الختان في تونس: أبعد من رمزية دينية

احتفاليات الختان تأخذ أهميتها من كونها بمثابة التعميد الذي يعلن ديانة المولود وعقيدته صراحة ودون تردد، وأكثر ما يوحي بذلك هو أنه وفي مقام من مقامات أحد الأولياء.
الخميس 2018/06/14
بهجة طفولة وتراكم ثقافي

الغالبية من أهالي المشرق العربي، يبدون استغرابهم في أن الختان في المغرب العربي عموما، وفي تونس على وجه التحديد، يتجاوز كونه سنّة حميدة ومستحسنة، ترتبط بعقيدة دينية، تتم بمنتهى السلاسة والمعقولية، وتشترط توفير شروط صحية ونفسية للطفل إلى أن تنسى كأي طقس أو واجب أو فريضة، وذلك دون ضجة أو حتى تذكّر.

يكاد يتفق جميع التونسيين على أن حفلات الختان الجماعي للأطفال، تعد من أهم ما يميز العادات والتقاليد التي تطبع العشر الأواخر من شهر رمضان بلا منازع.

وتتنافس في تونس المؤسسات الحكومية والخاصة إلى جانب النوادي والجمعيات الخيرية والمنظمات المدنية في تبني وتنظيم حفلات الختان الجماعي للأطفال المنتمين إلى العائلات الفقيرة والموعزة على وجه الخصوص.

ليلة السابع والعشرين من رمضان الحالي، تحدثت الإذاعة الرسمية التونسية عن “نجاح جديد حققته هذه المؤسسة الإعلامية العريقة بتأمين ختان 1520 طفلا من العائلات المعوزة ومحدودة الدخل من مختلف مناطق الجمهورية”. جاء ذلك في إطار حملة وطنية أطلقتها هذه المؤسسة في العشرين من شهر رمضان لتتواصل إلى آخر يوم من الشهر، وجاء في تقرير هذه المؤسسة الرسمية الذي لا يخلو في نبرته من تفاخر واعتداد “بمعاضدة شركائها من الهلال الأحمر التونسي والغرفة الوطنية للمصحات الخاصة وعمادة الأطباء والصيادلة”.

يلحظ كل من يزور تونس أن سكان هذه البلاد يحبون أن يضفوا على جميع الشعائر العبادية والطقوس الدينية والسنن النبوية، طابعا احتفاليا يصل حد المبالغة والتضخيم، إلى درجة أن رجال دين متشددين من المشرق العربي قد أبدوا تذمرهم من هذه العادات الاحتفالية المبالغ فيها، ورأوا أنها قد توشك أن تصنف ضمن خانة البدع الدخيلة. وكثيرا ما ينظر منتقدون من داخل تونس وخارجها إلى احتفالية الختان على الطريقة التونسية بنوع من السخرية والاستهجان، ورأيهم في ذلك أنها تتسم بالمبالغة والتبذير والصرف في غير محله، ويشاركهم في ذلك بعض السلفيين. كما حذر منها بعض أطباء النفس لما لها من تأثيرات سلبية على ذاكرة الطفل في المستقبل في رأيهم، ونصح كثيرون بوجوب الختان في الأيام الأولى من ولادة الطفل كما تفعل غالبية من مسلمي العالمين العربي والإسلامي.

"الخمسة" هي كف مريم العذراء الطاردة للأرواح الشريرة ثم تحولت إلى كف فاطمة الزهراء في الحقبة الفاطمية الشيعية

المنتصرون للخصوصيات المجتمعية والمدافعون عن الهويات الثقافية والفلكلورية يرون أن هذه الطقوس الاحتفالية ينبغي المحافظة عليها والاهتمام بها وتدوينها لما تزخر به من عادات ترافقها ولا تنفصل عنها كالأغاني والأهازيج وبعض أنواع الملابس والعطور والزينة والطبخ وغيرها.

كما أن عادة الختان في تونس تتميز بروح المشاركة الاجتماعية ذات الطابع المبهج، والذي من شأنه أن يمد جسور التواصل الاجتماعي، ويخلق نوعا من الوئام والتكافل الاجتماعي، علاوة على أن الختان يرتبط بشكل أو بآخر بالديانات الإبراهيمية مع مراعاة بعض الاختلافات، ولعل أبرز مثال على ذلك هو مشاركة يهود تونس احتفالات جيرانهم المسلمين في الختان وتبادلهم للهدايا. وتتشابه بعض الطقوس والأغاني على نحو مدهش. ويحفظ غالبية التونسيين ويرددون في حفلات ختان أطفالهم أغنية “طهّر يا مطهّر” الشهيرة للمطرب التونسي اليهودي رؤول جورنو. وما زالت هذه الأغنية تؤدى أثناء عملية الختان وتتبرك بها الأمهات التونسيات أثناء فعل ختان أطفالهن لما لها من تأثير إيجابي، فهي بمثابة البلسم الروحي المريح الذي يخفف من آلام الأم والطفل على حد سواء.

احتفاليات الختان التي تنفرد بها تونس ودول المغرب دون غيرها من بلاد المشرق وباقي بلدان العالم الإسلامي، تأخذ أهميتها من كونها بمثابة التعميد في الثقافة أي ذلك الطقس الذي يعلن ديانة المولود وعقيدته صراحة ودون تردد. وأكثر ما يوحي بذلك هو أنه وفي مقام من مقامات أحد الأولياء في تونس، وكلما تمر عائلة ختنت ولدها أمام أخرى وافدة ليلة السابع والعشرين من رمضان، إلا وتبادرها بالتهنئة والقول “مبروك الدخول لدين الإسلام”، في إشارة إلى أهمية الختان في الإسلام.

وتنتهي الزيارة برش خادم المقام لماء الزهر من المرش النحاسي من صنع حرفيي القيروان على رأس الطفل المختون وأيدي مرافقيه، كأنه ماء مبارك فيمسح به الزائر وجهه ورأسه ويديه كأنما يريد أن تغمره نفحات الزيارة وبركة المكان، فيتصدق بدوره لفائدة المقام بنقود يضعها في صندوق مخصص للتبرعات أو يسلمه مباشرة إلى حافظ المقام الذي رشه بماء الزهر. ويعود ذلك في نظر بعض المؤرخين القدامى والمحدثين إلى أن أهل الأندلس قبل طردهم واستقرارهم بشمال أفريقيا، يقومون بختان أبنائهم أوّل الأمر جهرا دون خوف، ثم خفية بعد أن وقع منعهم من ذلك. وبعد حملات التنصير الإجباري التي مورست ضدهم، كان الأندلسيون يُرغمون على حمل أولادهم، بمجرّد ولادتهم إلى الكنيسة، للتظاهر بتعميدهم، ثم يُسرعون بعد العودة من الكنيسة إلى ختان أبنائهم. وعندما يتفطّن رجال محاكم التفتيش إلى ختان الأندلسيين لأبنائهم، وخوفا من العقاب الشديد الذي سيسلّط عليهم، أشاع أهل الأندلس أسطورة ختان الملائكة لأبنائهم، وأشاعوا أنهم يُولدون مختونين بعناية إلهية كما أورد المؤرخ التونسي محمد المزّي، في كتابه “نور القبس بين طبربة والأندلس”.

كم هائل من الرموز والإشارات التي يبدو بعضها مبهما في احتفاليات الختان بتونس، كاستعمال ما يعرف بـ”الخُمسة” أي صورة الكفّ لدفع خطر العين، وهي كف مريم العذراء الطاردة للأرواح الشريرة ثم تحولت إلى كف فاطمة الزهراء في الحقبة الفاطمية الشيعية، وكذلك استعمال صورة السمكة كرمز للمسيحية. وهذا قادم من بعض المعتقدات المسيحية التي رسخت بأذهان عرب الأندلس في شمال أفريقيا، والذين كانوا قد حُملوا على التنصّر.

كل هذه الرموز والإشارات الأندلسية ذات الخلفية المسيحية تمتزج بدورها مع الثياب التقليدية التي يرتديها الطفل في الختان، والتي لا تخلو بدورها من علامات تركية عثمانية، بالإضافة إلى طرق الزينة وأدوات الحلي الأمازيغية في تناغمها مع ثياب عربية حجازية تلبس قبل يوم من عملية الختان، وخصوصا أثناء زيارة المقامات والزوايا الصوفية المنتشرة في المدن والبلدات التونسية.

13