الخدمة الوطنية في الإمارات.. تمكين للدولة والشعب

تعليم الإماراتيين ما هو أكثر من حمل السلاح، العمل الجماعي والتواضع والانضباط ضمن برنامج متعدد الأهداف لبناء دولة المواطنة.
السبت 2018/04/21
تجربة جريئة ومغايرة

أبوظبي - في نهاية مايو المقبل، تكون الإمارات قد قطعت أربع سنوات منذ أقرّت الخدمة الوطنية الإلزامية، بناء على قانون اتحادي أصدره رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وهو القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2014 لتنظيم الخدمة الوطنية والاحتياطية.

تأسس القانون الاتحادي انطلاقا من خلفيّات يختلط فيها الانتماء والهوية بالتكوين النفسي والبدني والأمني بالعسكري والتاريخي بالجغرافي والاقتصادي، وهذا يحقق منظومة القيم التي يراهن عليها صانع القرار في الإمارات لتعميق مسار الدولة الحديثة، المواكبة، بل والشريكة في حداثة العالم وتطوره، ورسم أفقه المستقبلية.

جون التمان: برنامج الخدمة الوطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة واسع وطموح
جون التمان: برنامج الخدمة الوطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة واسع وطموح 

التجنيد في الإمارات بما يحمله من هدف أساسي، هو خدمة الدولة، كما هو في تسميته بـ”الخدمة الوطنية”، يأتي في سياق دولي، وفي صياغة معروفة في كل الاختيارات الكبرى والقوانين الخاصّة بجيوش العالم، والتي تنظم العلاقة بينها وبين الشعوب، أي المدنيين ــ في الدول المتقدمة والمتخلفة، الصغيرة والكبيرة ــ  وإن كان مجيئه متأخرا مقارنة بدول العالم، بما في ذلك معظم الدول العربية، إلا أنه كان لا بد من نضجه من خلال توفر شرطين أساسيين: القبول الاجتماعي، بحيث تستوعب الذهنيات معنى الخدمة الوطنية (التجنيد) والشعور بوجود مخاطر أمنية ظاهرة أو خفية، وأخرى جغرافية تتعلق بالسيادة الوطنية والوحدة الترابية وبالتوترات العسكرية الإقليمية.

بعد أربع سنوات من تطبيق قانون الخدمة الوطنية في الإمارات، لا يزال هذا الاختيار يثير اهتمام الباحثين، من ذلك دراسة صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مقره واشنطن.

حملت الدراسة عنوان “مواطنون تحت التدريب: التجنيد الإلزامي وبناء الأمة في الإمارات العربية المتحدة”، أعدها الباحثان جون التمان ومارغو بالبوني، وقد انطلاقا في دراستهما مما لمساه من التجربة الإماراتية “الجريئة والمغايرة”.

وتشير الدراسة المطولة، إلى أن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الإمارات إلى فرض التجنيد هو عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة.. في الشمال هناك إيران، ثم هناك صراعات أخرى في كل من: العراق وسوريا وأفغانستان واليمن وليبيا”،

لكنها تيؤكد أيضا على أن النظر إلى الجانب الدفاعي في الموضوع فقط، يجعلنا نغفل أسبابا أخرى مهمة لهذا التجنيد، إذ من المهم أن نفهم على نطاق واسع تعريف دولة الإمارات للأمن القومي، وكيف يحكم مستقبلها؟ ومدى طموح برنامج الخدمة الوطنية في البلاد؟

مدرسة للأمة

يجيب الباحثان على الأسئلة السابقة بالقول إن برنامج التجنيد أكثر من مجرد رد فعل لزيادة الضغوط الأمنية في المنطقة، فعلى نطاق أوسع يبدو أن الإمارات تعتمد التجنيد إطارا رئيسيا لبناء الدولة، وباستخدامها نموذجا عسكريا متطورا، تسعى، خلال عام أو عامين من التدريب فقط، إلى تحقيق ما وصل إليه العديد من الدول على مدى ما يفوق العقد من التعليم العام، وهي بهذه الخطوة، تتبع وتبتكر تقليدا بعيدا، اتّبعته دول أخرى، يسعى إلى استخدام الجيش باعتباره “مدرسة للأمة” بنتائج متفاوتة.

ويذكر الباحثان أمرين مهمين “الأول أن البرنامج الخدمة الوطنية الإماراتي واسع جدا وطموح جدا، والثاني: أن للجهود التي تبذل في هذا البرنامج تأثيرات عميقة على مستقبل الإمارات وأيّ دولة تحذو حذوها”.

وبعيدا عن المخاطر الخارجية، فإن هناك قضايا أشار إليها الباحثان تمثل اهتماما لدى المسؤولين، من ذلك: ضرورة الحفاظ على “هوية إماراتية” معينة، بالنظر إلى العولمة ووجود جنسيات متعددة في البلاد، والخوف من النتائج المترتبة على نعومة الحياة والاعتياد على حياة الرفاهية ومشكلات المنظومة التعليمية، يضاف إلى ذلك رغبة الإمارات في تحويل اقتصادها إلى اقتصاد يعتمد على مصادر كثيرة متعددة، وليس النفط فقط، وبناء عليه يجب تعليم الشباب الإماراتي ليكونوا أفردا أقوياء ومنتجين.

ولم تكتف الإمارات عند طرحها لمشروع برنامج الخدمة الوطنية، على ما هو محلي، تاريخيا وسياسيا وقيميا، ولكنها قرأت بتبصّر تجارب الآخرين، وبهذا الخصوص يتحدث الباحثان “عن ثلاث دول نظرت إليها الإمارات من خلال دراسات مكثفة للعمل على برنامجها التجنيدي الخاص، وهي: سنغافورة وفنلندا وكوريا الجنوبية.

ويأتي التركيز على هذه الدول من أن برنامجها للتجنيد لا يهدف إلى الدفاع فقط، بل يشكل منظومة مجتمعية كاملة، كما أن برنامج الخدمة الوطنية يهدف إلى تعليم الإماراتيين ما هو أكثر من حمل السلاح، من ذلك: العمل الجماعي والتواضع والانضباط.. إلخ، وإلى جانب ذلك تشير الدراسة إلى جملة  من الأهداف الأخرى، وهي كالتالي:

*جعل المواطنة في الإمارات أداء وليست انتماء مكتسبا بالفطرة فقط.

*تحقيق السلوك المدني الجيد، وهو من أهم الأهداف، فالبرنامج يهدف إلى تحول في شخصية المواطنين، بحيث يصبحون أفضل حتى في النواحي البسيطة: عدم القيادة بتهور، انخفاض مستوى الطلاق، الاهتمام باللغة العربية، والاعتدال في الإسلام، الابتعاد عن الثقافة الاستهلاكية.. إلخ.

*دفع الإماراتيين ليكونوا أفرادا منتجين في وظائفهم.

*الحفاظ على الصحة، مثل: التصدي للبدانة والسكري.. إلخ.

ثقافة التضحية

Thumbnail

وضعت دولة الإمارات حوافز للانضمام إلى الخدمة الوطنية، من بينها أن الإماراتي العامل سيستمر في الحصول على مرتبه الشهري لإعالة عائلته، وتكون لديه أولوية في الحصول على أراض، ومساعدة للزواج.. وغيرها. وكذلك يعمل برنامج الخدمة الوطنية من أجل إزالة الفروقات بين الإماراتيين.

وتذهب الدراسة إلى أنه بحلول سبتمبر 2017 تم استدعاء 50 ألف شاب للخدمة الوطنية، وتحقيق البرنامج لجملة من النتائج الإيجابية، منها أن كل فرد في المجتمع الإماراتي أصبح يعرف شخصا ما أدّى برنامج الخدمة الوطنية، الأمر الذي له تأثير طيب على الصغار الذين يعرفون أنهم سيؤدون البرنامج نفسه في المستقبل.

وتحدد الدراسة جملة من النتائج تعد بمثابة رؤى تقييمية للبرنامج الإماراتي الخاص بالخدمة الوطنية، منها:

*تأثير الخدمة الوطنية سيظهر على مدى السنوات العشر أو العشرين المقبلة.

*نجاح هذا البرنامج يعتمد على رؤية المراكز القيادية، ومدى الشرعية التي يرى الإماراتيون أنه يحملها.

*برنامج الخدمة أكثر بكثير من مجرد برنامج لبناء الجيش. إنه برنامج لبناء المجتمع انطلاقا من الجيش.

*يعتبر البرنامج أوضح علامة حتى الآن على رؤية القيادة الإماراتية، لجهة تحديد نقاط القوة والضعف في مجتمعها، ومعرفة أفضل طريقة للتقدم، وإلى أين تود الذهاب.

*الحكومة الإماراتية لا تستخدم الخدمة الوطنية لتحويل أبنائها إلى رجال فقط، بل أيضا لتحويل رجالها إلى جنود، إلى مواطنين وإلى أشخاص قادرين على الحصول على أجورهم (عاملين)، وتعميق توحيد الإمارات السبع بشكل أكبر.

ويخلص الباحثان إلى نتيجة “أن الأهداف التي حددتها الدولة، والمسار الذي اختارته لإنجازها، سيكون لهما تأثير عميق ليس فقط على الإمارات، ولكن أيضا على الدول المجاورة التي ستستخلص دروسا من النموذج الإماراتي”.

7