الخدمة العسكرية في المغرب تعود دورات تكوينية ونافذة للوظيفة

المجندون يتلقون في الأشهر الأربعة الأولى من السنة العسكرية تكوينا عسكريا عاما، ثم تكوينات مهنية متخصصة.
الجمعة 2019/08/23
آفاق جديدة للشباب

لم تعد الخدمة العسكرية في المغرب ذلك الواجب الشاق الذي يخافه الشباب ويسبب لعائلاتهم الرعب كما في سائر البلدان العربية. صحيح أنه واجب على تدريبات قاسية ودون مقابل، لكنه أصبح اليوم، فرصة للتكوين واكتساب الخبرة، ونافذة أمل للحصول على وظيفة قارة تحقق الاستقرار لشبان وفتيات يخيفهم الوقوف في طابور البطالة.

القنيطرة (المغرب) - كانت رجاء تأمل بالعمل كممرضة بعد أن أنهت دورة تخصصية في هذا المجال، لكن الحظ لم يحالفها، هي تأمل اليوم كما الآلاف غيرها أن يتم اختيارها لأداء الخدمة العسكرية التي يعاد العمل بها بعد 13 سنة من التوقف في المغرب حيث يواجه الشباب أوضاعا اجتماعية صعبة.

تطوعت الشابة (23 سنة) القادمة من مدينة الخميسات قرب العاصمة الرباط، لأداء الخدمة العسكرية كي “تطور مهاراتها في مهنة التمريض”، بحسب ما تقول.

وتضيف بينما تجلس تحت خيمة إلى جانب متطوعات ومدعوين في انتظار اجتياز الفحص الطبي في إحدى قاعات القاعدة العسكرية الجوية في القنيطرة (شمال الرباط)، أنها تطمح بأن يساعدها ذلك في الحصول على عمل، ما لم توظَّف في القوات المسلحة.

وفي مقر القيادة الجنوبية للقوات المسلحة بأغادير تتقدم الشابة ابتسام إنوش متأبطة ملف وثائقها طابورا متكونا من عشر فتيات، وكأنها تسارع الخطى من أجل الحصول على بطاقة القبول ضمن الفوج الأول من المدعوين للخدمة العسكرية.

بتلقائية متناهية تحدثت ابتسام، عن التجربة الجديدة التي هي مقبلة على خوض غمارها، والتي قالت إنها ستشكل منعطفا حاسما في مسار حياتها وهي في بداية العقد الثالث من عمرها، معتبرة أن الانتساب لسلك الجندية مؤشر دال على قوة الشخصية لدى الإنسان ذكرا كان أو أنثى، كما أنه عنوان للثقة في النفس، ومدعاة للافتخار وسط المجتمع.

تقول الشابة، إنها كثيرا ما سمعت على أفواه صديقاتها بأن العمل في سلك الجندية صعب، ويتطلب الكثير من الصبر والمجهود المتواصل، غير أن هذا لم يكن ليثنيها عن المضي قدما في تحقيق رغبتها، حيث كانت تجيب صديقاتها بأن هذه الصعوبات وهذا المجهود المتواصل الذي سمعت عنه الكثير يشكل بالذات التجربة التي تريد أن تعيشها، كما يشكل التحدي الذي تريد أن ترفعه للبرهنة لصديقاتها بأن صعوبة العمل في سلك الجندية اعتقاد خاطئ، وتأويل مغلوط للانضباط والإقدام ونكران الذات.

وتتطلع الشابة ابتسام إنوش إلى أن يشكل انتسابها للقوات المسلحة في إطار الخدمة العسكرية فرصة لتطوير مهاراتها المهنية في مجال التمريض الذي حصلت على دبلوم لممارسته.

17 مركزا عسكريا فتحت أبوابها هذا الأسبوع حتى نهاية أغسطس لاستقبال 25 ألف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 19 و25 سنة.

وستختار لجان متخصصة 15 ألفا من بينهم سيشكلون أول فوج يؤدي الخدمة العسكرية ابتداء من سبتمبر.

وعلق المغرب العمل بالخدمة العسكرية في 2006، ثم أعلن الملك محمد السادس استئنافها اعتبارا من هذه السنة.

وجاء في بيان للديوان الملكي الصيف الماضي، أن الخدمة العسكرية تهدف إلى “إذكاء روح الوطنية لدى الشباب (…) كما تفتح أمامهم فرص الاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية”.

وتقرر أن يشمل الفوج الأول عشرة آلاف مجند، لكن السلطات ما لبثت أن رفعت العدد إلى 15 ألفا.

وسجلت وزارة الداخلية المغربية في يونيو إقبالا كبيرا للنساء على التطوع لأداء الخدمة العسكرية رغم كونها اختيارية بالنسبة لهن، بينما هي إلزامية بالنسبة إلى الشباب.

وتستغرق الخدمة العسكرية سنة واحدة، يتلقى المجندون في الأشهر الأربعة الأولى منها تكوينا عسكريا عاما، ثم تكوينات مهنية متخصصة في 14 مركزا للقوات المسلحة الملكية. وينقل المجندون الذين يتم انتقاؤهم مباشرة في حافلات إلى تلك المراكز.

شروط صارمة
شروط صارمة

وتتراوح تعويضات المجندين بين 1050 وألفي درهم شهريا (نحو 96 إلى 185 يورو) أثناء فترة الخدمة.

وتركت فاطمة الزهراء (23 سنة) هي الأخرى الدراسة قبل الحصول على شهادة البكالوريا لتعمل في مصنع، لكنها “غير مقتنعة بهذا العمل”، وتأمل أن تتيح لها الخدمة العسكرية تكوينا في مهنة التمريض وأن توظف في القوات المسلحة الملكية.

وتشير الشابة التي ترتدي قميصا صيفيا أزرق وسروال جينز أسود، إلى أنها شعرت بقليل من الخوف في البداية “بسبب ما يقال عن مشاق التكوين العسكري بالنسبة للفتيات”، لكنها الآن لا تخشى سوى أن يتم رفض ملفها.

وتؤكد باسمة، “لسنا أقل كفاءة من الأولاد” الذين ردّ بعضهم بتصفيق مشجّع في أجواء اختلط فيها المرح والترقب تحت الخيمة التي تحيط بها أشجار تلطف حرارة يوم من القيظ الشديد.

في قاعة مجاورة، تجري الفحوصات الطبية والمقابلات مع لجنة مكونة من مسؤولين عسكريين.

ويحلم ياسين (23 سنة) بدوره بوظيفة في الجيش أملا في تحسين أوضاعه، “فالمستقبل مضمون والخدمات الطبية مجانية”، كما يقول بحماس ممزوج بالقلق من رفض ملفه، “لكونه يعاني ضعفا طفيفا في النظر”.

وترك هذا الشاب الذي يقطن في القنيطرة الدراسة مبكرا ليعمل في النجارة ويساعد في إعالة الأسرة، لكنه لا يحصّل في أحسن الأحوال سوى على 500 درهم (حوالي 45 يورو) في الأسبوع، يقول “هذه فرصتي لأنقذ نفسي وأنقذ عائلتي”. ويوضح القائد المنتدب للحامية العسكرية (منطقة عسكرية) للقنيطرة الكولونيل ماجور عبدالناصر ميزوري، أن الأولوية في توظيف الشباب مستقبلا ستعطى لمن أدوا الخدمة العسكرية.

وهي واحدة من المرات النادرة التي تفتح فيها قاعدة عسكرية أبوابها للصحافة.ويشير المسؤول العسكري، إلى أن مدى استعداد المدعوين معنويا لأداء الخدمة العسكرية يعد من المعايير الأساسية التي تعتمدها اللجنة المكلفة بدراسة ملفاتهم.

ويمثل الحصول على وظيفة في القطاع العمومي حلما بالنسبة للكثير من الشباب المغاربة، لكونه يوفر ضمانات استقرار.

وفضلا عن ضمان استقرار اجتماعي، يرى محمد (23 سنة) الذي ترك الدراسة منذ حوالي ثماني سنوات، أن التوظيف في الجيش “يمثل أيضا أملا لأبناء الحي للنجاة من الانحراف”.

20