الخادمات القاصرات يعانين شروخا نفسية تؤدي إلى الكبت والجريمة

الجمعة 2015/01/30
عمل الطفل يؤثر في نفسيته ويولد لديه أحقادا داخلية يشب عليها

بنات صغيرات دفعتهن ظروفهن إلى العمل كخادمات، يتحمّلن قسوة المخدومات وإهاناتهن وتعسفهن بعيدا عن التعامُل بشكل آدمي، مما يحتّم على الدولة أن تعيد صياغة هذه المنظومة بشكل يعيد شيئا من “الرحمة” و”الإنسانية” إلى “مُجتمع الخادمات”.

عالم “الخادمات” في مصر مأساوي، والسبب معروف، هو الفقر والحاجة، عالم مليء بأطفال قست عليهم الحياة والزمن، واستكملت رحلة القسوة سماسرة وبعض الأسر الذين لا تعرف معاني الرحمة طريقا ولا سبيلا إلى قلوبهم.

مديحة أحمد تعمل “مخدماتية” أو “وسيطة”، تمد مكاتب التخديم بالخادمات مُقابل “سمسرة” أي قيمة مالية تحصل عليها نظير احضارها لعدد منهن، تقول مديحة: “أذهب إلى المناطق الريفية، والمناطق التي ترتفع فيها نسبة الفقر والأمية، وأقوم بإقناع الأرامل والمطلقات بالعمل داخل المنازل، أما الأكثر ربحا لي فإقناع الأسرة الفقيرة بتشغيل بناتهن، حيث أذهب بهن إلى الأسر التي تحتاج إلى خادمات، وأحصل على نصيبي من المال كوسيطة، ثم أذهب بعد أن أكتب تعهُّدا بأن آتي بغيرها، إذا لم تنل القبول، هذا إذا كانت الأم معي، أما إذا لم تكن الأم موجودة فأذهب إلى مسكنها، وأعطي لوالدها أجرة ثلاثة شهور مسبقة، ثم آخذ البنت وينتهي الأمر”، وتضيف: “إن أغلب البنات والدهن عاطل أو مسجون، ووالدتهن مريضة أو خادمة”.

ويقول ن. م صاحب مكتب خدمات بالقاهرة: “يأتي إلينا سمسارة من المناطق الريفية، بمجموعة من البنات في مختلف الأعمار، بين سن العشر سنوات و20 سنة، بالإضافة إلى المربيات والخادمات المطلقات والأرامل وغيرهن، وتأخذ “سمسرة” على كل فرد، هذا إذا كانت تتعامَل معنا، ونحن بدورنا نوجّهها إلى الأسرة المحتاجة إلى خادمة تعمل لديها، ولكننا نأخذ البنت طبعا ومعها صورة بطاقة “السمسارة”، حتى نضمن أن الفتاة ليست مخطوفة أو مُجبرة على العمل”.

37 بالمئة من أسر الحضر، و25 بالمئة من أسر الريف تعيش تحت خط الفقر ويعولها أطفال

وفي لقاء مع بعض الفتيات القاصرات، تقول شيماء حسين، البالغة من العمر 13 سنة إنها تعمل منذ كانت في الثامنة من عمرها، وضاقت بها الحياة عندما هربت من منزل زوج أمها، لتذهب إلى أبيها بعدما لاقت من زوج الأم الضرب والسب والعُنف، لتجد وحشا آخر في انتظارها، هو زوجة أبيها، فعملت كخادمة عندها لمدة سنة دون أن تشكو لوالدها شيئا، لأنها تعلم أنه لن يفعل شيئاً حيال ذلك، ولاقت أشد أنواع العذاب، إلى أن هربت من منزل والدها، لتجد نفسها بين يدي امرأة ادّعت أنها تريد أن تحميها من الحياة، فذهبت بها إلى أسـرة وقبضت الثمـن.

وتضيف شيماء قائلة : “في اليومين الأوليين كانت سيدة البيت تُعاملني برفق، إلى أن انقلب الحال وأيقظتني ذات مرة من نومي على الساعة الثالثة صباحا، وقالت لي إن شعري غير نظيف وسيسبب العدوى لصغارها، وأحضرت علبة “بيروسول” كبيرة ورشتها على رأسي، حتى أحسستُ بالغثيان، وظللتُ في حالة إغماء لمدة أربع ساعات، بالإضافة إلى القيء، وبعدما أفقت من الإغماء، فوجدتُ نفسي مُمددة على الأرض في المطبخ، فهربتُ وذهبتُ عن طريق امرأة أخرى إلى منزل آخر”.

أما نورا محمود، البالغة من العمر 13 سنة، فقد جلست والحزن والكآبة باديان على ملامحها، تقول: “أعمل منذ سن التاسعة عند أناس لا تعرف قلوبهم الرحمة، ولا حتى معناها، وأنا لم أذهب عن طريق سمسارة، بل عن طريق والدي، لأنه يعمل حارسا عندهم، فتعهّدوا له بمعاملتي مُعاملة حسنة، ولكني لم أجد سوى الإهانة والضرب، وأعلم أنني إذا نطقتُ بكلمة واحدة فسوف يكون مصير والدي الطرد، وفقدان وظيفته التي يعول من خلالها إخوتي الصغار وأمي العاجزة”.

وتقول عايدة، فتاه بائسة تبلغ من العمر 13 سنة: “كنتُ أعمل عند سيدة لا ترحم، دائمة السب واللعن، كانت تجلسني في المطبخ، وأنـام على الأرض صـيفا وشتاء بغطاء خفيف، وكنـتُ أقوم بأعمال لا تقوم بها سيـدة كبيرة، كغسيـل الحيـطان والسجادات وغير ذلك من الأعمـال الشاقة التي تجعلني في الليل أخلد إلى النوم دون أرادة، لأصحو على صراخها موقضة إياي، وأبدأ يوما أشد إرهاقا من ذي قبل.

رغم صدور قانون الطفل ورفع سن التشغيل إلا أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تضافر كافة المؤسسات

تقول الدكتورة نوال محسب أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة: “إن عمالة الأطفال ظاهرة قديمة داخل المجتمعات، كما أن لها أبعادا اجتماعية ونفسية يجب الاهتمام بها، عن طريق التعاون الكامل بين الوزارات والمؤسسات والمنظمات وأصحاب الأعمال”.

وتضيف: “لا ننس أن الطفلة تعمل في مثل هذه الأعمال كنتيجة للتفكك الأسري أو شرخ أصاب مُحيط عائلتها، ولهذا تتولّد لديها ظاهرة عدوانية وحقد واضح على المجتمع، والاستعداد الكامل للإيذاء عن طريق السرقة والكذب والسلوك غير الأخلاقي”، وتشير إلى أن هناك 37 بالمئة من أسر الحضر، و25 بالمئة من أسر الريف تعيش تحت خط الفقر ويعولها أطفال، فهناك 2 مليون طفل يعملون في ظروف سيئة بلا ضوابط أو حماية، وعلى الرغم من صدور قانون الطفل ورفع سن التشغيل عند الأطفال، إلا أن التصدي لهذه الظاهرة والحفاظ على حقوقهم، يتطلبان تضافُر كافة المؤسسات والجهات الرسمية والشعبية المعنية بالطفل.

بينما يؤكد الدكتور محمد علي مكاوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة أن عمل الطفل وانتهاك طفولته بهذه الصورة البشعة يؤثّران على نفسيته، ويولّدان لديه أحقادا نفسية يشب عليها، ومن خلال الإحصائيات، فقد قدرت مُنظمة العمل الدولية عدد الأطفال الذين يعملون بشكل غير مُستقر في كافة أنحاء العالم بنحو ملياري طفل عامل، وتصل نسبة الأطفال الذين يعملون في بعض البلدان الأفريقية إلى 20 بالمئة من مجموع عدد الأطفال، ويشكّلون 17 بالمئة من القوى العاملة بها، وهذا ما دفع منظمة العمل الدولية إلى إصدار اتفاقية دولية بشأن القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال في دول العالم دون سن الثامنة عشرة، على أن تلتزم الحكومات وأصحاب الأعمال بتطبيقها.

21