الحيرة تخيم على أبناء الطبقة الوسطى:نشتري طعاما أم كمامة ومطهرا

تآكل الطبقة المتوسطة في المجتمعات العربية سيخلق هوّة كبيرة داخل المجتمع الذي سيقتصر على طبقة فقيرة وطبقة غنية.
السبت 2020/09/26
حتى الضروريات لم نعد قادرين على اقتنائها

شهد العام الحالي ارتفاعا غير مسبوق في نسبة من انتقلوا من الطبقة الوسطى إلى طبقة الفقراء، في وقت تحذر فيه دراسات صادرة في الآونة الأخيرة، من تداعيات “اختفاء الطبقة الوسطى”، في ظل استمرار التداعيات الكارثية لفايروس كورونا حيث تم “تفريغ الوسط” إلى حد كبير والذي يشكل العمود الفقري للمجتمعات، ما يؤذن باندلاع اضطرابات اجتماعية تقود إلى المجهول.

تونس- كان سالم الموظف الستيني المتقاعد يذرع جناح مواد التطهير جيئة وذهابا بخطى حثيثة. وقال من تحت الكمامة الطبيّة التي غطت أنفه وفمه “نريد التوقي من فايروس كورونا إلا أن أسعار مواد التعقيم في ارتفاع جنوني، لقد استنزفت قدرتنا المالية”.

ويتحصل سالم على جراية تقاعد تصل إلى 1600 دينار شهريا، ويقول “يبدو الرقم محترما لكنه لا يستجيب لمتطلبات الحياة”. ويعيش سالم مع زوجته وابنتيه بمنزل على ملكه ولكنه صرح بأنه يعاني من الإنفاق نتيجة الصعود الصاروخي للأسعار فما يقبضه لم يعد يفي بما كان بالأمس قادرا على اقتنائه.

وأسرّ بأنه أضحى مضطرا إلى التداين وأحيانا إلى طلب تأجيل خلاص بعض الديون التي تتراكم لدى باعة الخضار والغلال وبعض تجار المواد الغذائية. ابنتا سالم تعملان لكنهما غير قادرتين على إعانته، فهما مجبرتان على تسديد ديون للبنوك شهريا ورغم اختناقهما المالي إلا أنهما تحاولان مد يد المساعدة بين الفينة والأخرى.

وبحسب دراسة لجامعة تونس، فإن القدرة الشرائية للتونسيين تتآكل سنويا بنسبة 10 في المئة، والطبقة المتوسطة هي الأكثر تأثرا بهذا الانخفاض، الأمر الذي تسبب في تراجع تصنيف هذه الطبقة ضمن تركيبة المجتمع التونسي من 80 إلى 50 في المئة، ما يعني أن 30 في المئة من الطبقة المتوسطة في تونس انحدروا فعليّا إلى تعداد الفقراء منذ عام 2012 وحتى 2016، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن الطبقة الوسطى في تونس تقلصت بنسبة 30 في المئة، وأن هناك مليون عائلة تونسية اليوم من المنتمين إلى الطبقة الوسطى عرضة للفقر.

غراف

وكان رئيس المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية ناجي جلول بيّن في تصريح سابق أن أرقام المعهد التونسي للإحصاء أظهرت أن الطبقة الوسطى معدل تأجيرها 800 دينار فيما يبدأ خط الفقر من مستوى التأجير 600 دينار.

وأكد أنه بات من الضروري تحديد الطرق العلمية القادرة على معرفة أفراد خصائص الطبقة الوسطى بدقة مما يمكّن من تخفيف المخاطر السياسات الاقتصادية والاجتماعية على وجودها وعلى دورها المحوري.

وذكر الخبير الاقتصادي بالاتحاد العام التونسي للشغل منجي السماعلي، أن مستوى دخل الموظف هو المقياس المعتمد لتحديد الطبقة المتوسطة التي يتميز أغلب المنتمين إليها بإتمامهم لدراساتهم الجامعية وفق توصيفه.

وتتوزع مختلف الكفاءات المنتمية لهذه الشريحة الاجتماعية في مراكز عملها على القطاعين العام والخاص وتنحدر أساسا من محيط اجتماعي متوسط، وفق ما بيّنه السماعلي .

وشهدت هذه الطبقة، تراجعا منذ الثورة إلى اليوم وتسببت في تآكلها عدة عوامل اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالوضع العام للبلاد، على غرار التضخم المالي الذي بلغ في شهر يوليو 2020 حدود 5.7 في المئة.

كما أثر ازدياد نسب البطالة خاصة في صفوف أصحاب الشهائد العليا في تراجع الطبقة المتوسطة. وبلغت نسبة البطالة 18 في المئة في الثلاثي الثاني من سنة 2020.

وأظهرت دراسة أعدتها الحكومة التونسية بالشراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الاستثمار والتعاون التعاون الدولي حول تأثيرات كوفيد – 19 على الاقتصاد التونسي، أن معدل البطالة في تونس سيرتفع إلى 21.6 في المئة بنهاية العام الحالي. وتوقعت الدراسة تسجيل 274 ألفا و500 عاطل جديد عن العمل في سنة 2020.

وفي تونس، بات صاحب الدخل المتوسط غير قادر اليوم على مجاراة ارتفاع الأسعار لتلبية الحاجيات الأساسية من سكن وصحة وتعليم وأصبح النفاذ إلى هذه الخدمات الأساسية عسيرا على أبناء الطبقة الوسطى. كما أصبح الموظف غير قادر على امتلاك مسكن ومجاراة الأسعار المرتفعة للعقارات والمتزايدة يوما بعد يوم مقارنة بدخله .

واعتبر السماعلي أن تكاليف الحياة أرهقت جيب المواطن المنتمي إلى الطبقة الوسطى، مبينا أن الحكومات المتعاقبة منذ الثورة إلى اليوم لم تهتم بهذه الطبقة ولم تقدم لها إجراءات تحفيزية.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن زيادات الأجور الضئيلة لا تضاهي تكاليف الحياة المرتفعة، قائلا إنه إذا تواصلت السياسات التنموية الحالية فإن منتمي الطبقة المتوسطة سيندثرون ويعاد تصنيفهم في السنوات القليلة القادمة ضمن الطبقات الفقيرة.

وسيخلق تآكل الطبقة المتوسطة وإعادة تصنيف المنتمين فيها ضمن الطبقة الفقيرة هوّة كبيرة داخل المجتمع الذي سيقتصر على طبقتين، طبقة فقيرة وطبقة غنية.

وحسب بحث صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية العام 2013، فإن الطبقة الوسطى تشكل ما نسبته 44.5 في المئة من مجموع سكان المنطقة العربية، أي قرابة 146 مليون نسمة.

وينطبق الأمر نفسه على الوضع في مصر، فبحسب بيانات غير رسمية انخفض وزن هذه الطبقة بأكثر من 48 في المئة منذ عام 2000 وحتى عام 2015.

مجتمع

وفي العراق، أعلن وزير التخطيط العراقي خالد بتال النجم، عن ارتفاع نسبة الفقر في البلاد إلى 31.7 في المئة بسبب تداعيات فايروس كورونا.

وفي لبنان، يقول العاملون في مجال الأعمال الخيرية إن الفقر أصبح أكثر انتشارا وإن الواجهات الخارجية الجميلة لمباني طرابلس باتت على نحو متزايد تخفي اليأس.

ويشير التقرير إلى أن الطبقة الوسطى لديها الآن ما يكفي لشراء الخبز، على عكس الفئات ذات الدخل الأقل، ولكن ما لديها قد ينفد في دفع فواتير الهاتف وشراء الوقود، والصابون والمنظفات، وغيرها من الضروريات اليومية.

وتقول هالة كبارة، الناشطة في منظمة “سانوبل إيد” التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، وتقدم المساعدة للمحتاجين، “لم تكن الطبقات المتوسطة في لبنان غنية، لكنها تمكنت من دفع إيجار المنازل وإرسال أطفالها إلى مدارس لائقة. الأمر أصعب بكثير الآن”.

أما روي بدارو، وهو خبير اقتصادي لبناني، فيقول إن 65 في المئة من سكان لبنان كانوا ينتمون حتى وقت قريب إلى الطبقات الوسطى. لكن البنية الطبقية في البلاد تنهار بسرعة. وأضاف بدارو “أن الطبقة الوسطى فقدت ما يقرب من ثلثي قوتها الشرائية وانتقلت إلى الطرف المنخفض من الطيف، وعندما تميل الطبقة الوسطى إلى الاختفاء تقريبا في أي بلد، فإن ذلك يؤدي إلى اختلال تام في التوازن في النظام برمته وإلى اضطراب اجتماعي، يمكن أن يؤدي إلى أي شيء”.

وأوضح أن تداعيات الفايروس أضافت 1.4 مليون عراقي جديد، كانوا ينتمون إلى الطبقة الوسطى، إلى إجمالي أعداد الفقراء البالغ 10 ملايين شخص. ويبلغ إجمالي تعداد العراق 37 مليون نسمة.

وتتوقَّع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا في الأمم المتحدة “الإسكوا” في تقرير لها ارتفاع معدل الفقر إلى 32.4 بالمئة في عام 2020، وسيصل عدد الفقراء في عام 2021 إلى حوالي 116 مليون نسمة يقيم أكثر من 80 في المئة منهم في مصر، اليمن، سوريا والسودان. ومن المتوقَّع أن تؤدِّي جائحة كورونا إلى رفع نسبة الفقر المدقع في الدول العربية لتصل إلى 33.3 في المئة، أي ما يعادل 9.1 ملايين شخص عند خط الفقر المحدَّد بـ1.9 دولار أو أقل في اليوم في عام 2021.

غراف

ونقل التقرير على لسان الأمينة التنفيذية للإسكوا، رولا دشتي، قولها “سيبلغ عدد الذين يعانون من نقص في التغذية حوالي 52 مليونا”.

وأضافت “ستكون عواقب هذه الأزمة شديدة على الفئات المعرّضة للمخاطر، ولاسيما النساء والشباب والشابات، والعاملين في القطاع غير النظامي ممّن لا يستفيدون من خدمات الحماية الاجتماعية ولا من التأمين ضد البطالة”.

وأضافت دشتي “لا بد من أن تنفذ الحكومات العربية استجابة طارئة وسريعة من أجل حماية شعوبها من الوقوع في براثن الفقر وانعدام الأمن الغذائي نتيجة تداعيات وباء كورونا. ولا بد من أن تكون الاستجابة الإقليمية داعمة للجهود الوطنية، وأن تعبّئ الموارد والخبرات لحماية الفقراء والأشخاص المعرّضين للمخاطر”.

وأبرزت الإسكوا ملف الغذاء المهدور بالدول العربية، قائلة “تخسر الدول العربية حوالي 60 مليار دولار سنويا بسبب فقدان الأغذية وهدرها، فالحدّ من هاتين الظاهرتين بنسبة 50 في المئة قد يزيد دخل الأسر المعيشية بما لا يقلّ عن 20 مليار دولار، ويُمكّن المنطقة من تحسين مستوى توفر الأغذية إلى حد كبير، وتخفيض الواردات من الأغذية، وتحسين الموازين التجارية”.

ولا يبدو أنّ معظم الدول العربية مستعدَة إطلاقا لمواجهة النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للجائحة. وفقدت المنطقة العربية ما يفوق 6 ملايين وظيفة في عام 2020.

وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من آثار “بالغة وطويلة الأمد” لجائحة فايروس كورونا على الدول العربية، مقدما بعض الملاحظات والتوصيات لـ”البناء على نحو أفضل”.

وفي تقرير نُشر في 23 يوليو بعنوان “كوفيد – 19 والمنطقة العربية: فرصة لإعادة البناء على نحو أفضل”، أوضح غوتيريش كيف أن تفشي جائحة كورونا كشف عن “تصدعات خطيرة ومكامن ضعف عميقة” في المجتمعات والمؤسسات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم، ولاسيما في المنطقة العربية التي يعيش فيها 436 مليون نسمة و”تعاني أصلا مشكلات مزمنة قيّدت قدرة الدول على الحدّ من آثار كورونا”.

ورأى أن المنطقة العربية شهدت أخيرا “اتجاهات تبعث على القلق” بشأن تدابير مكافحة الجائحة والنتائج المترتبة عليها خصوصا في ظل “تجزئة نظم الرعاية الصحية، وعدم كفاية الرعاية الأولية” في عدد من هذه البلدان.

ولفت في الوقت نفسه إلى أن الجائحة فاقمت تحدّيات ماثلة منذ عقود طويلة وسط انتشار العنف والصراع وغياب المساواة، والبطالة، والفقر، وتداعي شبكات الأمان الاجتماعي، وتزايد دواعي القلق بشأن حقوق الإنسان، ونقص إمكانات الاستجابة في المؤسسات ونظم الحوكمة، علاوة على نموذج اقتصادي لم يلبِّ طموحات الجميع.

وأبرز كيف أن الصدمة المزدوجة الناجمة عن تزامن الجائحة مع انخفاض أسعار النفط، دفعت بصندوق النقد الدولي إلى مراجعة توقعاته الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخفضها إلى أدنى مستوى منذ 50 عاما.

ولم يترك التقرير صورة مظلمة عن الوضع المستقبلي للدول العربية، بل رأى أنها “قادرة على استخدام خطط التعافي كوسيلة لإعادة البناء على نحو أفضل ومعالجة التحديات”.

مجتمع

وحثّ التقرير الأممي على منح الأولوية لـ”تخفيف وطأة انتشار الوباء وحل الصراع والعناية بالمعرضين للمخاطر” من الفئات المهمّشة كالنساء واللاجئين والنازحين داخليا وغيرهم، و”توطيد إصلاحات نظم الحماية المجتمعية لتحقيق المزيد من العدالة والنهوض بقدرات الفئات المعرضة للمخاطر” و”دفع التعافي الاقتصادي” في الوقت نفسه.

وتوقع بأن ذلك يستلزم استيلاد فرص عمل لائقة ومستدامة، والنظر في سبل دعم القطاع الخاص للحد من موجات تسريح العمال وتحفيز الاقتصاد.

وشدّد التقرير أيضا على أهمية “اغتنام الفرصة وإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان وإصلاح المؤسسات” والمساواة بين الجنسين والنظر في الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالشباب.

وفي كلمة له، قال الأمين العام للأمم المتحدة “لقد حان وقت اتخاذ التدابير الفورية للحد من انتشار المرض، وإنهاء الصراعات، وتوجيه العناية للفئات الأكثر عرضةً للمخاطر.. علينا تكثيف الجهود لمعالجة أوجه عدم المساواة ودعم التعافي من خلال إعادة النظر في النموذج الاقتصادي للمنطقة لمصلحة المزيد من التنويع وإعطاء الأولوية اللازمة لحقوق الإنسان”.

كذلك دعا الدول العربية إلى دعم مؤسسات المجتمع المدني والإعلام الحرّ، وتعزيز المساءلة في المؤسسات العامة لرفع ثقة المواطنين وتقوية العقد الاجتماعي، مشيرا إلى ضرورة توسيع إصلاحات قطاع الصحة والحماية الاجتماعية، وتأمين التعليم الشامل دون انقطاع، وضمان حصول البلدان العربية على التمويل.

20