الحياة لمن يستحق الحياة

الخميس 2016/07/14

فكرت لوهلة في أن أكتب عن حجم الكراهية والشر والدم الذي يلوث العالم في هذه الأيام التي يفترض بها أن تكون أياما سعيدة، عن القتلى الذين يسقطون في المدن العربية، والتفجيرات التي تستهدف مقدسات المسلمين وإيمانهم وسلامهم وتفسد عليهم فرحتهم بالعيد والنجاح والصيف. غير أن سؤالا بقي عالقا في ذهني طوال الوقت: إنهم يلوثون كل شيء فلماذا نمنحهم فرصة إضافية ليلوثوا مقالاتنا أيضا، ووقتنا، وأفكارنا؟ إنها أيام للمحبة والفرح، وستظل كذلك ما دمنا نقاوم كرههم للحياة بتشبثنا بها، وإفسادهم للفرحة بالإصرار عليها، وحقدهم على الجمال بالتزين بكل ما هو جميل.

جميعنا يعرف أن قيم الحب والكراهية والموت والحياة والسلام والحرب تعيش بنقيضها، أي كلما اشتد الكره زادت المحبة، وكلما تفشى الموت توسعت الحياة، وكلما انتشر الشر عم الخير أرجاء العالم.

كونوا بخير إذن، الخير الذي نريده ونصر عليه لأنه حبل النجاة، ولأنه المركب الذي سينقلنا من عالم يغرق إلى عالم أكثر أمانا. كونوا بخير في أيام يفترض بها السعادة، عن سابق إصرار وترصد، تزينوا أكثر، ابتسموا أكثر، ارقصوا أكثر، وأحبوا بعضكم بعضا أكثر. وتذكروا أن الهدية واجبة، وأن الضحكة هدية، والكلمة الطيبة هدية، والطبطبة هدية، والتزاور هدية، والصدق هدية، والمحبة هدية، والغفران هدية، والتواصل هدية، وتذكروا دائما أن قيمة الشيء ليست فيه، بل فينا، في رؤيتنا لما نملك وتثميننا له، فالبيوت مهما فقرت فهي غنية بالحب والاطمئنان والسعادة، والأسقف مهما تهاوت وتدنت فهي عالية بأحلامنا ورؤانا وتطلعنا إلى ما هو أجمل وأفضل، والطريق مهما قصرت وضاقت فهي واسعة بالرحمة التي في قلوبنا وممتدة بالصبر والاحتمال والتضحية.

كل عام وأنتم تقاومون الكره بالمحبة، والشر بالخير، والموت بالحياة. قاوموا بقدر اتساع بسمتكم، وتماسك أضلعكم، قاوموا بشدة وإصرار، بقتال حقيقي بين من يكره نفسه ومن يعليها، من يعودها على الحقد ومن يعلمها التسامي والتسامح، من يربي ابنا ليكون ذخرا وفخرا، ومن يربي ابنا ليفجر نفسه فيقتل ويُقتل.

افرحوا واستمتعوا بوقتكم، فالفرحة هي السلاح الذي سنقاوم به الظلم والفساد والخراب، وهي الدرع التي سترد عنا رصاصة الحقد والكراهية، والموت.

كل عام وأنتم بخير إذن، خير حقيقي، صادق، باد على الوجوه والملابس، والبيوت والشوارع، خير فاضح، صارخ يعمي عيونهم ويشل قلوبهم. تماسوا، تلاصقوا، من بجانبه زوجة فليحضنها، لأنها بخير، ومن ينعزل ابنه أو ابنته في غرفته فليدق عليه الباب ويدخل ليقبله ويحضنه، ومن له حبيب غائب فليتصل به، ومن على خصام مع أحد أفراد أسرته فليبدأ بالصلح، ومن يفتقد عزيزا ميتا فليشعل لأجله شمعة، لأنه بخير أيضا ويعيش في قلبه آمنا. كونوا بخير جدا، بخير حقيقي، بخير صارخ يصل إلى آذانهم فيصمها.

دعوهم يموتون متفحمين، متفجرين، وعيشوا أنتم، عيشوا عيشة مضاعفة، من أجلكم، ومن أجل من أسقطوهم، من أجل الحيوات التي قطفوها باكرا فطارت في الهواء تبحث عن قلب يحتضنها.

الصيف للبهجة، ولن يغيروا منه شيئا، سيظل للبهجة، والحياة لمن يستحقها، لمن يمنحها وجهه الأفضل، فتدربوا على الحياة أمام مراياكم كل صباح، تدربوا على البسمة الصادقة، واللمعة الرشيقة، على الجبين العالي، والوردة اليانعة على الوجنتين. الحياة تدريب مستمر، فدربوا قلوبكم على الحب والتسامح والمغفرة، دربوها على النبض بقوة من أجل الفرح والجمال، وليس خوفا أو كرها، دربوها على الانتفاض كالطير، كلما سمعت كلمة طيبة أو عبارة صادقة، خفّقوا خفّقوا كأنكم تطيرون، كأنكم ترتفعون فلا ترونهم، كأنكم تصعدون للجنة وتتركونهم في جحيم مصيرهم البائس الكريه.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21