الحياد في لبنان.. خلاف حول وضع "المقاومة" وسيادة الدولة ودورها إقليميا

الخميس 2013/10/17
سياسة الانحياز.. قدر أم خيار في لبنان

مع أن الهدف من مؤتمر «إمكانية حياد لبنان»، ومن جانب المشرف عليه عبدالله أبو حبيب، مدير المركز، وسفير لبنان السابق في أميركا، كان تقريب وجهات النظر، والتوصل إلى ما يتمناه نائب رئيس وزراء لبنان السابق عصام فارس، الذي يحمل الموقع اسمه ودعمه، فإن المشاركين في المؤتمر، ومنهم نواب ووزراء ومسؤولون في أحزاب ومنظمات بارزة في لبنان، طرحوا مواقف متباينة إلى درجة كبيرة، مع أنهم لم يتوافقوا على إمكانية حياد لبنان.

في الجلسة الأولى، التي افتتحها أبو حبيب بكلمة فارس، وتشارك معه سفير المملكة المتحدة في لبنان توم فليتشر، وتحدث فيها نائب الجماعة الإسلامية عماد الحوت، ونجل رئيس الكتائب اللبنانية سامي أمين الجميل، والمسؤول في مركز دراسات المقرّب من حزب الله اللبناني، الدكتور عبد الحليم فضل الله، تضاربت المواقف بنسبة 180 درجة مئوية. وفي الجلسة الثالثة، التي شارك فيها النائب والوزير السابق مروان حمادة والنائب في حركة الإصلاح والتغيير آلان عون ومحمد شطح مستشار رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة ومحمد عبيد العضو السابق في حركة «أمل» والمدير العام لوزارة الأنباء سابقا، لم يختلف الفرقاء فقط في نظرتهم إلى صيانة حياد لبنان في حال إعلانه بل اختلفوا في إمكانية حياد لبنان، ففيما طرح حمادة برنامجا لهذا الأمر، وأيّده شطح، أكد عبيد عدم إمكانية حدوث هذا الأمر مواكبا في ذلك موقف فضل الله الذي اعتبر أن عدم تخلي لبنان عن موقفه الفاعل وغير الحيادي هو الذي يعطيه المجال للقيام بدوره في تقرير مصيره.

وبما أن صحيفة «العرب» غير معنية في الترويج لجهة في لبنان، على حساب الأخرى، فسنعرض بعض المداخلات والآراء التي طرحت في هذا المؤتمر.


سيادة لبنان


السفير توم فليتشر، الذي كان في الأسابيع والأشهر الماضية يطرح مواقف صقورية في شأن الوضع السوري تنفيذا لمواقف حكومته، طرح حسنات المواقف المعتدلة والموضوعية عموما، وأيّد مبدأ الحياد باعتباره «ليس خيارا ضعيفا بل موقفا قويا، لا يعتمد الخمول، وانتظار التطورات الإقليمية فضلا عن كونه موقفا سياديا، يتطلب الاجماع الداخلي من أجل سيادة لبنان، وعدم التدخل من جانب جهات خارجية في هذه السيادة».

وقال «على الجهات الإقليمية التي تتدخل في الشأن اللبناني أن توقف هذا التدخل، وتبعد نفسها عن لبنان وعلى الجهات اللبنانية الداخلية معالجة أمورها بنفسها وعبّر عن سعادته للمشاركة في افتتاح هذا المؤتمر وخصوصا لتزامنه مع قرب الاحتفال باستقلال لبنان، مشيرا إلى أن «الاستقلالية لا تعني فقط الحياد».

من جهته أفاد عماد الحوت، بأن الانقسام في لبنان «يؤدي إلى إتاحة التدخل الخارجي في شؤونه».

ورأى أن «الحياد لا يعني تجاهل حقوق الإنسان في العالم والقضايا المحقّة فيه». وأيد إعلان بعبدا، الذي طرحه رئيس الجمهورية اللبناني ميشال سليمان، والذي اعتبره «يحيّد لبنان عن الصراعات الدولية ماعدا القضية الفلسطينية». وشجب «نقل الصراعات في سوريا إلى لبنان. «ورأى أن «الحياد لا يعني التنكّر لقضية فلسطين». وأن المطلوب «مقاومة لبنانية واحدة مرتبطة بالدولة اللبنانية وتحت مظلة الدولة اللبنانية».


الحياد ضد المقاومة


يرى عبد الحليم فضل الله أن «المطلوب هو منظار كياني لدور لبنان في المنطقة». واعتبر أن إعلان بعبدا الذي طرحه الرئيس ميشال سليمان «تحييد وليس حيادا». وقال إنه «يصعب فصل النزاعات في المنطقة (العربية-العربية) عن النزاع العربي-الإسرائيلي». وتساءل «هل الحياد ممكن في لبنان وفي سياسته الخارجية وهل هو مجد بالنسبة إلى لبنان، إذا كان على حساب دور لبنان وحضوره في المنطقة العربية؟».

وقال «إنه كلما كان لبنان محايدا، كان دوره أقل وأضعف في العالم العربي، ويجب على لبنان أن يكون على طاولة القرار العربي». ورأى أن «المقاومة اللبنانية لما استطاعت تحقيق إنجازاتها دون تحالفات إقليمية». واعتبر أن «إعلان لبنان حياده الآن يعني أنه رضخ بكونه جزءا من الهيمنة الدولية». وتمنى «نظاما لبنانيا جديدا يعتمد التوافقية، ويرضي جميع الأطراف اللبنانية» أي «نظاما عربيا إقليميا لمواجهة المشكلات الكبيرة والصغيرة». وقال إن «اعتماد لبنان الحياد الآن يجعل لبنان خارج القرارات بخصوص المنطقة وتطورها وبناء مستقبلها».


احترام التعددية


أما سامي الجميل فرأى «عدم وجود خاسر ورابح في لبنان، فالكل خاسر في مركب واحد وإذا غرق أحدهم فسيغرق الجميع»، مستشهدا في ذلك بقول لنائب رئيس حزب الله نعيم قاسم.

وأكد الجميل، أن «هدف الحياد هو احترام التعددّية، وعدم القبول بفرض أي طرف في لبنان مواقفه على الآخرين وعدم القبول بأي تحالفات إقليمية أو دولية على حساب الآخرين».

وقال إنه «لسوء الحظ تاريخ لبنان أشبه بدولاب، حكمت فيه فئة إخوانها الآخرين». واعتبر أن «الجميع في لبنان ينتظرون دورة هذا الدولاب الجديدة»، مشيرا إلى أن «المعارضة في لبنان كانت دوما مدعومة من الخارج»، ومؤكدا أنه يؤمن بضرورة «كسر هذا الدولاب لكي لا يمر لبنان بأزمة جديدة».

واعتبر أن «الحياد اللبناني يكسر الدولاب»، والحياد يؤكد «عدم اعتبار لبنان ملجأ لفريق ضد فريق آخر. وهذا لا يعني أن لبنان سيصبح دون موقف، ولكن الشرط الأساسي ألا يدخل طرف لبناني في صراع مسلح ضد الآخرين وأحداث حروب أهلية وبالتالي، هذا ليس حيادا ضعيفا فسويسرا اعتمدته وهي ثاني أقوى دولة عسكرية في العالم». واعتبر أنه «من الضروري تحييد لبنان في الموضوع السوري، وعدم دعم أي جهة ضد الأخرى». وتمنى توافق اللبنانيين على هذا الخيار.

في الجلسة الثانية التي حملت عنوان «مقتضيات الحياد في القانون الدولي» قال شفيق المصري إن «الحياد الدائم صعب قانونيا، ولكن الحياد المؤقت ممكن». وأشار إلى أن «اتفاقية الهدنة الموقّعة بين لبنان وإسرائيل لم تلغِ حالة الحرب بين البلدين وليس من السهل إلغاء هذه الاتفاقية». ورأى أن «أخطر الاتفاقيات التي وقّعها لبنان هي اتفاقية الأمن والدفاع مع سوريا التي تنصّ على وقف أي نشاط يشكل خطرا للدولة الأخرى». ودعا إلى «إلغاء هذه الاتفاقية وغيرها التي ما تزال سارية المفعول والتي تلزم لبنان بمواقف ربما لا يرغب فيها».

أما القاضي بيتر جرمانوس، فرأى أن «لبنان اليوم دولة تتجاذبها دول خارجية مما يؤدي إلى حروب أهلية». واعتبر أن «اتفاقية لاهاي لعام 1907 تسمح لبعض الدول بعدم المشاركة في الحروب».

ودعا إلى «وضع مادة في الدستور اللبناني تقول إن لبنان دولة محايدة»، وإلى «انسحاب لبنان من معاهدة الدفاع العربي المشترك» وإلى «نقل لبنان من صفة عضو كامل في الجامعة العربية إلى عضو مراقب يحضر الاجتماعات ولا يصوّت». وشدّد على «أهمية إلغاء معاهدات التفاهم الدفاعي اللبناني مع سوريا وإبلاغ الأمم المتحدة بأن لبنان دولة محايدة دون اتفاقية سلام جديدة مع إسرائيل إذ أن لبنان ليس في حالة حرب معها».


الموقف من إسرائيل


الجلسة الثالثة انعقدت تحت عنوان «صيانة حياد لبنان في حال إعلانه» وأدارها الصحفي اللبناني نقولا ناصيف، ورفض خلالها النائب مروان حمادة المنطق الذي طرحه فضل الله في الجلسة الأولى بأن لبنان يفقد دوره إذا اعتمد الحياد مستشهدا بمواقف وزير خارجية لبنان الراحل شارل مالك، الذي كان أحد واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة عندما كان لبنان محايدا.

وطرح حمادة خريطة طريق لتحقيق الحياد في لبنان واختار التجربة السويسرية التي تحققت برغم الانقسامات الإثنية في ذلك البلد، ولأن سويسرا احتفظت بقوتها العسكرية خلال وبعد هذه التجربة. وأكد حمادة أن الموقف اللبناني المناهض لإسرائيل هو «موقف موحد من سائر الجهات اللبنانية». ورفض التكاذب في هذا الشأن.

وطرح حمادة عودة لبنان إلى دور الدولة القوية المساندة لاتفاقية الهدنة والمدركة لترجمة متقدمة للقرار الدولي 1701، الذي يرفض وجود «فتح لاند» و»القاعدة» وما يسمى «جبهات الممانعة» في جنوب لبنان».

واستشهد بمقال للكاتب الإسرائيلي المعارض للصهيونية اوري افنيري الذي توقّع فيه «مرحلة سلم في المستقبل خلال قيادة الرئيس الإيراني حسن روحاني في إيران حيث ستجد قوات الممانعة، حسب رأيه، نفسها في غير حاجة إلى الممانعة». ورأى أن «سلام لبنان مع نفسه يجب أن يحدث قبل سلامه مع إسرائيل» وأن «لبنان هو الدولة الأساسية المساندة للدولة الفلسطينية».

واعتبر أن «إعلان بعبدا» هو خطوة أولى وليست كافية للسلام في لبنان» وأن قيادة رئيس الجمهورية في لبنان ضرورية لأية قيادة شرعية مسلحة في لبنان»، وأن «مجلس الدفاع الأعلى يجب أن يكون المرجع العسكري الأعلى في لبنان».

وطرح حمادة إدراج بند جديد في الميثاق الوطني اللبناني يعلن انضمام لبنان إلى اتفاقية لاهاي التي تنصّ على أن لبنان ليس دولة مواجهة، ورأى أن هذا البند «لا يتعارض مع اتفاق الطائف». وحضّ على انطلاق «ورشة عمل دستورية لإلغاء جميع الاتفاقيات اللبنانية الدفاعية مع أطراف خارجية». ورأى أنه «ليس من الضروري موافقة الجهتين إذا قررت جهة واحدة إلغاء مثل هذه الاتفاقيات». ودعا إلى «اعتراف لبنان الرسمي باتفاقية الهدنة مع إسرائيل، وتأكيدها أمام مجلس الأمن الدولي وبأن يُفرَض الفصل السابع على إسرائيل في هذا المجال لتأكيد امتثالها لوقف إطلاق النار مع لبنان». كما دعا إلى «إعادة التجنيد الإجباري في لبنان ورفض التمديد للمجلس النيابي الحالي».


تحييد مرحلي


أما نائب كتلة التغيير والإصلاح آلان عون فقال إنه حسب قول الراحل شارل مالك «يجب اتفاق جميع اللبنانيين قبل اتخاذ القرارات المصيرية» وإن «الحياد ليس مجرد عملية داخلية بسيطة، والمطلوب دولة لبنانية قوية واعتمادها شرائع القوانين الدولية». وإن «السيادة وحدها لا تكفي لضمان الحياد دون قوة أرضية فاعلة لصيانة الحياد». ورأى أن «الكثير من القرارات الدولية لصالح لبنان ستُلغى إذا أعلن لبنان الحياد وتخلّى عن قوته الرادعة». ودعا إلى التكلم عن «تحييد لبنان المرحلي بدلا من حياده». وقال إن «ازدهار لبنان ليس بالحياد السلبي بل بتسوية شاملة بين اللبنانيين وتحرر لبنان من قبضة الخارج».

وقال محمد شطح «إن لبنان كان في المقدمة في الماضي في العالم العربي» وإنه لابد من اعتماده الحياد لاستمراره في هذا الموقع». ورأى أن «استخدام الساحة اللبنانية من أجل الآخرين يجب أن يتوقف ومن الضروري عدم توقيع المزيد من المعاهدات التي تضرّ بلبنان». وقال إنه «منذ 1983 هناك حلف عسكري إستراتيجي بين إيران وحزب الله في لبنان (الحرس الثوري الإيراني، فيلق القدس) ومن يقول بالتمييز بينهما غير واقعي». وأكد أن «أغلبية الشعب اللبناني ترغب في تحييد لبنان» وأن «المجتمع الدولي يؤيد هذا الموقف».


اللامركزية اللبنانية


طرح محمد عبيد، المسؤول السابق في حركة «أمل» موقفا مخالفا كليا لما طرحه حمادة وشطح، حيث قال إن «حياد لبنان مستحيل». واعتبر أن «من شروط الحياد تواجد الموقع الجغرافي الملائم للبنان الذي يتيح هذا الأمر، وهذا ليس متواجدا في وضع لبنان الحالي». وثانيا قال إن «من ضرورة الحياد عدم وجود تهديد للبنان ومصالحه وأراضيه وهذا أيضا ليس أمرا متوافرا».

وثالثا: «إذا تم خيار الحياد فيجب أن يمتلك لبنان القوة الدفاعية لحماية أراضيه، وهنا أيضا تُطرح التساؤلات».

واعتبر أن «قضية حياد لبنان تُطرح في الوقت نفسه الذي تُطرح فيه قضية اللامركزية في لبنان، كما في سويسرا، فيما حدّد الدستور اللبناني ما يمكن تطبيقه في مجال اللامركزية، وهو ما لا يتوافق مع هذه الطروحات».

ورأى أن «أي بحث في فكرة الحياد هو وسيلة للدخول في تعديل الدستور وفي طرح علاقات لبنان العربية وأنه من المستحيل بالتالي إعلان الحياد في هذه المرحلة».

6