الحياة ما بعد الانفجار

السبت 2014/11/08

وأنا عائدة من مهرجان المربد الشعري في البصرة لأمكث يومين في بغداد، اقترحت أن نشرب القهوة في المقهى الذي أحببته منذ المرة السابقة، والذي يتميز بقهوته طيبة المذاق، وديكوره الجميل، وقد أصبح منذ فترة مرتادا من قبل كثير من الأصدقاء الأدباء وغيرهم. نجلس ليأتي الشاب ونطلب القهوة التركية، فإذا بالصوت المدوّي والمفاجئ يصل من مسافة قريبة. يقول صديقي: “لنخرج، فقد حدث انفجار قريب، وقد يصلنا”. الكل ينهض من مكانه، داخل المقهى وعلى رصيفه. يتساءلون، ينظرون إلى جهة الانفجار، ويتحدّثون. نتجه نحو الجهة المقابلة فإذا بامرأة تلقي نفسها مذعورة على أحد كراسي المقهى المجاور. كنت رأيتها قبل دقائق جالسة في مقهانا رفقة زوجها. كانا يتبادلان الحديث بهدوء.

ثم رأيتها نهضت وغادرت المقهى برفقة الزوج، وها هي الآن تئن وتقول: “لا يمكنني أن أحرّك يديّ”. زوجها المسكين لم يعرف ما الذي ينبغي أن يفعله. تقول: “إنها لأول مرة تشاهد الانفجار” وبأنها من مدينة “الكوت” وليست من بغداد، أقول لها ضاحكة: “إني من إيران، ولأول مرة أيضا أشاهد الانفجار”. تقول لزوجها: “لن أسمح لك في ما بعد أن تأتي إلى بغداد”، فيردّ: “ماذا عساي أن أفعل؟ فعملي هنا”. أقول مازحة لزوجها أن ينتبه لكي لا يمسح الماكياج من وجهها حين يرش عليه الماء.

تبتسم قليلا وتواصل البكاء، تلوم نفسها لأنها جاءت إلى بغداد، مضطربة هي، وأنا أحاول تهدئتها لكن العبرة تكاد تخنقني. أنا البكاءة، أجمع ما فيّ من قوى كي لا تتساقط الدموع، وأنتظر. ينظر الزبائن نحونا بنظرات مشفقة عليها. تخرج امرأة متقدمة في العمر من المقهى، وتقول: “ما بك؟ ألأول مرة تشاهدين الانفجار؟” تقول: “إن الأقدار بيد الله”، وتبتعد مبتسمة. أحتضن المرأة ذات العينين الخضراوين، ثم أنظر إليها، وأنتظر.

أنتظر فقط أن تهدأ لأدير وجهي وأبكي، ليس خوفا أو قلقا، بل من أجلها، لأن امرأة جميلة مثلها وبكل براءتها جاءت صحبة زوجها إلى بغداد لبضع ساعات، شربت قهوة أو شايا لكن الانفجار لم يسمح لها أن تهنأ بذلك، لا أعرف ماذا فعل الانفجار بالذين كانوا قربه، لكني أبكي من أجل الذين ماتوا أو جرحوا، ومن أجلها، من أجل النساء الجميلات في بغداد، ومن أجل اللحظة الغريبة التي تباغت الحياة، وتمزق بالونة السعادة الصغيرة التي يريد الناس الأبرياء أن يطيّروها نحو الأعالي، لكنها تتمزق، وتسقط أشلاؤها وسط الانفجارات والحروب.

كاتبة من إيران

17