتكنولوجيا ضررا بليغا على البشر والبيئة على حدّ سواء. وعلى الجانب الآخر فإن التكنولوجيا المتقدمة تلعب دورا كبيرا في مجالات حيوية في الحياة البشرية، ولكن كيف ستكون حياتنا من دون تكنولوجيا؟
الاثنين 2017/01/16
التكنولوجيا تفرق شمل العائلة

رغم أن البشر لم يمتلكوا من الإمكانيات الجسدية ما يميزهم كثيرا عن الكائنات الحية الأخرى، فلا يتميزون بالقوة العضلية التي يتمتع بها الغوريلا، ولا يمتلكون سرعة الحيوانات المفترسة ولا قدرتها على اقتفاء أثر فرائسها، إلا أنهم تمكنوا خلال ما يقل عن مئتي ألف سنة من استعمار الكوكب وتطويع كل إمكاناته لفائدة أغراضهم.

قد تبدو الحياة البشرية اليوم سهلة ويسيرة لكن مجرد تخيل ما كانت عليه في العصور البدائية الأولى يبدو مرعبا وقاسيا. كيف استطاع هذا الكائن الضعيف أن يتغلب على صعاب الحياة ويؤمن لقمة العيش لصغاره ويقيهم خطر الكواسر والوحوش في بيئة لا ترحم العاجز؟ الجواب هو في تجويف جماجمنا! نعم إنه الدماغ الكبير نسبيا، فرغم أن البشر لا يملكون قدرة النسور على التحليق والرؤية عن بعد، ولا سرعة الفهود أو قوة مخالبها، لكنهم تفوقوا تحت نفس الظروف وفي نفس البيئة على كليهما، بل وعلى كائنات أكثر خطرا منهما أيضا.

قد تصلح هذه المقدمة حكاية تسرد قبل النوم للأطفال، فهي تدعو إلى تحكيم العقل واستخدامه، لكن الغرض منها هنا هو تذكير من يعتقدون بأن الحياة البشرية قد تكون أكثر يُسرا وصحة من دون التكنولوجيا المعاصرة منها والقديمة ربما، بمدى خطأ ما يعتقدونه.

يجادل الكثيرون في أن التكنولوجيا المعاصرة هي آفة تأكل صحة البشر ووقتهم فضلا عن علاقاتهم الاجتماعية. متناسين بذلك كيف ساهمت هذه التكنولوجيا نفسها في إنقاذ البشر من الانقراض طيلة المئتي ألف عام السابقة بكل ما فيها من صعوبات طبيعية ومناخية جمّة.

الادّعاء بأن البشر يمكنهم العيش في رفاه أكثر من دون تكنولوجيا هو بمثابة الادّعاء بأن الحيوانات المفترسة ستعيش حياة أفضل لو كفت عن الافتراس أو أن النباتات ستزداد خضرة لو كفت عن استخدام البناء الضوئي لتوفير غذائها. قد يبدو هذا تشبيها متطرفا ومغاليا لكنه صحيح وواقعي. فكيف لمن يعيش في صحارى تصل درجة الحرارة فيها صيفا إلى أكثر من نصف درجة الغليان أن ينجو من دون أجهزة التبريد والكهرباء التي تشغلها؟ بل كيف من الممكن توفير الغذاء لما يربو على سبعة مليارات إنسان يعيش على سطح الكوكب من دون تكنولوجيا التعديل الجيني وغيرها؟

وفي حين تطورت أغلب الكائنات الحية لتستطيع التغلب على ما يصادفها من عقبات طبيعية، تطوّر البشر ليلتفوا على هذه العقبات باستخدام عقولهم؛ فلسنا بحاجة إلى جناحي الطائر كي نطير ولا إلى عضلات الحصان كي نتنقل بسرعة، نحن نمتلك ما يستطيع أن يوفر لنا الوسيلة التي تمكننا من الأمرين في آن واحد، وهو القدرة على الابتكار.

ساعات العمل تقلصت ونوعيته تحسنت فيما حافظ معدل الدخل على النمو، والفضل يعود إلى التكنولوجيا

لنعد أدراجنا

قد تكون عبارة “لنعد أدراجنا” العنوان الأنسب لمقال مارك بويل المنشور مؤخرا في صحيفة الغادرين البريطانية في 19 ديسمبر، بدل العنوان الذي وضعه “التكنولوجيا مُضرة للناس والبيئة”، أنا أرفضه. فالمقال لا يعدو أكثر من دعوة إلى نبذ كل رفاهية الحياة الحديثة والعودة إلى نمط حياة بدائية يخلو من أي تكنولوجيا معقدة مثل الكهرباء أو الإنترنت. فقد اختار الكاتب أن يقاطع التكنولوجيا واعدا قراءه بأنه لن يطلع على ردود الأفعال على مقاله، الذي هاجم فيه نمط الحياة الحديثة بصورة مبالغ بها، لأنه سيكون بعيدا عن كل وسائل التواصل الإلكتروني.

بويل في مقاله المذكور عرض عدة آثار سلبية للتكنولوجيا في حياة البشر. مع إهمال واضح لذكر أيّ إحصاءات أو أرقام أو أدلة تثبت ما يدّعيه، بل على العكس إن بعض ما ذكره يتعارض تماما مع الواقع. فهو يدّعي أن التطور الصناعي سبب في انتشار أمراض خطيرة مثل السرطانات وغيرها. مع العلم أن مسألة الربط بين تدهور الصحة العامة والتطور التكنولوجي والصناعي هي مغالطة واضحة تكذبها الإحصاءات الرسمية المُعتمدة.

فضلا عن الصحة فإن بويل يربط بين التطور التكنولوجي وتدهور العلاقات الاجتماعية أو الراحة والسعادة النفسية للأشخاص. باختصار فإن ما يحاول الكاتب الوصول إليه في مقاله هو أنه بإزالة التكنولوجيا ستغدو حياتنا جنة. فهل فعلا للتكنولوجيا، والعلوم من خلفها، هذا الدور السلبي في تدمير كل ما حولنا؟

وترتبط مثل هكذا دعوات إلى نبذ التطور التكنولوجي عادة بمعاداة كل مظاهر الحياة الحديثة واعتبارها نقمة وكابوسا على البشرية أن تصحو منه. في الوقت عينه يغفل أصحاب هذه الدعوات المتطرفة وغير العقلانية صعوبة إعالة الكم الهائل من البشر الذي يعيش على سطح الكوكب دون استخدام تطبيقات العلم الحديث.

تحديات المستقبل

من السذاجة نكران أن البشر بأنشطتهم المختلفة يسهمون في تدمير البيئة من حولهم ويسرّعون في وتيرة التغيّر المناخي الذي قد يقود في النهاية إلى انقراض معظم أشكال الحياة على سطح الأرض. لكن وفي نفس الوقت، من السذاجة الادّعاء بأن حل هذه المشكلات يكمن في التخلي عن تلك الأدوات القوية والفعالة التي زوّدنا بها العلم والتكنولوجيا.

قد يكون نمط الحياة التي أوجدها التطور العلمي قد ساهم في إبراز مشكلات جديدة للوجود، وفي نفس الوقت فإن محاولة حل هذه المشكلات من دون العلم نفسه هو ضرب من الجنون، كما يعتقد هنري بوانكاريه، فيلسوف مجال العلوم الشهير الذي ينتمي إلى حقبة نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

في المقابل فإن العلوم ساهمت بفاعلية كبيرة في حل مشكلات أخرى سهلت من نمط الحياة الذي نعيشه لينعكس على معدل أعمار البشر الذي لم يكن يتجاوز الأربعين عاما قبل ثلاثمئة سنة فيما يصل اليوم في بعض البلدان إلى حدود التسعين عاما، وكل هذا بفضل العلم والتكنولوجيا المعقدة التي يرفضها مارك بويل. الكثير من الأمراض والحالات الطارئة مثل الولادة أو الحروق الشديدة أو الجروح الملوثة كانت تؤدي بأصحابها إلى الوفاة لولا استخدام التكنولوجيا في معالجتها.

العلوم ومجالات التكنولوجيا تحمل درعها الحامي معها، فإن كنت لا تودّ استخدامها، جرّب فقط أن تتخلّى عنها، فلن يستمع إليك أحد، وستقضي في كوخك المعزول عن العالم

بل حتى السرطان، الذي يرمي بويل بسبب ظهوره على التكنولوجيا الحديثة متناسيا الأسباب الجينية للكثير من أنواع السرطانات، تصل اليوم نسبة علاجه الناجع إلى أرقام مطمئنة حقا. وقد يأتي قريبا ذلك اليوم الذي يكون فيه علاج السرطان بنفس سهولة علاج الأنفلونزا.

ليس الطب وحده من شهد قفزة بسبب العلم، فساعات العمل تقلصت كثيرا، فيما معدل الدخل حافظ على نموّه المطرد كما يفيد ستيفن لاندسبرج، وهو اقتصادي أميركي، في كتابه تحدي البديهة. وفضلا عن الكمّ فإن نوعية الأعمال التي أصبح البشر مطالبين بالقيام بها تغيّرت كثيرا وأصبحت مريحة أكثر. وحتى في مجال التواصل فإن شبكات التواصل الحديثة تربط بين الأصدقاء المنتشرين في بقاع بعيدة على الأرض، هذا غير الدور الذي تؤمّنه في عملية التفاعل الثقافي.

نحن كائنات تطوّرنا لنبتكر، وما يميزنا تطوريا الابتكار والقدرة على حل المشكلات، وهما اللذان مكنانا من التفوق على نظرائنا من الكائنات الحية قبل مئتي ألف عام ولا تزال هذه العملية من الابتكار المنظم، والتي ندعوها العلم، تنتج لنا تكنولوجيا تسهل حياتنا وتعالج مشكلاتنا الملحة. نعم قد تقودنا هذه العملية إلى خلق بعض المشكلات الجديدة والتي هي بدورها قابلة للحل عن طريق نفس العملية العلمية.

في المقابل فإن الدعوات إلى التخلي عن هذه العملية ونتاجاتها والعودة إلى حياة بدائية هي محاولات يائسة لوضع العصا في دولاب عجلة التقدم. بل إن المثير للسخرية هو أن ناشري هذه الأفكار أنفسهم يستخدمون التكنولوجيا الحديثة لنشرها، وما نشر مارك بويل لمقاله على الصفحات الإلكترونية لصحيفة الغادرين إلا تأكيدا لهذا الرأي.

الحقيقة أن العلوم ومجالات التكنولوجيا تحمل درعها الحامي معها، فإن كنت لا تودّ استخدامها، جرّب فقط أن تتخلّى عنها، فلن يستمع إليك أحد، وستقضي في كوخك المعزول عن العالم، وتبقى تعاني من عدم توفر مستلزمات المعيشة، فتضطرّ للقيام بأعمال منزلية لم يعد البشر مضطرّين للقيام بها منذ ما يزيد عن مئتي عام، وإن كانت التكنولوجيا المعقدة سيئة فعلا فاتركها، لكن لا تحاول أن تستخدم الفأس الذي وضعته بيمينك لهدمها.

كاتب عراقي

12