الخازوق

الأربعاء 2014/11/12

قارئ الرواية لا يشتهي الفرح موضوعيا، يتوق إلى أن يخرج من عوالم الألم بإحساس النشوة، والتطهير، وتمديد أفق الالتباس في العالم، هو حين يتابع مسارات الشخوص وتحوّلات الأمكنة وتقلبات الزمن، لا يبتغي أبدا أن يتطلع إلى تحقق أحلام أو إلى إنجاز سعادات، يتشوّف بالأحرى إلى أن تتجلى الغبطة ملوثة بالخيبة، في كل المصائر التصاعدية، وإلى أن لا يدرك الأمل أمده البعيد. إرث تجديفي ثقيل ذاك الذي تحمله ذاكرة الرواية، يجعلها نقيضا لكل سرديات النجاة من الخطيئة، ويحوّلها إلى أفق مارق. لذا كانت أردأ الروايات تلك التي تتحوّل إلى حكايات مقفلة قصاراها دخول الفردوس؛ قارئ الرواية شخص مهووس بالألم، مدمن على مسارات المعاناة ومكابدة الكروب والخيبات، قرينة الجحيم. لهذا قد لا يكتشف ناقد الرواية شيئا جديدا حين ينتهي إلى اعتبار اختيارات روائية ما تعبيرا عن خيبة أمل مقيمة، فقط لأن نصوصا قرأها بدت له بجبلتها القديمة ممثلة لمسارب “العذاب”، و”القسوة”.

في رواية “جسر على نهر درينا”، للروائي البوسني “إيفو أندريتش”، صاحب نوبل للآداب، وهي الرواية التي تحكي مسار جسر في سراييفو أنشأه الوزير “إبراهيم بيرغلي”، في عهد السلطان “سليمان القانوني”، وظل شاهدا فريدا على تحوّلات أمكنة ومصائر شعوب معذبة، قبل أن تتفاقم الحروب العرقية والدينية التي ستطيح بالجسر في دولة الأقلية المسلمة؛ إنما أهمّ مشهد في النص الفاتن، اقترن ببطولة الجسر، هو لحظة استعمال الخازوق في إعدام ثائرين بوسنيين تمرّدا على حكم السلطان العثماني، حاولا نسف أساسات الجسر، صورة ممتدة أفقيا لآلية الإعدام الرهيبة، ستعلم ملايين القراء أن السلطة العثمانية لم تكن مجرّد مساجد وصوامع وقصور، لكنها أيضا تلك القوة الإنكشارية القاهرة التي تخوزق البشر.

في قراءاتي المتعددة للرواية لم يسكن وجداني إلا مشهد الخازوق الذي اختص بإتقانه الغجر، ممن كانت مكافأتهم تعظم، دوما، بقدر نجاحهم في تلافي قتل المحكوم من أول وهلة، وإنما بتلافي اختراق الخازوق لمنطقتي الكبد والقلب، ومراوغة الأحشاء المرهفة لحين تمزيق الكتف.

الرواية حينها كانت فعلا اشتهاء للألم، مثلما كانت رواية “العمى” للروائي البرتغالي “خوصي سراماغو” لحظة أخرى في النزعة غير السوية للرواية في النزوع إلى الجحيم، كيف يمكن أن نشتهي العمى، ونحن نقرأ الممكنات والاحتمالات الآخذة للبطل المتوقف فجأة عند إشارة مرور فيفقد بصره، ونحن في منتهى السعادة. هي لحظة تبدو أقوى من حبور مستكين لصحة خادعة، ورغبة غير سوية للإعاقة.

وحين أستعيد اليوم هذا الخازوق العظيم، الاستثنائي والمنقرض من الوجود، وذلك العمى الأخاذ والملهم، تستبدّ بي رغبة روائية لعينة، أشتهي فيها أن يكون الجحيم هو ذلك الخازوق.


كاتب مغربي

15