الخاطبة العصرية طريقة عملية محفوفة بالمجازفة

السبت 2014/11/01
الطرق العصرية في التعارف بهدف الزواج لها العديد من السلبيات

القاهرة - مشكلة العنوسة واحدة من أكثر المشكلات الاجتماعية في عالمنا العربي، حيث تصبح الفتاة هي الضحية التي تدفع الثمن بسبب العنوسة، وتعيش الأم مأساة أخرى مع ابنتها التي يكاد يفوتها قطار العمر وهي بلا زواج، مما يعمِّق الإحساس بالخوف من الأيام القادمة، ولذلك ظهرت فكرة “الخاطبة” العصرية.

كانت الخاطبة التقليدية تلعب دورا اجتماعيا هاما في ظل انغلاق المجتمعات، ولكن مع انفتاح هذه المجتمعات وتحرُّرها وتطور وسائل الحياة والاتصال فيها بشكل مذهل، تراجع دور الخاطبة.

تقول “س.م”: كنت في البداية أتعجب كثيرا حينما أجد إعلانات عن طلبات الزواج بالمجلات والصحف اليومية، وكنت أتساءل ما الذى ولم يدفع بعض النساء وحتى الرجال إلى ذلك، ولما لا يرتبطون بمن حولهم سواء الأقارب أو الجيران أو المعارف؟، لكن مع الوقت اكتشفت أن لكل شخص مواصفات معينة يحتاج إلى تواجدها في شريك حياته، لذا فإنه يتجه إلى هذا الطريق.

ومع الأسف نحن لدينا في المجتمع الشرقي نظرة معيّنة للفتاة أو السيدة التي تسعى إلى الزواج عن طريق الإعلانات، حيث ترى أن تلك الفتاة بلا حياء تبحث عن زوج بنفسها ولا ينظر بنفس تلك الطريقة للشاب، كما أنه قد يتم الزواج فعلا عن طريق الإعلانات.

ويقول الدكتور عبدالرحمن علي، أخصائي اجتماعي: أنا مع هذه الطريقة من الزواج، وذلك لأن زواج الإعلانات يُعد طريقة عملية جدا في الوقت الراهن، وخصوصا لمن جرى بهم العمر دون أن ينتبهوا، فيكون هذا الزواج من الوسائل المساعدة لهم في اختيار شريك الحياة، وأؤمن بأن الزواج “قسمة ونصيب”، وقد يكون نصيب الإنسان في الزواج عن طريق تلك الوسيلة ولا أحد يعرف بمن سيرتبط، ورأيي في أسباب انتشار مثل هذه الطريقة ومشتقاتها – إن جاز التعبير – هي نتيجة طبيعية لتطورات العصر كما يحدث في جميع المجالات، فالشباب والفتيات في الوقت الحالي يريدون مواصفات معينة في شريك حياتهم، فقد يجدوا مَن يتوافق معهم عبر هذه الوسيلة.

الزواج قديما كان شيئا مقدسا وكان محض مسألة عاطفية أو أن القرابة تكون السبب فيه، أما الآن فيتم وكأنما هو سلعة تباع وتشترى

وترى الدكتورة هدى فتحي؛ باحثة في التنمية البشرية؛ أن الزواج عن طريق الإعلانات لا يستطيع أحد أن يحكم على مدى مصداقيته، لأن هذه الإعلانات قد تحمل الجد أو التلاعب من الطرفين، فكيف للشاب أن يعرف أن تلك الفتاة التي تتقدم بمثل هذه الإعلانات إنسانة جادة، وحتى لو كانت كذلك فهل هي إنسانة على خلق أم لا؟ فأنا لا أثق في تلك الإعلانات، خاصة مع تصاعد أزمة الأخلاق هذه الأيام وتقليد الغرب من قبل بعض الفتيات في أشياء كثيرة، منها إقامة علاقات غير بريئة مع الجنس الآخر، حتى الوسيط الذي هو الرابط بين الطرفين ألا وهي الإعلانات التي تمتلئ بها الكثير من الصحف، هو في نظري ليس لها دور غير تعريف الطرفين ببعضهما البعض فقط، ولم يقتصر الأمر على الصحف فقط، بل امتد لظهور مكاتب إعلانات للزواج تخصصت في نفس الشيء أيضا، لكنها تقوم بعمليات الخداع والنصب على الشباب.

وفي رأي الدكتورة حنان سليمان، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، فإن مطالب الفتيات المادية المبالغ فيها والطموح في حياة مرفهة ناعمة هي من بين الأسباب المهمة أيضا، فمثلا رغم حالات الصداقة بين الشباب والفتيات بالجامعات أو العمل إلا أنه لا يتم فيها حالات زواج إلا نادرا، والسبب في ذلك هو أن كل طرف في تلك الصداقة يعرف كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية للطرف الآخر، وأيضا هناك ما يُسمى بالعازفين عن الزواج، فقد أكدت الدراسات أن مثل هؤلاء وصلوا إلى أكثر من مليوني شاب وفتاة على المستوى المحلي فقط، وهؤلاء ظروفهم الاقتصادية جيدة جدا لكنهم يهربون من الزواج، نتيجة لانعدام الثقة بين الطرفين أو لأسباب أخرى.

الزواج عن طريق الإعلانات لا يستطيع أن يحكم على مدى مصداقيته أحد، لأن هذه الإعلانات قد تحمل الجد أو التلاعب من الطرفين

ويضيف الدكتور عبدالرؤوف الضبع، أستاذ علم الاجتماع، أن أسباب ظهور هذه الطرق العصرية في التعارف قصد الزواج ترجع إلى حدوث تغيُّرات شديدة في القرن الحادي والعشرين، وإن دور الخاطبة قد انقرض منذ زمن بعيد، مع العلم أنها كانت موجودة فقط في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي على أقصى تقدير، إلا أنه في العصر الحديث ظهرت وسائل أكثر حداثة وأكثر سرية كالإعلانات، مما انعكس على طبيعة العلاقات بين الناس وتشكّل المجتمع تشكيلا جديدا صاحبته بعض التغيُّرات في أنماط الاتصال بسبب ثورة الاتصالات، فالزواج قديما كان شيئا مقدسا وكان محض مسألة عاطفية أو أن القرابة تكون السبب فيه، أما الآن فهو يتم وكأنما هو سلعة تُباع وتُشترى.

ومن وجهة نظر الدكتورة انشراح الشامي، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة؛ فإن المتغيرات الاجتماعية كانت وراء هذا الاتجاه العصرى الجديد، حيث أن بعض الأسر منذ زمن كانت تستعين “بالخاطبة”، لأن الفتيات كن لا يذهبن إلى العمل ولا النوادي كما هو الحال الآن، وكانت تمر هذه الخاطبة على بيوت الرجال، فتقدّم الصور وتأخذ مقابلا ماديا من الطـرفين، لكن الآن أين الأم أو الفتاة التي ترضى على نفسها أو ابنتها بمـثل ذلك؟.

ويذكر الدكتور إلهامي عبدالعزيز، أستاذ علم النفس، أن الزواج عن طريق إعلانات الصحف والإنترنت هو عودة إلى دور الخاطبة، ولكن بشكل أكثر تطورا، لكن مع درجة أعلى في المجازفة؛ بسبب أن الشاب يُصدم ممّا يراه من سلوكيات الفتيات فيعود إلى دور الخاطبة، ولكن بطريقة متطورة، وأن من أسباب انتشار مثل هذه الوسائل، أن الشاب أو الفتاة يريدان الحصول على مواصفات معينة، والاختيار سيكون هنا أفضل، وكذلك لا يتم رفض طلب الشاب من أهل الفتاة؛ لأن دخله ليس مناسبا، والخطير في الأمر أن عملية الرفض في ضوء المواصفات المعروضة من خلال ما نجده في “النت” والصحف، تكون عملية صعبة ويسيل لها اللعاب، حتى أن الفتاة أو الأسرة تظن أنها أمام فرصة العمر التي لا يجب أن تضيع أبدا، وأيضا قد يستخدمها البعض “من الطرفين” للتسلية، فالشاب قد يذهب للإعلان عن نفسه في إحدى الصحف، ثم يتعرف على فتاة ما ويصاحبها فترة، ثم يتركها ويذهب لغيرها وهكذا.

21