الخدمة العسكرية كابوس يشلّ حياة الشباب في سوريا

الشباب في سوريا يبتكر طرق متنوعة لتأجيل المصير المحتوم في الالتحاق بالخدمة العسكرية بعد استنفاد خيار الرسوب الجامعي.
الأحد 2020/02/16
الدراسة تؤجل هموم الحرب إلى حين

انقلبت معايير الفشل والنجاح لدى الشباب في سوريا، بسبب ملاحقتهم لحلم وثيقة تأجيل الخدمة العسكرية، فأصبح الهدف من الدراسة الرسوب المتواصل حتى استنفاد المدة المسموح بها قبل الطرد من الجامعة، والأمراض مرحب بها من أجل الإعفاء الصحي، فيما التهجير من المدن وسيلة لفقدان العنوان والتواري عن أنظار الشرطة العسكرية.

دمشق –  “حلّت الكارثة ولم يعد بالإمكان تأجيل الخدمة العسكرية بعد استنفاد سنوات الرسوب في الجامعة”، وبدأت قائمة الحلول وأسعارها تتهافت على محمد من قبل الأصدقاء والمعارف الذين إما نجحوا في مهمة التهرّب من الخدمة العسكرية وإما تحولوا إلى سماسرة لشباب يطاردهم شبح التجنيد.

ويسعى الشباب إلى البقاء أطول وقت ممكن في الجامعة، فيتعمدون الطالب الرسوب، ويقصون بدل العام عامين في السنة الدراسية الواحدة، وباتت جملة “رسبت حالي بمادتين” الأشهر بين الشباب منذ سنوات مع بداية الحرب السورية، وامتداد مدة الخدمة العسكرية إلى أجل غير مسمّى.

والخيار بالنسبة إلى محمد الذي أنهى دراسته الجامعية في الاقتصاد دون أن يحصل على معدل يخوّل له التقدم للماجستير من أجل الاستمرار في الحصول على وثيقة تأجيل خدمة العلم، هو التواري عن الأنظار بعيدا عن الحواجز لحين إيجاد حلّ آخر يستطيع به التحرك في دمشق.

ويعتبر محمد (28 عاما) الذي لا يستطيع الكشف عن اسمه كاملا، أن من حسن حظه أنه لا يقيم في بيته الذي هجره منذ عام 2013، ويقيم في بلدة أخرى في ضواحي دمشق، أي أن عنوانه الفعلي غير موجود في السجلّات الرسمية، وبالتالي يمكنه الاختباء في منزله حتى يجد حلا لمشكلته.

ختم التأجيل حلم

تشترط الدوائر السورية الرسمية على الشباب ممن تجاوزوا التاسعة عشرة، الحصول على ختم التأجيل في دفتر خدمة العلم للموافقة على طلبات التوظيف والسفر والزواج.

ويعتبر التأجيل الدراسي الوسيلة الأكثر سهولة وشيوعا للتهرّب من الخدمة الإلزامية، رغم تشديد القوانين على الطلاب، لتقليص فرص الحصول على التأجيل، كما تم تخفيض تأجيل السفر من سنة إلى أربعة أشهر فقط، وفرض موافقة سفر لكل شاب يريد مغادرة البلاد.

يلجأ بعض الشباب إلى إجراء عمليات جراحية وهمية كشق منطقة في الجسم وإعادة خياطتها، ثم تزوير تقرير طبي عن عملية قلب مفتوح أو عملية في العمود الفقري للحصول على إعفاء طبي من الخدمة العسكرية

ويبذل طلاب السنة الرابعة في الجامعات جهودا كبيرة للتقدم إلى درجة الماجستير من أجل الحصول على سنوات إضافية، وفي حال فشلوا بذلك لجؤوا إلى الدبلوم، وفي حال تعثّر الأمر، طرقوا أبواب التعليم المفتوح أو الموازي أو الجامعات الخاصة التي قد تمنح بعضها درجات الماجستير بمبالغ مالية طائلة، لكنها توفر تأجيلاً دراسيا أقلّ كلفة مما لو حاول الطالب أن يختار حلولا أخرى.

وأصبحت جملة “يحق للدارسين لدينا الحصول على تأجيل للخدمة العسكرية”، في إعلانات المعاهد التدريسية والجامعات الخاصة، دعاية كافية لإقبال الشباب عليها، دون الاهتمام بمستواها التعليمي أو الاختصاص الذي تدرّسه كما هو الحال بالنسبة لمعهد “الست رقية” لدراسة العلوم الشرعية، والذي يلتحق به الطلاب ممن لم تسمح لهم درجاتهم بالبكالوريا من دخول جامعة دمشق، أو من الطلاب الميسورين الذين يجدون في المعاهد والجامعات الخاصة مهربا من الجامعة الحكومية.

ويلجأ الكثيرون إلى بلدات نائية وبعيدة عن دوريات الشرطة العسكرية، فهناك عشرات الآلاف من المتخلّفين عن الخدمة العسكرية في مدن السويداء والسلمية والحسكة وريف دير الزور والمناطق التي لا تتواجد فيها القوات الأمنية بشكل مكثّف كما هو الحال في العاصمة دمشق والمدن الكبرى مثل حلب واللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.

سوق سمسرة

“كل شي بصير بالمصاري، لكن كلفة العسكرية غالية” عبارة يرددها سماسرة المعاملات الإدارية الصعبة، ويقول أحد موظفي شعبة التجنيد إن الخدمة الإلزامية تتطلب مبالغ أكثر من المعتاد، فيمكن أن يُعفى أي مطلوب للخدمة من العسكرية باستثناء من وزير الدفاع، ويتراوح المبلغ من أجل ذلك بين 20 و30 مليون ليرة سورية (حوالي 60 ألف دولار)، لكن الموضوع ليس سهلا وغير مضمون ويكثر فيه النصب والاحتيال.

وانتشرت “حمى السمسرة” في هذا المجال، نظرا إلى اضطرار الكثير من الشباب للتخلّص من ملاحقة دوريات الأمن والحواجز التي لديها قائمة بأسماء المطلوبين للخدمة العسكرية، ويكفي أحيانا تاريخ الميلاد لسحب الشباب من الحواجز في حال لم يمتلكوا وثيقة التأجيل، لكن المشكلة أن الباحث عن الحصول عن تأجيل على دفتر خدمة العلم يصعب عليه اكتشاف صحة الختم من عدمه نظرا إلى تصدّر لرواج “السمسرة” في هذا المجال داخل شُعب التجنيد وخارجها.

وتداولت المواقع الإلكترونية السورية وشبكات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة أخبارا عن إلقاء القبض على شخص يقوم بتزوير أوراق ووثائق رسمية في منزله بدمشق، وضبط بحوزته أربعة دفاتر خدمة علم، وعدد من الأوراق الثبوتية”.

وكان يتقاضى مبلغ 125 ألف ليرة سورية عن كل وثيقة تأجيل مزوّرة، دون حضور أصحاب العلاقة، بعد إيهامهم بأنه حصل عليها بشكل قانوني. ويقوم أيضا بتزوير موافقات سفر مقابل مبلغ 65 ألف ليرة سورية عن كل موافقة (إذن سفر حسب التسمية الرسمية في سورية)، ويعمل في تعقيب المعاملات أمام الدوائر الحكومية دون ترخيص.

الخدمة العسكرية إلى أجل غير مسمى
الخدمة العسكرية إلى أجل غير مسمى

وتعتبر هذه المبالغ ليست كبيرة نظرا إلى تدهور قيمة الليرة السورية (الدولار = 1000 ليرة سورية)، لكنها أيضا تشكّل عبئا على غالبية الشباب، إذ يبلغ متوسط رواتب العاملين في الدولة في سوريا حوالي 60 ألف ليرة فقط.

يمثّل تاريخ 22 من مايو، كابوسا لكثير من الشباب السوريين الذين بلغوا التاسعة عشرة فما فوق، فهو اليوم المخصص لرفع قائمات “التخلّف” لتعميمها على حواجز التفتيش والنقاط الحدودية في الأول من يونيو، ويُصبح بعدها الشاب مطلوبا لكل الجهات الأمنية والعسكرية في البلاد، وفور وصوله إلى إحدى هذه الجهات يساق مباشرة بعدها إلى خدمة الوطن الإلزامية، في صفوف الجيش وغالبا ما تكون على جبهات القتال، وهي معاناة مضاعفة لمن لا يريدون الانخراط في الحرب.

ومع نهاية شهر مايو من كل عام، تعيد الحواجز ونقاط التفتيش انتشارها في مراكز المدن ومناطق تجمّع الشباب، وتبدأ حملات اعتقال المتخلفين والهاربين، فيُساق المتخلفون بداية إلى مقرّ الشرطة العسكرية، ثم فرع الأمن العسكري من أجل التحقيق الذي يستمر حوالي عشرة أيام، وترافقه بعض أساليب “التأديب” على اختلاف أنواعها، ثم ينتقل الشاب المتخلّف “المتقاعس عن واجبه الوطني” إلى مركز التجمع المعتمد في المحافظة قبل أن يتم فرزه إلى إحدى النقاط العسكرية.

وتستحوذ مسألة التهرّب من “العسكرية”، على أحاديث الشباب وأفكارهم في كل مكان، وتعتبر أحد أسباب شلل الحياة، لذلك لم يفقد البعض منهم الأمل في البحث عن ثغرات في القانون كي يفلتوا من خدمة العلم، وأول الخيارات هو الإعفاء الصحي، من خلال الوصول إلى اللجنة الطبية المخولة بإجراء الفحوصات، وتقديم رشوة مالية كبيرة لرئيس اللجنة أو لأعضائها، أو من خلال افتعال مرض ما في الجسد من أجل أن يتم الإعفاء.

ويلجأ البعض إلى إجراء عمليات جراحية وهمية كشق منطقة في الجسم وإعادة خياطتها، للإيحاء بأن عملا جراحيا قد تم، ثم تزوير تقرير طبي عن عملية قلب مفتوح أو عملية في العمود الفقري، رغم كلفته الباهظة.

وابتدع أحد الشباب فكرة أخرى بتناول كميات كبيرة من السكر قبل الفحص الطبي، لتظهر نتائج الفحص أنه مريض سكري، وبالتالي يمكنه أن يؤدي الخدمة العسكرية في مكان إداري وليس في موقع ميداني على إحدى جبهات القتال.

كما يلجأ البعض إلى مضاعفة أوزانهم بما يفوق الحد المطلوب للخدمة الإلزامية، فإذا بلغ الشاب وزناً يزيد عن 130 كغ، يُعفى صحيا، فيداوم على تناول الحلويات والنشويات بشكل مبالغ فيه جدا على مدى أكثر من عام، ليصل إلى الوزن المطلوب للحصول على ورقة الإعفاء.

وشاع أيضا بين الشباب ما يعرف باستئجار الهوية، خصوصا أن الصور الشخصية في الهويات الوطنية قديمة ويمكن التحايل عليها بالشبه بين الأخوة والأقارب، فأصبحت هذه الحيلة وسيلة سهلة لا تكلف أموالا، حيث يتم  التناوب على هوية أحدهم من غير المطلوبين للخدمة العسكرية، على أن تكون الأعمار متقاربة.

وسائل تكيف

عروة، شاب سوري يبلغ من العمر25 عاما، مطلوب لخدمة العلم منذ عامين، بعد أن أنهى دراسته في معهد إدارة الأعمال، يعمل ضمن محلّ لبيع الملابس في سوق الحميدية بدمشق، واستأجرت عائلته شقة صغيرة في منطقة ليست بعيدة جدا، حيث لا يضطر للتنقل بالسيارة.

 وفي مواسم التفتيش يحاول تجنّب التنقل إلى أقلّ الحدود الممكنة دون المرور بالحواجز العسكرية التي لا تهتم أصلا بالمارة، وتصب جهودها في تفتيش السيارات الخاصة ووسائل المواصلات العامة.

والمشكلة بالنسبة إلى عروة اليوم أن الإيجار في دمشق أصبح يرهق عائلته مع ارتفاعه باستمرار، ويزداد تأمين متطلبات الحياة الأساسية صعوبة، وأصبح الحلّ بالنسبة له إيجاد طريقة للهروب خارج البلاد.

ويؤكد الكثير من الشباب الموجودين في المخيمات خارج سوريا أن السبب الرئيسي لتركهم البلاد، هو الهروب من الخدمة الإلزامية التي تعني حتما تحويلهم إلى القتال دون وجود “واسطة” كبيرة تعفيهم من المصير المحتوم.

وينص القانون المعمول به في سوريا على أن كل شاب يغترب أربع سنوات كاملة، يصير قادرا على دفع “بدل خارجي” قيمته 8000 دولار، ثم يسمى، رسميا، معفىً من خدمة العلم ويصبح بإمكانه أن يعود إلى البلاد دون أن تلاحقه الشرطة العسكرية.

لكن أصبحت تكلفة الهروب خارج البلاد مرتفعة جدا، حيث أقرّ مجلس الشعب السوري في يناير الماضي، تعديلا على إحدى مواد قانون خدمة العلم يتعلق بمن تجاوز سن الـ42 ولم يؤد خدمته الإلزامية ولم يدفع البدل، حيث يقضي التعديل بمصادرة أملاك وأموال المتخلّفين عن دفع مبلغ البدل، بما يعادل ثمانية آلاف دولار أميركي دون إنذار مسبق.

وتم تعديل هذه المادة بحذف كلمة الاحتياطي واستبدالها بكلمة التنفيذي، لتنتفي الحاجة إلى إنذار المكلف. وتنص المادة الجديدة “يُحصل بدل فوات الخدمة المترتب بذمة المكلف عند تجاوزه سن 42 عاما وفقا لقانون جباية الأموال العامة ويقرر الحجز التنفيذي على أمواله، دونما حاجة لإنذاره، وُيلقى الحجز الاحتياطي على الأموال العائدة لزوجات وأبناء المكلف ريثما يتم البت بمصدر هذه الأموال في حال كانت أموال المكلف غير كافية للتسديد”.

19