الحِداد يخيم على العاصمة الليبية والميليشيات عصية عن المحاسبة

الاثنين 2013/11/18
أقفلت العاصمة الليبية أمس حدادا على قتلاها وغيضا من عنف الميليشيات

طرابلس- خيّمت أجواء الحداد أمس الأحد على العاصمة الليبية طرابلس، حيث بدأ أهالي المدينة إضرابا عاما عن العمل احتجاجا على ما جدّ بها من أحداث دامية، الجمعة الماضي، أدت إلى مقتل نحو 50 شخصا وإصابة مئات الليبيين.

شهدت طرابلس أمس إقفال كافة المؤسّسات العامة والخاصة والمدارس ومعظم الأسواق الشعبية والمحلات التجارية، حدادا على أرواح المواطنين الذين سقطوا في المظاهرة السلمية التي كانت تطالب بإخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة. كما خلت طرابلس من حركة السيارات وتنقل الأشخاص باستثناء المرافق الصحية والمخابز والصيدليات ومحطات البنزين.

وكان المجلس المحلي بطرابلس قد أعلن عن إضراب عام في مختلف مناطق طرابلس الكبرى بدءا من يوم أمس الأحد ويستمر لثلاثة أيام حدادا على ضحايا الاشتباكات الدامية التي شهدتها العاصمة. وقد حثّ المجلس الجميع على «التهدئة وضبط النفس وعدم التعرّض للأشخاص وإيذائهم وعدم التعرّض للممتلكات الخاصة والعامة حرصا على وحدة الوطن ولمّ الشمل ودرءا للفتنة ولنفسح المجال لأهالينا من مختلف مدن ليبيا الذين يبذلون مساعيهم الحميدة لرأب الصدع وإخماد نار الفتنة».

وكانت وزارة الداخلية أعلنت، أمس الأوّل، أن 43 شخصا على الأقل قتلوا وأصيب أكثر من 400 آخرين عندما فتح مسلحون من ميليشيا تابعة لمدينة مصراته النار، يوم الجمعة في منطقة غرغور بطرابلس، على متظاهرين كانوا يطالبون بوضع حد لوجود الميليشيات المسلحة في العاصمة الليبية. وتجدّدت الاشتباكات أمس الأوّل السبت في منطقة تاجوراء بالضاحية الشرقية لطرابلس، بعدما تمكن مسلّحون شبه نظاميين من منع عناصر من مليشيا مصراتة من دخول المدينة للانتقام لرفاقهم الذين قتلوا خلال مواجهات الجمعة.

ومن جهة أخرى، قال المتحدث باسم المؤتمر الوطني العام (البرلمان) عمر حميدان إن جلسة المؤتمر أمس خصّصت لمناقشة الأوضاع والأحداث الأليمة بطرابلس، حيث ندّد أعضاء البرلمان بهذه الأحداث، معتبرين ما حدث جريمة استهدفت مواطنين عُزّل أثناء مسيرة سلمية.

وأوضح حميدان أنه تمت مناقشة الآليات المناسبة من أجل عدم تكرار ما حدث، لافتا إلى أنه تم الاتفاق على استدعاء رئيس الوزراء ووزيري العدل والدفاع والداخلية ورئيس المخابرات العامة بالحكومة الليبية المؤقتة ومدير أمن طرابلس، لمناقشة الأحداث التي وقعت والتأكيد على تفعيل القرار رقم 27 بشأن إخلاء مدينة طرابلس من التشكيلات العسكرية.

وتبذل القوات المسلحة التابعة للحكومة الليبية المؤقتة برئاسة علي زيدان، جهودا مضنية للسيطرة على ميليشيات ومسلحين إسلاميين ومقاتلين سابقين آخرين يرفضون تسليم أسلحتهم بعد عامين من إسهامهم في إسقاط نظام معمر القذافي، غير أنّ جهودها باءت بالفشل إلى حدّ الآن، بل ما فتئت رقعة العنف المسلّح تأخذ في الاتّساع.

وقال سعدات البدري رئيس المجلس المحلي لطرابلس إن كبار مسؤولي المدينة، يريدون أن تغادر جميع المجموعات المسلحة إلى خارج المدينة العاصمة، وطالبوا بإجراء تحقيق في أعمال العنف التي اندلعت يوم الجمعة، مضيفا أن الإضراب العام الذي بدأته المدينة أمس، ويدوم ثلاثة أيام، سيستمر إذا لم تُلبّ المطالب.وتابع أنّه لا تفاوض مع الميليشيات لأن الأمور واضحة، وزعماء المدينة يريدون قرارًا من الحكومة حيال هذه المشكلة.

من المفارقات في ليبيا أن أفراد الميليشيات المسلحة ينالون رواتبهم من ميزانية الدولة، لكن ولاءهم يبقى لقادتهم أو قبائلهم

وسيكون من الصعب على حكومة زيدان دعم هذه المطالب المناهضة للميليشيات القويّة وجيّدة التسليح، خاصة أنّ القوات المسلحة الليبية الحديثة التشكيل لا تزال تتدرّب بمساعدة الولايات المتحدة وشركائها في حلف شمال الأطلسي.

ويُذكر أنّ رئيس الحكومة علي زيدان نفسه كان قد خُطف الشهر الماضي على أيدي ميليشيا تدفع الحكومة رواتبها لكن أفرج عنه دون أن يلحق به أذى بعد ساعات قلائل. وكل هذا يٌبيّن مدى سطوة الميليشيات وعدم قدرة الحكومة على صدها ووضع حدّ لتجاوزاتها.

وكثيرا ما تُعيّن الحكومة رجال الميليشيات والمقاتلين السابقين لحماية الوزارات والمقرات الحكومية، لكن هؤلاء المسلحين يظلّون موالين لقادتهم أو للقبائل التي ينحدرون منها ويحاربون من أجل السيطرة على مناطق محلية. ومقاتلو مصراتة جزء من ميليشيا قوة «درع ليبيا» ومن المقاتلين الإسلاميين من المنطقة الساحلية الخصبة إلى الشرق من العاصمة حول مدينة مصراتة. لكنهم باتوا أكثر عزلة في الآونة الأخيرة في طرابلس بعدما انخرط بعض مقاتليهم في خلافات شخصية مع حلفاء سابقين في «اللجنة الأمنية العليا» وهي ميليشيا إسلامية مقرها قاعدة معيتيقة الجوية في شرق العاصمة.

وهناك ميليشيات أخرى منافسة لمجموعة مصراتة منها ميليشيا الزنتان القوية، وهي عبارة عن تحالف فضفاض من القبائل البدوية الأكثر علمانية في قلب الصحراء وتسيطر على منطقة حول مطار طرابلس الدولي، فضلا عن الميليشيات التي تسيطر على مرافئ نفطية عدة أشهر مما قلص شحنات الخام إلى أكثر من النصف.

وأفادت وكالة الأنباء الليبية أن عناصر «القوة المسلحة» التي كانت موجودة بمنطقة غرغور في طرابلس، حيث جدّت مواجهات الجمعة، انسحب ليلة السبت. ودون أن تذكر اسم «مليشيا مصراتة»، أشارت الوكالة إلى أن عناصرها أخلوا جميع المقرات التي كانوا يشغلونها وانسحبوا من المنطقة، وأنّ بعض المقرات والآليات التي كانت تحت سيطرة هذه الميليشيا تعرّضت لعمليات حرق وإتلاف. وكانت قوات درع ليبيا الوسطى قد أعلنت سيطرتها على منطقة غرغور، واعتبرتها منطقة عسكرية إلى حين وضع آلية لتسليمها إلى مؤسسات الدولة.

يُذكر أنّ مؤسسات المجتمع المدني، في العديد من المناطق والمدن الليبية، طالبت المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة والمجالس المحلية ومجالس الحكماء والشورى بمختلف المناطق، بتحمّل مسؤولياتها في رأب الصدع وحقن الدماء وبسط الأمن وردع الخارجين عن القانون.

وقد دعت، في بياناتها، إلى ضرورة إخلاء العاصمة من كافة المظاهر المسلحة، وتنفيذ قراري المؤتمر الوطنى رقمي 27 و53، مستنكرة ما حدث من تأجيج وإثارة للفتن والدعوات القبلية والعصبية وما ينجرّ عنها من سفك للدماء ونشر للكراهية وتمزيق للنسيج الاجتماعي وتأخير لمسيرة الدولة والثورة في ليبيا. ومن جانبها، حمّلت «رابطة علماء ليبيا» الجيش الليبي مسؤولية سرعة تنفيذ قراري المؤتمر المذكورين «لأنه الجهة الشرعية المعنية بهذه الأمور»، مطالبةً بحمايته للمناطق السكنية والمواطنين من بطش تلك الكتائب.

وقال رئيس الرابطة عمر مولود، في تصريح لإذاعة «أجواء لبلاد» الليبية، إنّ «الكتائب الأمنية يجب أن توفر الحماية للمواطن، لا أن توجه الرصاص إلى صدره فهذا خيانة لواجبها».

2