الخداع الإعلامي.. النصف الآخر من العدوان

الاثنين 2017/06/12

الإعلام سلاح ذو حدين، وهذا العالم ليس عالما مثاليا يعمّه السلام والعدالة والمحبة بل إن تضارب المصالح واختلافها وتضادها تجعل من الخداع الإعلامي سلاحا فعالا في الصراعات، ولكن يتم ذلك عبر أسلوب القوة الناعمة التي تؤثر ببطء وعلى المدى الطويل دون أن يلاحظها الكثيرون.

لقد تطورت آلة الإعلام الجبارة تطوّرا رهيبا ولم تدع نظرية من نظريات العلوم الإنسانية أو وسيلة من وسائل العلوم التجريبية والتقنية إلا وظّفتها لصالحها بمهنية تامة، لذا فإن تجاهلها أو الجهل بقواعد لعبتها لا يعني أننا سنكون في مأمن من تأثيراتها، بل إننا إذا لم نتقن استخدام الوسائل الإعلامية الحديثة فنحن في مأزق وتخلّف.

إن اختلاق الأخبار لا ينافي أحيانا الواقع إلا أن طريقة تقديم وصياغة الأخبار يبرزان الكثير من الانحياز بسبب وجود التقنيات المنتهجة التي باتت تقارب تقنيات الحرب النفسية، على اعتبار أن هناك تفضيلا لنوعية من الأخبار التي تخدم هدفا معيّنا، في حين يتم التغاضي عن أخبار أو إحالتها إلى آخر الترتيب من حيث الأولوية والأهمية. بمعنى آخر تعميق أسلوب التعتيم والتهييج في الخطاب الإعلامي!

ومن الناحية التقنية، تتحجّج القنوات الفضائية بنقل صور ومشاهد بالصوت والصورة لمواطنين، كل من بلده، يتحدثون بلهجاتهم الشعبية للدلالة على أن الأحداث ليست مفبركة وإنما وقعت فعلا ولم تقم القناة سوى ببثها، وأن الصور وصلتها عبر البريد الإلكتروني بعد تضييق السلطات عليها وعدم السماح لها بالتصوير.

وتقنيا دائما، لا ينتبه المشاهدون البسطاء، وعددهم بالملايين، إلى أن التلفزيونات تفرض على نفسها وضع كلمة (أرشيف) كلما تعلق الأمر بصور ومشاهد قديمة، حتى ولو مرت على حدوثها أيام فقط. وهناك أيضا حيل كثيرة لا ينتبه لها المشاهدون من قبيل إعادة القنوات تكرار بث مشاهد القتل والمظاهرات على مدار الساعة في نشرات الأخبار، حتى يحدث الانطباع لدى المشاهد بأن الاحتجاجات متواصلة، حتى وإن كان الواقع على الأرض مختلفا. وفي المحصلة يمكن الوقوف على حقيقة أن الفضائيات العربية كغيرها من الفضائيات العالمية لا تنفذ سوى أجندات إخبارية تعكس الأجندات السياسية للدول التي تملكها.

لقد أحدث الهاتف الجوال ثورة جديدة في عالم الاتصال وتقنية المعلومات، وأنشئت التطبيقات البرمجية والخدمات الذكية للاستفادة من خاصية الهاتف المتحرك لكونه يتميز بالخصوصية وسهولة الحمل، بالإضافة إلى سرعة تطور قدراته وتنوعها. لكن الأهم هو التقاط الصور وإرسالها للوسائل الإعلامية المرئية والإلكترونية. ويكمن سرّ صور الجوال في أنها لا تخضع للمونتاج والفوتوشوب كونها تبقى كما هي لا يمكن التلاعب بها وبالتالي عجزت الأنظمة عن تكذيبها أو وصفها بالمفبركة، إضافة إلى يوتيوب الذي كان العامل الثاني في فضح الجرائم.

إن استراتيجية “الخداع الإعلامي” حيث صناعة التقارير الصحافية والنشرات الإذاعية والتلفزيونية، ترسم صورة مخالفة للواقع والحقيقة لخلق حالة من الخوف والرعب والكراهية والعنف داخل المجتمعات العربية، وتحاول تشويه صورة رموز وشخصيات وقيادات تسعى إلى دعم الاستقرار والأمن واحترام المواثيق الدولية.

كذلك تستهدف استراتيجية الإعلام خلق رؤية غير حقيقية للمشهد في المنطقة العربية من خلال تثوير الجمهور والعمل على تغذية الصراعات الطائفية بين السكان الذين تعايشوا في سلام لقرون طويلة، ليختفي بالمقابل خطاب التسامح والمحبة وتختفي تقارير مساحة التعاطف الإنساني مع ضحايا التطرّف العنيف والإرهاب الممنهج، وتلاشى الأسف والحزن على تدمير الحضارات وتشريد الملايين بعضهم يموتون جوعا.

وهناك أساليب كثيرة للخداع والتضليل تستخدمها قنواتنا العربية، التي تغرّد خارج السرب العربي، ولها أجندات الفتنة والتثوير، كالخداع بالانتقائية المتحيّزة التي تنتقي بعض الكلمات والحقائق والاقتباسات والمصادر وتتجاهل الأخرى، وتقوم بالتركيز على حقيقة، وإغفال الحقيقة الأخرى المرتبطة بها. وإهمال خلفية الأحداث مما يجعلها ناقصة ومشوهة ولا يستطيع المتلقي فهمها وتفسيرها مع التلاعب بالمعلومات وترتيب الحقائق بحيث تعطي معنى وانطباعات معينة.

وهناك التضليل في اختيار قضايا ومشكلات زائفة والابتعاد عن قضايا أخرى تهم الجمهور وتسهم في تشكيل الوعي الصحيح.

كما يستخدم أسلوب الخداع في لفت الأنظار عن قضية معينة بتسليط الأضواء على قضية أخرى وحصر التفكير فيها، والتضليل بالتعتيم والتغييب سواء كان لقضية أو حدث أو مشكلة مما يجعلها خارج وعي الجمهور.

باختصار هناك وسائل إعلام عربية تمارس عدوانا على الجمهور بالخداع الإعلامي، بينما يمارس البعض في ميادين الحياة عدوانا بالحرق والنحر والقتل!

وكلاهما عنوان واحد: أعداء الحضارة!

كاتب عراقي

18