"الخانقاه البندقدارية" طراز معماري فريد

الاثنين 2013/10/07
كنز تاريخي مهمل رغم فردانيته

القاهرة - "الخانقاه البندقدارية" هي إحدى الخانات النادرة الباقية من عهد المماليك بحي السيدة زينب في القاهرة قرب منطقة "بركة الفيل"، أنشأها الأمير علاء الدين البندقداري سنة 683 هـ، وهو أحد المماليك المغاوير الذين سطع نجمهم في عهد السلطان الظاهر بيبرس، الذي تولى البندقداري في عهده سلطنة حلب، لكنه حين توفى في عام 684 هـ دفن في خناقاته التي أنشأها وجعلها مسجداً.

يقول الأثري عبد الحميد العطوي: كان الأمير علاء الدين أيدكين بن عبد الله البندقداري الصالحي مملوكاً للأمير جمال الدين موسى بن يغمور، ثم انتقل إلى مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي جعله أميراً، وبعد وفاته أصبح من مماليك شجرة الدر، وعندما تولى الظاهر بيبرس سلطنة مصر سنة 658 هـ، سطع نجم "علاء الدين" وارتفع شأنه عندما قام الظاهر بمحاربة الأمير علم الدين سنجر حاكم دمشق، وكان من بينهم الأمير علاء الدين، فحاربوه وهزموه حتى اضطر إلى مغادرة دمشق والهرب إلى بعلبك.

واستولى الأمير علاء الدين على دمشق وحكمها نيابة عن الملك الظاهر بيبرس، ثم جهز حملة عسكرية إلى بعلبك لحصار "الحلبي" حاكم المدينة وانتهى الأمر باستسلامه وذهابه إلى السلطان الظاهر في مصر؛ ونتيجة لذلك كما يقول العطوي كافأ الظاهر علاء الدين على إخلاصه فمنحه ولاية السلطنة في حلب، وعندما كثرت فتوحات وانتصارات الظاهر، رأى ألا ينفرد بكل هذه المكاسب والانتصارات لنفسه دون أعوانه، فأصدر أمره بأن يملك الأمراء وخواصه بعض المناطق والضياع، وكان بينهم الأمير علاء الدين البندقداري الذي ملك منطقة "باقة الشرقية".

ويشير" العطوي" إلى أن الأمير علاء الدين كان له نصيب يذكر في جهاد الصليبيين، فقد أغار الفرنجة سنة 664 هـ على حمص، ونزلوا على حصون الأكراد واستولوا على مناطق "عرقة، حلباء، القليعات، قرب طرابلس الشام"، فجهز الأمير علاء الدين جنوده واتجه إلى مدينة صور، وهاجموا الفرنجة فقتلوا وأسروا منهم الكثير.

وعندما أغار التتار على "الساجور" وهو نهر قرب حلب، توجه إليهم علاء الدين بجنوده وانتصر عليهم انتصاراً كبيراً في منطقة "برج برغوث"، منطقة تقع على الطريق بين دمشق وجسر يعقوب.

ويضيف الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان إن علاء الدين عاش حتى دولة الملك المنصور قلاوون، وكان من أكابر الأمراء وأعيانهم، ومات في القاهرة في شهر ربيع الأول من سنة 684 هـ ودفن بمدفنه الموجودة في خانقاه المسماة باسم "الخنقاه البندقدارية"، التي أنشأها وجعلها مسجداً، وما زالت هذه الخانقاه موجودة وتعرف باسم "زاوية الأبار"، وتوجد على يسار المدخل من باب الزاوية، قبة تشرف على الشارع تحتها "قبر علاء الدين" وعليها تابوت خشبي نقش عليه تاريخ وفاته، وتحتوي الخانقاه على قبة أخرى يرجح أن علاء الدين أنشأها لزوجته.

ويوضح "ريحان" أن الخانقاه توجد في منطقة بركة الفيل التي تحولت تدريجياً من الزراعة إلى السكن منذ عام 620 هـ ولم يبق بها أرض بغير بناء إلا قطعة أقيم عليها فيما بعد سراي عباس حلمي الأول المعروفة باسم "سراي الحلمية". وفي عام 1894 قسمت أراضي حديقة السراي وفي سنة 1920 هدمت السراي وقسمت أراضيها وبيعت وتعرف الآن باسم "الحلمية الجديدة".

وعن معمار الخانقاه يقول سعيد حلمي عزت رئيس المنطقة الأثرية بجنوب القاهرة: إنها تتكون من قبتين، الأولى تطل واجهتها علي شارع السيوفية والثانية تقع خلفها ويفصل بينهما مساحة للصلاة، وتتكون الواجهة الأولى من مداميك حجرية وينتهي حائطها بشرفات مسننة، ويعلو حائط الواجهة منطقة الانتقال للقبة المزخرفة بقنوات تفصل بينها فصوص بارزة، وفي وسط الواجهة يوجد مدخل ينتهي بعتب يعلوه عقد عتيق، وعليها شريط كتابي يقع تحت الشرفات مباشرة يحتوي على "رنك وظيفي"، وهو عبارة عن قوسين متواجهين مما يدل علي أن صاحبها كان يشغل وظيفة البندقداري.

ويضيف سعيد: يؤدي إلى الخانقاه مدخل معقود مكون من ثلاثة فصوص، يوصل إلى ممر على جانبه الغربي تقع القبة الأولى، وعلى جانبه الشرقي عدة منازل، وعبره يتم الوصول إلي ساحة الصلاة، وتفتح القبة الأولى على هذا الممر بواسطة باب ينخفض عنه ه بمقدار ثلاث درجات ومبنى من حجر منحوت يشابه حجر الواجهة.

ويشير سعيد إلى أن جدران القبة الأولى تكاد تكون خالية من الزخارف فيما عدا المحراب الذي يعلوه عقد ذو زاوية تحيط به الزخارف الحصية، وعلى جانبي المحراب توجد "حنينان" طويلتان مجوفتان ويقوم عقد المحراب، وكذا عقود الحسنيتين على أعمدة مندمجة، ويوجد للقبة باب ثان في الضالع الشرقي يقابل الباب الذي يفتح على المدخل.

أما القبة الثانية فيمكن الوصول إليها عن طريق صالة الصلاة من الباب، ومنه إلى ممر ضيق في نهايته باب يؤدي إلى القبة الثانية، يدخل إليها عن طريق باب، وهي أصغر قليلاً من القبة الأولى وتحتوي على محراب طويل وضيق وينتهي بعقد منكسر، وتتكون منطقة الانتقال من ثلاثة صفوف من المقرنصات، ويحتوي كل صف على خمس مقرنصات، ويفصل بين الأركان نافذة ذات ثلاث فتحات، وتحتوي رقبة القبة على أربع وعشرين نافذة صغيرة تقوم على شريط من بحور تحتوي على كتابة نسخية، ويملأ فراغ كوشة عقود النوافذ زخارف حصية على شكل معينات ويعلو ذلك مباشرة شريط ضيق من الخط الكوفي.

12