الحياة قصيرة جدا

السبت 2017/01/14

وصلتني بالأمس نصيحة مستعجلة على الواتساب، تتحدث عن السكتة الدماغية التي تحدث في الحمّام!

طبعا لم أهتم بتفاصيل حدوث الذبحة القلبية والدقائق التي تفصل بينها وبين الموت وكيفية تلافيها، في الأقل قبل بلوغ الستين، لكن ما أثار فضولي أن المعلومة تقول بأن غسل الرأس والشعر عند بداية الاستحمام أمر خاطئ، لأنه يجعل الجسد يعمل بجهد كبير في محاولة يائسة لتعديل درجة حرارته بشكل سريع، الأمر الذي يتسبب في صعود الدم إلى الدماغ بسرعة كبيرة، ما يؤدي إلى تكسير وتمزيق الشرايين، وهو ما يتسبب في حدوث الذبحة، لهذا يفضل عند البدء بالاستحمام غمر الجسد بالماء قبل الرأس لتتوزع الحرارة تدريجيا بين أجزاء الجسم فالرأس.

أما النصيحة الثانية فكانت تقول: إذا رغبت بأن تكون سعيدا، رائق البال فعليك أن تجلس صامتا لمدة 10 دقائق يوميا وتخصص بعض الوقت للمشي وأنت مبتسم، وأحرص على أن تجعل ثلاثة أشخاص يبتسمون بسببك يوميا! أما النصيحة الذهبية فشددت على أهمية نسيان جميع المشاكل وعدم أخذ الأمور على محمل الجد.

يصل هذا النوع من الرسائل إلى كل من يمتلك هاتفا ذكيا يفعّل برامج دردشة من هذا النوع، لكن هذه الرسائل أيضا تكشف عن صنفين من البشر؛ صنف يطالعها باهتمام فيخاف من الاستحمام بالطريقة البدائية القديمة، كما يحاول مخلصا الالتزام بالنصائح الذهبية والابتعاد عن التفكير في ما يعكر مزاجه ويحرص على ألا يأخذ الأمور بجدية، أما الصنف الآخر الذي لا يتاح له أن يتصفح جميع الرسائل، فهو الذي يموت مصادفة في تفجير انتحاري وهو ذاهب لشراء طعام لأبنائه أو يذبح كالشاة بين أهله وعشيرته، لمجرد أن مزاج مسخ غريب قادم من خلف الحدود لم يستحم منذ دهور، قرر ترحيله إلى العالم الآخر نيابة عن الإرادة الإلهية، بقسوة متناهية تحسده عليها وحوش الغابة.

صنفان من البشر، فيهما من كان يشغله الاستماع إلى نصائح سخيفة فأضاع أوقاتا ثمينة في الخوف من مجهول لا وجود له، ونسي بأن الحياة قصيرة جدا وبأن الموت سيأتيه يوما ما مشرعا أجنحة جبروته على الرغم من محاولاته المخلصة لتلافي الذبحة القلبية في الحمّام! وفيهما، من أضاعوا أوقاتا ثمينة في رسم أحلام وتأطيرها بالأمنيات من دون أن يدركوا بأن الحياة قصيرة جدا، وأن الرحيل مقرر والموت كائن بارد ولزج سيقف لهم يوما على مرمى صدفة فيشرّع أجنحة جبروته، على الرغم من محاولاتهم المخلصة في تقصي آثار الحلم.

الحياة قصيرة جدا، أقصر من حلم صبي يلتحف شتاء خوفه على رصيف بغدادي بارد ويطالع نظرات العابرين بغير اكتراث. صبي لم يمهله القدر الاستماع إلى نصائح أبوين ميتين ولم يحلم بامتلاك هاتف ذكي، يمطره بنصائح إلكترونية تحذره من الاستحمام الخاطئ وأخذ الأمور على محمل الجد.

الحياة قصيرة جدا، أقصر من حسرتنا ونحن نراقب ضعف هذا الطفل وقلة حيلته ولا نملك لعذاباته سوى صداع فاتر وشعور طفيف بالذنب، سرعان ما يتلاشى بعد أول رشفة من فنجان قهوتنا الصباحية.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21