الخراب مكللا بالغار

الاثنين 2015/07/06

منذ متى كُنّا نحبو؟ لقد نسيت، نسيتُ حقا.

كان ذلك قبل مئتي سنة تقريبا، أكثر أو أقل لا يهمّ، المهم أن جميع من عاشوا تلك الحقبة وخبروا متاعبها رحلوا، ولم يبق أحدٌ كي نسأله: متى كُنّا نحبو؟

ويمكن للإبداعات التي لا تزال تحبو، رغم أنها تُقَدَّمُ لنا باعتبارها بالغة النضج، أن تظلَّ في إطار المقبول لو تمّ التعامل معها باعتبارها تجاربَ أولى. أو نصوصا شابّة، فيها ما في البدايات، وفورة الشباب، من عيوب، وفيها ما فيها من وعود بالأفضل. غير أن تلك الأعمال تُقدَّمُ لنا باعتبارها من أبدع ما كان وما سيكون، جائزة كذا، وجائزة كذا، أعمال توّجتها أكاليلُ الغار فجعلت أصحابها يعتقدون أنهم بلغوا قمة العطاء، في حين أنهم لا يزالون في مرحلة الحبو.

والسؤال الموجع هو: لماذا وبعد أن كبرنا، وحلّقَ بعض مبدعي فضائنا الثقافي العربي إلى ذُرى العالمية، ووصلنا إلى مرحلة لم تَعد تنفع معها الذرائع التي تَرُدُّ ركاكة نصوصنا إلى صعوبات الفكاك من عصر الانحطاط؟ لماذا؟ إذن، هناك من يهمل كل الإنجازات، التي راكمتها الثقافة العربية المعاصرة ويعيدنا بنصوصه التي تفتقر إلى أبسط مقومات العيش إلى الزمن الذي كنا نحبو فيه، نتلمس بأقدامنا الضعيفة، وذاكراتنا الخالية من أي إرث حداثي طريقا للمشي أو التحليـق في اتجاه فضــاءات كونية أرحب.

فكثير من الإبداعات الراهنة، خذ ما شئت منها، تجهل كما أشرت، ما تمّت مراكمته في فضاء الثقافة العربية في المئتي سنة الماضية؟ وتبدو وكأنها تبدأ من الصفر، أو من شيء أقل من الصفر. ولا نقول ذلك لنتحامل على أحد أو كي نُرَوِّجَ لأحد. إذ أن الإبداع وحده، كما تقول لنا التجربة البشرية، هو وحده المؤهل أن يُرَوِّجَ لنفسه. إما أن يحتلّ مكانة في تراث الأمة والعالم، أو يحفر قبره بيديه. وما من خيار ثالث.

والواقع أن كثيرا مما نقرأه أو نسمعه أو نشاهده في حقول الإبداع العربي قاطبة يُعيدُنا، لأسَفِنا الشديد، للتذكير بأوّليات الكتابة والإبداع. ما ينبغي وما لاينبغي. من أين نبدأ وأين نقف. أشياء نسيناها بعد أن صارت بديهيات. ويبدو أن كثيرا من الإبداع الراهن لا يعرف حتى أبسط البديهيات.

فمن أوليّات الكتابة، والإبداع عموما أن يتعارك الكاتب، بعد أن يكون قد أحس بامتلاء بالنص أو اللوحة أو القطعة الموسيقية، أو أي شكل إبداعي آخر، يشبه امتلاء الآبار بالماء، وعلى نحوٍ يستحيلُ معه الفكاك من ذلك الامتلاء بوسائل أخرى، بأسئلة من مثل: كيف نكتب، ومن أجل أي غاية نكتب؟ وما الذي يمكن أن نفيده ممن سبقونا في تلك المحنة اللذيذة؟ محنة الإبداع الذي يترك عذاباتنا نهبا لفضول الآخرين! وهي أسئلة لا يسألها المبدع لنفسه بشكل مباشر، بل يترك للنص أن يصارعها، وبنتيجة صراعهما، الكاتب ونصه، والشكل الذي صيغ عبره ذلك الصراع، تتوقف جودة النص أو رداءته.

كثير من إبداع هذه الأيام لا يزال يحبو. ويعاني من حالة زهايمر ثقافي يجهل معها أي علاقة بواقعه المعيش وبالإرث الثقافي المحلي والكوني الذي تحقق قبل قدومه غير المظفّر إلى عالم الإبداع.

يصدمنا ذلك يوميا ليس فقط في ما نقرأه، بل في ما نشاهده أيضا ونسمعه في حقول الإبداع الأخرى. فمعظم ما يتمّ تسويقه لنا على أنه منتج ثقافي عالي الجودة، ومن أسماء ومسميات يحيطها بريق الشهرة ليس أكثر من دُمى لا قلوب لها، ومعظمها كسيح، أجساد بلا أقدام، طيور بلا أجنحة، إبداعات تعيدنا إلى الفترة التي كانت فيها ثقافتنا العربية تتلمس خطواتها الأولى مثل أيّ وليد قادم لتوّه إلى الحياة. والمؤسف أن ذلك الخراب يجري تكليله بالغار. فأيُّ عار في خراب يكلل بالغار.

كاتب من فلسطين مقيم في دبي

14