الحياة ليست عملا فنيا متقنا

التشيكية هانا أندرونيكوفا تخوض رحلتها الأخيرة في "سماء بلا قاع".
الأحد 2021/02/14
امرأة تواجه العالم بالصمت (لوحة للفنانة زينة عاصي)

تحملنا الروايات إلى عوالم من ذواتنا نجهلها، وسواء كانت متخيلة أو مبنية على قصص حقيقية فإنها تثير فينا التساؤل وتكشف لنا عن مشاعرنا وأفكارنا وأصواتنا الدفينة من خلال شخصياتها، وهذا ما نجد أنفسنا كقراء أمامه في رواية “سماء بلا قاع” للتشيكية هانا أندرونيكوفا، والتي نقف فيها معها وجها لوجه أمام مرض السرطان، لا لنبكي أو نتألم بل لنعيد تعريف الحياة والحقيقة والزمن.

في روايتها “سماء بلا قاع” تقدم الكاتبة التشيكية هانا أندرونيكوفا (1967-2011) حكايتها مع مرض السرطان وانتظار الموت، بطريقة تقترب من سيرة ذاتية، ويكون الصراع مع السرطان جزءا من الحكاية وليس جوهرها، حيث البحث في أعماق النفس البشرية عن أسرار الحياة والموت والجمال وغيرها من التفاصيل والأفكار والمفاهيم.

تستحضر الراوية بداية عازف البيانو الكندي الشهير غلين غولد (1932-1982)، وهي على سرير المرض في المستشفى، تخبره أنها تجلس في مكتبه، وتفكر فيه، في فن فقدان الذاكرة، وفي تفاصيل عمله وحياته، تتابع رجلا يشبهه كثيرا، رجلا منكبا على نفسه، لا يتحرك، جسده من أسلاك وإبر وأنابيب، وهي عاجزة عن أن تجده في صبر الإبر، وقطرات المحلول، وأكياس الدم التي تلمع كالجيلاتين.

السحر الأسود

تقول أندرونيكوفا في روايتها، الصادرة عن منشورات دار ابن رشد، بترجمة خالد البلتاجي، إن البشر يختبئون في كل لغة بطريقة مختلفة، خلف قشور أصوات أخرى. حيث المطر يتساقط دون توقف، وكأنه طريق العودة، وهي كأنها تكتشف شيئا ما، تبحث عن شيء بين سطور لغة ليست لغتها، ولن تكون يوما، تواصل الغوص، تحافظ بكل قواها على صورة تحتضر، يختفي الصوت خلف النافذة، ولا أثر للمطر.

تجد الراوية نفسها تتحدث إلى ظلال فوق السرير، إلى ما بقي من جسد، تتذكر متى سمعت صوته لآخر مرة، تناديه لأنه يعرف الأشياء كلها، تسمعه وهو يضحك ضحكة رقيقة سعيدة. وفي لحظة أخرى تشعر بالقهر، وأنّ شيئا في داخلها يقفز، تريد أن تتصدع، تنفجر، أن تطير وتصرخ، أن ترمي الأشياء وتحطمها، أن تمزق ثوبها وجلدها وشرايينها، والجدران الباهتة، تريد أن تسحق كل شيء بقدمها مثل أكواب بلاستيكية، الأشياء والمشاعر والذكريات وتلقيها في القمامة.

بطلة الرواية تؤمن بالصمت وترى أن له طبيعة مباشرة على عكس الكلمات والضجيج اللذين يخبئان كل شيء

تستدرك أن كليهما لا يزالان عالقين، كل واحد منهما في أحد طرفي الحبل، يبتعدان عن بعضهما، هو يمضي نحو الموت، وهي نحو الحياة، وتكون حياتها أول هدية يهبها لها، وتستعيد وقوفها في نهاية الشارع، تبتسم كلما اقترب منها، يومئ لها ويطلبها للرقص.

تقول إنها ورثت الفن عنه، فن السحر الأسود، أن تكون في مكان ما ولا تكون، أن تسمع ولا تسمع، أن تغرق الحياة في الكتب، أن تحيا من رائحتها، وكأن كلمات مثل الغضب والسعادة والحب والمقاومة تنفتح على معان جديدة، تراها تتمعن في الإغماء، في الهذيان المتعلم، لكنها تعرف كيف تسير الأمور على وجه الأرض.

تصوّر الرواية حُجرة الانتظار في قسم الإفاقة والإنعاش، تقول إنها دائما خالية، لا يجلس فيها أحد، لا يبكي فيها أحد، ثم فجأة تمتلئ نحيبا وعويلا، وتمتلئ بعدد من الناس. تتابع قصة فتاة مريضة تخبرها أثناء الليل أن الموت هبة، ويمكنها أن تختار فقط ما الذي ستفعله بها، هبة تتقبلها، ولا تتبدل قيمتها، لأن الهدية التي ترفضها لا قيمة لها.

حين تسمع بموت أحد المرضى، تتأمل في ماهية الموت والحياة أكثر فأكثر، تقول إن الحياة ليست عملا فنيا متقنا، إنها فيلم محترف تجتز منه أجزاء غير مناسبة قد ينقصها شيء ما، أو تحمل شيئا زائدا، وأن المخاطَب يعرف ذلك جيدا. وتصف الصمت بأن له طبيعة مباشرة، لكن الكلمات والضجيج يخبئان أيّ شيء، وهي تؤمن بالصمت، وتصفه بأنه عارٍ ولائق، تقبض عليه في يدها وكأنه منديل، وكأنه وصيته لها وميراثها منه.

النفس كفضاء مفتوح

الوجود يشبه اللعبة الفردية (لوحة للفنانة زينة مصطفى)
الوجود يشبه اللعبة الفردية (لوحة للفنانة زينة مصطفى)

توقن بطلة أندرونيكوفا أن الخيوط تتصل ببعضها البعض أثناء الليل، خيوط العالم المنثور على الطاولة، تربط قارات العالم، وتفكر في حياتها وكيف أنها تبدلت، وفي عزمها على أن تعيدها إلى ما كانت عليه. وتخاطب القراء بشكل مباشر قائلة “أعزائي، هذه ليست أسطورة، أخبروني في شهر يناير أني مصابة بالسرطان، أؤمن أنه يجب خلع الروح بادئ ذي بدء من أجل أن يحترق الجسد؛ لذلك أنا ذاهبة لعلاج الروح في غابة استوائية ماطرة، شيء ما يقودني إلى هناك، وعندما أسأل إن كان لهذه الرحلة قلب؟ أجيب: نعم، فأنا ذاهبة”.

تتحدث عن صدمتها بالحقيقة، وأن الحقيقة كلمة غريبة، ويقول المعجم إنها كل ما هو صادق وصحيح، كل ما حدث بالفعل، وتستدرك أن كل حقيقة هي كذلك في لحظة بعينها، في نقطة محددة، وفجأة تتحطم وتتكسر، وأن الحقيقة مثل الأوراق فوق الأشجار، يصفرّ لونها، وتتساقط وتتفسّخ كي تنمو من جديد.

تتساءل إن كانت هنالك ضرورة للتخلص من كل شيء كي يصبح حقيقة، أم يكفي مخطط، بضعة خطوط، والباقي يكمله كل إنسان كما يريد، وتجد أنها لسبب أو لآخر لا يمكنها أن تكتب كل شيء، كلما حاولت علقت الجمل في داخلها، وتعثرت الكلمات.

هانا أندرونيكوفا جعلت روايتها سيرة ذاتية ونوعت في أسلوب السرد لتحكي عن المحطات التي تمر بها بطلتها
هانا أندرونيكوفا جعلت روايتها سيرة ذاتية ونوعت في أسلوب السرد لتحكي عن المحطات التي تمر بها بطلتها

لن تكتب أنها لا تعرف على الإطلاق سبب ذهابها إلى هناك، ولماذا التردد، تردد القريب والبعيد، تردد من ارتباك الجميع ونظراتهم التي تتوسل إليها وتلصقها بالحائط بما تصفه بالحب اللزج وتخنقها. وتتساءل عن مذاق الحقيقة غير المنتخبة، لتجيب بأنه يجب أن تتجرع بضع رشفات من سم قاتل، وأنها ذاهبة للبحث عن معنى لحياتها البالية.

وتثير الكاتبة أسئلة عن الوقت، وتصف بطلتها التي تلتفت حولها فلا تجد أيّ قاموس يشرح المعنى أو يصفه. تحكي أن الوقت كمقدار فيزيائي يعبر عن فترة استمرار الحدث، ولكن يجب تعريف الاستمرار، الزمكان، البعد، الإحداثيات، والسهم الذي يحدد الاتجاه الذي يسير فيه الزمن، وتتم تجزئة هذا الخط المستقيم الوهمي إلى أجزاء مثل قطعة الخبز، ثم يشكو المرء ضيقه.

تقول الراوية إنها بحاجة إلى التفكير بإيجابية من أجل الشفاء، إلى هدوء في روحها، وحب كل ما حولها، وإن الطبيعية ستساعدها، ولكن لا بد أن تعتاد عليها أولا، الأشجار، النباتات، والماء، ستقبلها بعد أن تتعرف عليها جيدا، سيمنحها الماء قوة عندما تتحد معه، تريد أن تتحد مع الطبيعة، تستمد منها قوتها، وتذكر أن هيمنغواي أيضا كان دائما يعود إلى الطبيعة، يعيش معها، يستمد منها قوته، وإلهامه، اتحد معها وفي النهاية أطلق النار على نفسه.

تنوّع أندرونيكوفا في أسلوب السرد، وتعتمد على أسلوب المراسلة، تحكي من خلاله المحطات التي تمرّ بها بطلتها، وانتقالها إلى الأراضي المقدسة، وتعرّفها على البدوي فتحي الذي تعشقه، وتكتب أن الوضع هناك يكون مثل قطع الشطرنج، مثل كل البشرية، أسوار عمرها آلاف الأعوام، تطوّق عظام الذين آمنوا بأن هذه القطعة من العالم وحدها ستؤمن لهم مهدا في السماوات. تراودها أحلام غريبة، تتصيّد الضوء في الظلام، ولا ترى أيّ أثر للقاع، تكون السماء مفتوحة إلى ما لا نهاية، فضاء منفتح يفضي إلى الذات البشرية وداخلها العميق الذي لا قاع له، وكأنّه سماء مفتوحة بلا قاع.

12