الحياة ليست مهرا لأحد

الاثنين 2016/01/04

لا نعرف قيمة البعض إلا إذا فقدناهم، لنردد مقولة (كانوا يملؤون حياتنا)، آه لو عادت الأيام، كنا فعلنا كذا وكذا، ولكن الزمن لا يسير عكس اتجاه عقارب الساعة ولا يعود أدراجه مطلقا.

الكثير من الأباء والأمهات يرددون مقولة “ستعرفون قيمتي بعد مماتي”. فلماذا لا نعرف قيمتهم وهم بيننا، هل الموت هو مهر تعارفنا، وبداية إيقاظ مشاعرنا. دائما ما نعترف بفضل الراحلين وننساهم وهم على قيد الحياة، ثم نبكي أياما ضاعت في طيات النسيان.

أمامنا فرصة مازالت تنبض بالحياة بوجود آخرين على قيدها من حقهم الحب والاهتمام، بدلا من البكاء على قبور تسكنها قلوب أحببناها وتعلقنا بها.

“ستعرفون قيمتي بعد مماتي” مقولة يرددها الكثير ونحن منهم، وهي حقيقة لا ندركها إلا بعد صيرورتها، لا نشعر بقيمة قلوب كانت تحيط عالمنا بالدفء إلا بعد أن تلسعنا برودة الفراق. أذكر البعض من أبيات كتبها بهاء جاهين في ذكرى رحيل والده الرائع “فيلسوف الفقراء” صلاح جاهين، حين قال يرثيه:

في ناس وفي الثانية الأخيرة تكتشف قيمة اللي على وشك الوداع

أما أنا ما بكيتك إلا بعد ما فاتت سنة وفاتت سنين

كان يجرى إيه لو كنت حبيتك بعنف، لو كنت عبرت بنزف عن شوقي ليك.

وهكذا نحن لا نشعر بقيمة من هم على وشك الوداع، ولا نعبر بالدمع النازف إلا بعد أن يصبح الرحيل واقعا مؤلما. لماذا لا ننظر لأحبائنا بعيون القلب وشوق الاهتمام، ولا نبكيهم بعد أن تسرع السنوات خطاها.

كثيراً ما تكتظ مواقع التواصل الاجتماعي بأنين أبناء على ساكني القبور من أبائهم وأمهاتهم وأحبائهم، وحين كانوا يملؤون السمع والبصر كانت تعلو أصوات الشجار وصراخ العصيان، ثم يفترشون صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بباقات الورود ودموع الندم.

تشاجر حبيبان وباعدت بينهما الأيام، وحين علمت الفتاة بمرض حبيبها دون رجاء ولا فائدة من شفاء يطرق الأبواب ولو على مهل، ذهبت لرؤية رجل يقف على أبواب الرحيل، تنعي حبا يحتضر وهو يردد “لو كانت حياتي مهرا لتصالحنا لقدمتها طائعا”، ولكن الحياة لا يمكنها أن تكون مهرا لأحد، الحياة “ثلاثية الأبعاد” وليست أحادية نحياها من جانب واحد، ولا نقدمها لأجل عيون لا نسكنها وربما لا تنظر إلينا إلا إذا أصبحنا خارج حدود عالمها. بأيدينا نفرط في فرص الحب المتاح، ثم نقدم ما بقي من العمر مهرا وقربانا لأيام قد لا نستطيع أن نحياها.

الحياة جميلة تحتاج إلى أن نحياها بكل ما فيها، بحلوها وبمرها، ببهائها وغبائها، والحب يستحق أن نحتفي به، أن نعبر عنه وأن نملك أدوات هذا التعبير، أن نلحق بالزمن قبل أن يصير ماضياً، نعيش لأجل سعادتنا، نقدم الحياة لأنفسنا وليست مهرا لأحد.

الحياة هي الفرصة التي لا ندرك قيمتها إلا بعد ضياعها منا أو من أحبابنا. كل عام وكل حب يسكن قلوبكم في الوقت المناسب، وليس بعد فوات العمر.

21