الخديوي في "سرايا عابدين" بين حقائق وافتراءات

الخميس 2014/07/24
"سرايا عابدين" شبهه بعض النقاد بـ"حريم السلطان" في نسخة عربية مشوهة

لكل دراما تحاكي التاريخ، وتوثقه وتعيده الآن وهنا، نصيبها من النقد ومن الخطإ أيضا. وعليه فإن مسلسل “سرايا عابدين” الذي يعرض في الموسم الرمضاني الحالي شغل الكثيرين بما قدمه من معالجة درامية لفترة حساسة ومهمة من تاريخ مصر، قد وصلت في رأي المختصين والمهتمين إلى درجة الافتراءات المختلقة.

المسلسل الذي يتناول حياة الخديوي إسماعيل أثناء حكمه لمصر من مكانه في قصر عابدين وسط القاهرة، هو من تأليف الكاتبة الكويتية هبة مشاري حمادة وإخراج عمرو عرفة.

المسلسل من تمثيل مجموعة من النجوم العرب من بينهم الفنانة يسرا، قصي خولي، عبدالحكيم قطيفان، غادة عادل ونيللي كريم وكارمن لبس. حيث أنه وكما الموضة الدرامية الآن، يستقطب ممثليه من كل الوطن العربي، من سوريا ومصر ولبنان وغيرها، ليجمعهم في مشهد واحد، يتكلمون جميعهم لغة تكاد تكون واحدة.

وبعد عدة انتقادات طالت أسرة العمل، بسبب تشويههم عن قصد أو دون قصد لشخصية الخديوي إسماعيل، ومن أقرب من ظلوا على قيد الحياة من عائلته. والذي يشار في صفحات التاريخ إلى أنه قدّم عدّة إصلاحات لمصر خلال فترة حكمه بين 18 يناير 1863 إلى أن خلعته أنكلترا عن العرش في 26 يونيو 1879.

يمكننا أن نتكلم عن مكانة “سرايا عابدين” دراميا، على صعيد الفكرة والمعالجة أولا وعلى صعيد الشكل الخارجي ثانيا. لنكتشف أن المسلسل عبارة عن نسخة مقلدة للمسلسل التركي المدبلج “حريم السلطان” في تطرقه إلى السيرة الذاتية للسلطان سليمان. وذلك بكل التفاصيل إذا ما ذهبنا إلى مقارنة حقيقية. المسلسلان وإذ ينقلان للمشاهد سيرة ذاتية لشخصيتين تاريخيتين، يظهران كلا من السلطان سليمان والخديوي إسماعيل، محاطين بالنساء. بدءا من الوالدة باشا “السلطانة” مرورا بالعمة أو الأخت والزوجات والجواري طبعا.

وهذا وإن كان صادقا ولو بدرجات قليلة أو متفاوتة، لا يمنح الحق لأيّ أحد أن يستدعي الحياة الشخصية أو الاجتماعية لواحد من عمالقة التاريخ، ويبني وفق خيوطها العريضة الكثير والكثير من التفاصيل الخطيرة التي من شأنها أن تتسبب بالإهانة له، أو أن تشوّه حقيقته وحقيقة من حوله.

وفي حديثنا عن النساء حول الخديوي، قد نستغرب فعلا، هذا العدد الكبير منهن حوله كما قدمه العمل، حتى أن العلاقات القائمة بينهن بالدرجة الأولى، وبينهن وبين الخديوي بالدرجة الثانية، تشكل الحبكة التي تتمحور حولها كل الأحداث من بداية العمل حتى نهايته. وما يجب الوقوف عنده في هذا الشأن، كمية المؤامرات التي تحيكها يوميا نساء القصر للاستيلاء على قلب الخديوي وعلى السلطة من بعد ذلك.

المسلسل يستوحي أحداثه من حياة الخديوي إسماعيل الاجتماعية ويفاجئ المشاهد بأسرار القصر

والذي يجعلنا نطرح سؤالا مهما عن حقيقة ما يتمّ تجسيده على الشاشة الصغيرة، فهو شئنا أم أبينا في غاية الخطورة حيث يشير بإصبع الاتهام بالقتل والخيانة إليهن، وبالتالي ثمة محاكمات تاريخية لم تحصل ويستعيد المسلسل فتح ملفاتها. إن هذا الاهتمام الواضح بالنساء حول الخديوي، مقصود دراميا، باعتباره يمنح العمل طابعا تشويقيا يستقطب عددا كبيرا من المشاهدين على مستوى الوطن العربي.

بالإضافة إلى كونه يشكل مادة دسمة من الإنتاج الضخم الذي من شأنه أيضا أن يحصد نسبة عالية من المتابعة الجماهيرية. خاصة وأنه تمت الإشارة إلى كونه من أضخم الإنتاجات الدرامية العربية. الشيء الذي يظهر فعلا في عدد الممثلين والممثلات، والملابس والمجوهرات، والديكورات المبالغ في تزيينها وصناعتها وغير ذلك.

وللأسف، ركز القائمون على العمل في استحضارهم لحياة الخديوي إسماعيل، على خاصية التشويق، دون أية مراعاة لما ستتسبب فيه الأحداث المجسدة من إهانات واتهامات لشخصيات بارزة في التاريخ.

فهل صحيح أن حياة الخديوي كانت بهذا البذخ المفرط، بينما كثير من الشعب يعاني؟ ونسأل كذلك: أين الطبقة الوسطى من أهل مصر؟ نحن لم نر تقريبا إلا طبقتين، الطبقة الحاكمة وطبقة الخدم. فالمشاهد تكاد تكون محصورة داخل سرايا عابدين، وقليلة المشاهد التي صورت خارجه. لذا فنحن وفي حلقات المسلسل اليومية، نواجه هاتين الطبقتين فقط.

ربما كان الخديوي إسماعيل يستحق وقفة أعمق من تلك الوقفة التي قرر “سرايا عابدين” أن يستوقفه عندها. لكننا لا نستطيع إلا القول إن العمل طرح فكرة مغايرة تستحق بدورها التوقف والتأمل، كما أن من حق النقاد وأصحاب الشــأن أن يتناولوها كما تمّ طرحها.

16