الحياة في الأربعين.. متاعب أكثر وخيارات أوسع

الجمعة 2013/12/06
مميزات سن الأربعين ازدياد الثقة بالنفس

القاهرة- "الحياة تبدأ في الأربعين" يرددها الرجال في الغالب، ويتخذها بعضهم دليلا على بلوغ مرحلة النضج وكمال الفهم والإدراك، ناظرين إلى بدء علامات الشيخوخة بواقعية باعتبارها رمزا للوقار والرجولة والأهلية لتحمل الأعباء والمسؤوليات، بينما تعم علامات البؤس والتشاؤم دنيا آخرين معتبرين أن مرحلة الأربعينات ما هي إلا بداية النهاية وبدء العد التنازلي لمرحلة الضمور والاندثار.

يطلق البعض العنان لمخيلته لتتفتق عن أفكار وتأملات فلسفية، سلبا أو إيجابا، فيقول البعض أن الأربعين تعني تلك الفترة من العمر التي يزدهر فيها عطاء الإنسان ونظرته إلى الكون والوجود والحياة والمستقبل والمصير، وعلى العكس من ذلك يعتبر آخرون أنها ليست سوى المرحلة التي تموت فيها الأحلام وتكتسب فيها الحقيقة أنيابا تعض، فهل مثل هذه النظرة السوداوية هي نظرة صادقة إلى حياة المرء عندما تتحول من الثلاثينات الحافلة بالعنفوان إلى الأربعينات المليئة بالضمور والانحطاط.

يقول الدكتور مرسي إبراهيم استشاري الطب النفسي في جامعة القاهرة: يدرك معظم الناس لأول مرة أنهم لم يعودوا شبابا بقوتهم نفسها عندما يدخلون الأربعينات من أعمارهم، وتصحب سنوات هذه الحقبة من العمر عادة ظواهر مثل ظهور علامات الشيب في الرأس وتدلي البطن فوق الحزام وضعف البصر وضعف الذاكرة. ويعتبر بلوغ الأربعين من عمر الرجل نقطة تحول في حياته على أكثر من صعيد ولها آثار وتداعيات سلبية وإيجابية ليس عليه شخصيا فحسب بل على المجتمع ككل.

وليست كل الظواهر المصاحبة لبلوغ هذه السن مدعاة للكآبة والقلق والشعور بأنها إيذان ببداية النهاية، فبالإضافة إلى ما تقدم ذكره من علامات الشيخوخة والكبر، هناك أيضا أخبار سارة تحملها في طياتها مرحلة الأربعينات، فاليوم يعتبر من هم في سن الأربعين أوفر صحة من آبائهم عندما كانوا في نفس العمر.

ويضيف الدكتور مرسي، تتفاوت نظرة الناس إلى الحياة والمستقبل والمصير عند بلوغهم الأربعين اختلافا كبيرا بفعل اختلافاتهم في تصوراتهم للوجود وخلفياتهم الدينية والاجتماعية والثقافية والقيم والنظم المعرفية التي يعيشون في ظلها والمرجعيات التي يرجعون إليها في فلسفات حياتهم ووجودهم، والتي تختلف باختلاف البلدان والانتماءات الحضارية والتاريخية والتراثية.

وفي رأي الدكتور محمد علي أستاذ الصحة النفسية والاستشارة السيكولوجية بجامعة القاهرة، أنه بإمكان معظم الذين هم في الأربعينات من العمر استثمار قدرتهم على التركيز على المهمة التي هم بصدد إنجازها للتعويض على ما قد أفقدتهم السنون من سرعة وميزات كانوا يتميزون بها عمن هم أصغر منهم سنا.

والطريقة المثلى لهم في ذلك هي تجنب القيام بعدة أعمال في آن واحد، مثل محاولة تصفح صفحات الإنترنت والحديث على الهاتف وتسديد القوائم، كلها في وقت واحد، لأن الإنسان في هذا العمر لا يستطيع موازنة كرات عديدة، والإمساك بها وهي في الهواء كما كان يفعل من قبل، كما يقولون.
تتفاوت نظرة الناس إلى الحياة والمستقبل والمصير عند بلوغهم الأربعين تفاوتا كبيرا بفعل اختلافاتهم في تصوراتهم للوجود

ويقول الدكتور سمير كمال أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، يجد معظم الناس أنفسهم أمام تحديات أعمق أثرا وأكثر جوهرية يتعرضون لها في الأربعينات من أعمارهم أكثر من أي وقت مضى من حياتهم. وهم، إلى جانب مواجهتهم لما هو أكثر مما تعرض له جيل آبائهم عندما كانوا في نفس العمر، يملكون في الوقت نفسه خيارات أكثر من تلك التي كانت متاحة لآبائهم. ويعتبر هذا في الكثير من جوانبه إحدى مفارقات الحياة لمن هم في الأربعينات من عمرهم.

وربما يكون الإجهاد النفسي للعديد منهم كبيرا جدا ويتعرض له الأربعينيون الآن أكثر من أي وقت مضى ويقترن هذا الإجهاد بوضع الزوجين من حيث عملهما معا أو اقتصار العمل على الزوج فقط. ففي البلدان المتقدمة التي غالبا ما يتم القياس بها وحيث تعمل النساء بأعداد أكبر من البلدان النامية، خلقت زيادة ساعات العمل للنساء مشاكل في البيت، في الولايات المتحدة مثلا قفز معدل ساعات العمل الأسبوعية للنساء من 18 ساعة إلى 28 ساعة.

وبذلك يفقد كل من الزوجين العاملين أعصابه وينزعج كلما سارت الأمور على غير ما يرام في العمل، على حد تعبير مؤلفة أميركية معنية بشؤون الكتابة عن العمر وعلاقته بالعمل.

ومن مميزات سن الأربعين ازدياد الثقة بالنفس وبلوغ قمة الاستعداد للعطاء والتعامل مع الحياة بنضج وإدراك عميق، وهي مرحلة النمو الشخصي للإنسان لاكتمال الاستعداد لتقييم القدرات والخبرات الشخصية على أسس أكثر واقعية.

وتزداد خبرات الكثيرين على أنهم أصبحوا في هذه السن من أصحاب القلوب التي عرفت الكثير من التجارب والمعاناة، ولكنها في الوقت نفسه صارت أكثر تفتحا، وهم كذلك أكثر قدرة على الإيفاء بالتزاماتهم تجاه أنفسهم والآخرين.

ويؤكد الدكتور سمير كمال، أن بياض الشعر وآلام الظهر ودخول مرحلة الأربعينات ليست هي كل القواسم المشتركة التي تجمع بينك وبين من حققوا النجاح والشهرة في حياتهم من مليونيرات أو نجوم رياضة سابقين أو ما شابه، فهناك مشتركات أخرى مثل القلق من احتمال الطرد من العمل أو الإقصاء ليحل محلك من هو أصغر سنا أو أكثر شبابا وقوة.

ويمكن للأربعينيين أن يستغلوا قدراتهم وحصيلة تجاربهم وتطور مستوى الوعي عندهم واستعدادهم للانضباط والتفكير بنضج ووضوح أكثر ليتحولوا إلى مجالات أخرى جديدة ويمكنهم زيادة فرصهم في ذلك بالاستفادة من تطور وسائل التقنيات مثلا وفرص الدراسة بالمراسلة وغيرها لتطوير معارفهم وثقافتهم وتحصيلهم العلمي مما سيعزز بلا شك فرص نجاحهم وتقدمهم في الحياة. أثبتت تجارب الشعوب وشواهد التاريخ أن عطاء العظماء بلغ أوجه عند العديد منهم في مرحلة الأربعين من العمر.

21