الخاسرون من التفاهمات بين مصر والسعودية

الاثنين 2016/04/11

إذا كانت الزيارة التي اختتمها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر الاثنين أحدثت نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، فإنها أيضا أرخت بظلال سلبية على جهات كانت تستفيد من المنطقة الرمادية بينهما، وبنت توقعات إيجابية لصالحها، بموجب الخلاف الذي ظهر من حين لآخر بشأن تفاصيل بعض القضايا.

هذه الجهات أضحت مطالبة بإعادة النظر في السياسات التي كانت تتبعها، حيال التعامل مع كل من مصر والسعودية، والتي نبعت أصلا من صعوبة التفاهم التام بين البلدين. وحاولت بطرق متباينة توسيع الهوة، وتفسير هامش الخلاف الحقيقي والمتخيّل لصالحها، بل والجري وراء توسيع أطرها، وعندما كان يتم رسميا نفي التكهنات والتخمينات، تتصاعد نبرات التشكيك، أملا في عدم وصول العلاقات إلى المحطة التي ترتقي فيها عمليا إلى المستوى الاستراتيجي.

الزيارة التي قام بها الملك سلمان للقاهرة، والحفاوة التي لقيها عند المصريين ورئيسهم، والنتائج الاقتصادية المبهرة التي تمخضت عنها، علامات أكدت أن العلاقات دخلت مربعا صامدا يصعب أن تبارحه، وهو ما أصاب من راهنوا على استثمار الخلاف المكتوم، بقدر وافر من الإحباط، حيث نسجوا تصورات تنطلق من استمراره، وربما اتساع مجالاته.

الحاصل أن هناك ست جهات، تتقدم أو تتأخر، يمكن اعتبارها من أبرز الخاسرين من وراء التقدم الواضح في العلاقات بين مصر والسعودية، وسوف تتأثر كثيرا بالتطورات المتوقعة، التي ستوفر لكل منهما درجة عالية من الثبات أمام العواصف التي تهب، حينما يتيقن أصحابها أن الأجواء مناسبة لإثارة الغبار.

الجهة الأولى، إيران، التي كانت تفسّر صمت القاهرة حيالها وعدم الانجرار وراء الطموحات السعودية، بأنه اعتراف من مصر بعدم الاقتناع بتقديرات الرياض، لكن زيادة وتيرة التأكيدات التي خرجت من النظام المصري بالدفاع عن السعودية، وأمن الخليج عموما، في إشارة تستهدف إيران، حملت دلالة بالغة بأن هدوء القاهرة لا يعني قبولا بمواقف طهران أو رفضا لحسابات السعودية.

الضربة الأولى جاءت مبكرا وتبلورت بتمكن السفن المصرية من منع توصيل أسلحة إيرانية للمتمردين الحوثيين في اليمن، ثم توالت الضربات تدريجيا، وأبرزها دعم الجامعة العربية بشأن إدراج حزب الله اللبناني على لائحة التنظيمات الإرهابية، ثم منع بث قناة “المنار” التابعة له على القمر الصناعي المصري “نايل سات”، والكشف أخيرا وبصورة تفصيلية عن توقيف سفينة أسلحة إيرانية كانت في طريقها إلى شواطئ اليمن، وقد تم ذلك عشية زيارة الملك سلمان للقاهرة.

المعنى المهم الذي تنطوي عليه هذه النوعية من التطورات، يقول إن مصر بدأت تتخلى عن دبلوماسيتها الحذرة إزاء التعامل مع إيران، التي أصبحت مضطرة للاعتراف بأن المنطقة الرمادية التي تصورت أنها تعمل لصالحها لم تعد موجودة، ما يمنح الرؤية السعودية قوة في الملفات التي تتقاطع فيها مع طهران.

الجهة الثانية، تركيا، حيث قطعت أنقرة شوطا كبيرا في تطوير علاقاتها مع الرياض، ومع أن هناك عوامل موضوعية مهمة فرضت ذلك، لكن ثمة جزء منها يتعلق بانخراط مصر في همومها الداخلية، وجزء آخر يتعلق بالهواجس التي خيمت على الرياض في بعض اللحظات حيال الالتباس الذي بدا على توجهات القاهرة في بعض الأزمات الإقليمية.

الارتباك الذي لازم مصر حتى وقت قريب، لم يمكنها من التفاعل بكثافة مع بعض الأزمات الساخنة، ودفع أنقرة في المحصلة النهائية إلى أن تتقدم وتملأ الفراغ الذي تركه عدم انخراط القاهرة بقوتها الحقيقية، وتزداد علاقاتها اقترابا من الرياض، وإحداث توازن إقليمي مع إيران.

ومع النمو اللافت في علاقات السعودية مع مصر، يمكن أن تتأثر الطموحات التركية، التي ارتقت بعض جوانبها، مستفيدة من مساحة الخلاف في تفاصيل عدد من القضايا الساخنة بين القاهرة والرياض.

الجهة الثالثة الخاسرة، النظام السوداني، فرغم أن الرئيس عمر البشير يتظاهر علانية بأنه يقف بجوار النظام المصري، غير أنه لم ينس يوما أن جماعته وعشيرته “الإخوان المسلمين” خرجوا من السلطة، وأصبحوا مطاردين من قبل الأجهزة المصرية، لذلك كان يتفنن في أن يكشف عن ضيقه من القاهرة، مستفيدا أيضا من المنطقة الرمادية بين مصر والسعودية، فكان يتصور أن “الشوشرة” على مصر في الملفات المشتركة، تقدم خدمة للسعودية.

وفي هذا السياق، طلب البشير من الرياض التوسط بين الخرطوم والقاهرة لتسوية أزمة مثلث حلايب وشلاتين، وهو يعتقد أنه يفتح جرحا، يجامل به السعودية على حساب مصر.

كما أن استجابته السريعة لإرسال المئات من السودانيين ليحاربوا على الأرض في اليمن ضمن التحالف العربي، كانت إشارة لتعزيز علاقته مع الرياض، خاصة عندما امتنعت مصر عن إرسال جنودها، لكن التطورات الإيجابية الجديدة، مرجحة لأن تحرم البشير من ممارسة ألاعيبه ومراوغاته التقليدية.

الجهة الرابعة، المعارضة اليمنية للتدخل السعودي، وكان الاتجاه العام الغالب على بعض رموزها تحذير مصر من الانخراط في الحرب، وزيادة وتيرة العزف على “فوبيا” التجربة المصرية الأولي في ستينات القرن الماضي، وتشجيع عناصر من المتمردين الحوثيين على زيارة القاهرة، والترويج لمعلومات بشأن لقاءات سرية بينهم وبين مسؤولين مصريين.

وكلها مؤشرات كانت تستفيد من المنطقة الرمادية بين القاهرة والرياض، ومرشحة لأن تتوقف خاصة مع النمو الكبير في العلاقات بين الجانبين.

الجهة الخامسة، المعارضة السورية، التي استثمرت الخلاف في التفاصيل، ونجحت فئة كبيرة في أن تسوق نفسها باعتبارها الأكثر عداء لنظام الأسد، ووضعت الجناح الذي تدعمه القاهرة في خندق يشبه الموالاة للنظام السوري، وبعد تزايد التفاهمات بين مصر والسعودية في هذه الأزمة، سيخسر الجناح الأول، ويستعيد جناح القاهرة جانبا مما فقده من خسائر معنوية.

الجهة السادسة، الإخوان المسلمون، حيث عزفوا بقوة على وتر التباين، واستثمروا الهوامش التي أتاحت لهم فرصا لتسويق أن هناك سياسة سعودية جديدة نحو مصر عقب تسلم الملك سلمان السلطة، تميل لصالحهم، وفي كل ضجيج حول طبيعة الهوة بين البلدين، كانت الجماعة تتعمد الإيحاء بأنها حليف قوي للمملكة، والآن سوف تسقط هذه الورقة، ما يقلل من المضايقات التي كانت تتعرض لها القاهرة.

كاتب مصري

9