الحياة ليست طويلة حتى نجرب كل شيء

كثيرة هي الأسماء التي سامرت الكلمة الإبداعية وغذتها من تربتها ومقروئها، وعلى الرغم من ذلك، تتقدم بخطوات وئيدة دون إعلام وأضواء مزيفة وخادعة. الكاتبة والشاعرة المغربية فاتحة سعيد واحدة من سلالة اليتم، اختارت أن تجمع بعض قصصها في مؤلف بعنوان “خليلة خضرا” الصادر مؤخرا عن “دار الوطن” بالرباط.
الخميس 2015/05/14
القاصة تنسج عوالم تصور المفارقات والصراع الدائر في الحياة، وبالأخص ما يؤلم منها عربيا

تصفح مجموعة “خليلة خضرا”، لفاتحة سعيد قصة قصة، أفضى بي إلى وضع اليد على بعض الخصائص والممكنات الجمالية في هذه الدائرة القصصية، من ذلك حضور ضمير المتكلم في شكل ساردة تحكي بوحها بشكل شذري يذهب غوصا إلى الداخل.

بهذه الصورة تنطلق كل قصة من حالة -بين الواقع والغاب- مشحونة، تنعكس على الجنبات، فتتلون الزهور على حافة أفق عصي في ذاك النظر المنكسر والمضمخ بالحنين. عبر هذه النغمة تمرّ كل المعطيات المسرودة، وقد تحولت إلى مشاهد، مما يفضي في تقديري إلى تذويب الحكي.

تأملات معلنة

في المحصلة، إن المجموعة اختارت لغة شعرية تبطن أكثر مما تصرح وتلمح دون تحديد أو تعيين، الشيء الذي أدّى إلى الاستغراق والاستبطان الذي يسند التأملات وهي تدفع بأسئلتها إلى أبعد مدى في احتضان كل ما يمرّ بالذات وإعادة بنائه في اللغة ومجراها السردي، نقرأ في مجموعة “خليلة خضرا” من قصة “صوتي في زنزانة”، ما تبوح به فاتحة سعيد: “رغم كل الأشجان أخادع نفسي، أترك عصافيرها تفرّ من شرفات الروح”. وتضيف قولها “أحيا على طيف السنين الماضية الهادئة، أنتظر نزول الليل فأتسلل إلى سطح المنزل، بين أحضان الظلام أتطلع إلى نجوم السماء، أحلم بالقصائد تتحوّل إلى قمصان نور تغزو نفسي، تذوّب السواد الذي بداخلي، لتصبح مفاتيح سحرية، تفتح أبواب الغياب وتقتحم دروب الغسق. على وتر من شرايين قلبي اهتز طائر الليل، اهتزت معه مشاعري، فحلقت إلى حيث يقبع حبيبي في زنزانته”.

تزاوج صعب

أعرف القاصة فاتحة سعيد لقد كانت شاعرة من قبل، ثم عبرت إلى السرد بكامل هذه العدة الشعرية: من التعابير الرشيقة، والتكثيف، واستغوار الحالة وترميزها، ومن توالد الصور. وعلى هذا الأساس، يمكن البحث عن سردية هذه الصور، كأن الأمر يتعلق بقصص لا أداة لها إلّا الشعر.

وهو تزاوج صعب، لكن ليس مستحيلا، حتى يتأتى هتك مناطق معتمة في الحكي وتوسيع محامله الأدبية، لهذا كانت الأحداث تقع في مناطق عالقة من التمثل ومساحات السؤال.

المجموعة تدفع بأسئلتها إلى أبعد مدى في احتضان كل ما يمر بالذات، وإعادة بنائه في اللغة، ومجراها السردي

وخلقت القاصة محملا حكائيا يليق بذلك، يتمثل في التناظر الحاصل بين ذات الساردة وأمكنة عبورها؛ وأحيانا عبر التذكر المقيم في أسفل حكيها كخلفية بارقة من المشاعر والآلام الممددة والممتدة للآن الحارق في القصص طبعا.

ورد في قصة “سعدية والبقرة”، من مجموعة “خليلة خضرا”، فقرة تقول فيها فاتحة سعيد “في وقت مبكر ومع بزوغ الشمس التي ترسل أشعتها على الكون، لتوقظني من فراشي، قررت الوقوف بعد ليلة، رسمت على وسادتي خريطة القرى المجاورة، راودتني أحلامي وأنا أتقلب في رحلة جعلت النسيان محالا، أسمع المحرك الذي يدير البئر ويخرج الماء من عمق الصخور المتراكمة.

رائحة الصدأ تخرج مع الماء من القاع… الأطفال يشربون على صوت الضفادع ونقيقها ونباح الكلاب، تخيم العتمة على القرية التي لا يوجد بها مستوصف لعلاج المرضى أو مدرسة قريبة من المكان. مقومات الحياة معدومة، كل شيء يمضي بصعوبة، المواصلات والكهرباء، وما بداخل القرية من آلام استوقفني، رغم أني سحرت بمنظرها الخلاب المنبثق من بساطها الأخضر”. يبدو أن الكاتبة منشغلة أكثر بترميز المتن الحكائي. وبالتالي فالمجموعة قيد النظر تنسج عوالم تصور المفارقات والصراع الدائر في الحياة. وبالأخص ما يؤلم منها عربيا. لهذا ترى ثنائيات سارية بين تلافيف هذه السردية، من قبيل: الخير والشر، الفرح والحزن، الخواء والمعنى… فبدت القصص كسِيَر وحيوات موغلة في التحول الغرائبي، في خط سردي تصعيدي. مما خلق تبئيرا للحالات النفسية المشروخة، من خلال استيهامات وتأملات السارد في مسارات الشخوص ومصائرها التراجيدية.

تقول سعيد عن مجموعتها القصصية “الحياة ليست طويلة حتى نجرب كل شيء، ولا قصيرة حتى تطفو على الذاكرة كل تفاصيل حياتنا، فالفراشات لا تعرف ألوان أجنحتها، ولكن أعين البشر تعرف مدى روعتها، بمعنى آخر أنت لا تعرف مدى روعتك، ولكن هناك من البشر من يعرف قيمتك الحقيقية”.

طرحت القاصة فاتحة سعيد منجزها القصصي هذا بخاصياته تلك، ممّا يوحي يقينا بأن الكاتبة فاتحة سعيد ستعمق هذا الخيار الجمالي في مدوّنة السرد المغربي والعربي، نظرا لاستعدادها وطموحها المتجدد.

14